من جواهر ما ورد في مجموع البيان:-
أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه ولم تزل الشبهة يقينه -
عرض – سيف بن ناصر الخروصي - من الكتب القيّمة مجموعة البيان لحسن مكارم الأخلاق على مر الزمان للشيخ مبارك بن سعيد بن بدر بن محمد الشكيلي الغافري – دراسة وتحقيق هلال بن محمود البريدي والكتاب هو كما وصف في ملخص العمل الذي جاء في صدر هذا الكتاب عبارة عن مختارات شعرية ونثرية تدعو الى مكارم الأخلاق ونستطيع من خلالها ان نستقرىء كثيرا من طرائق العرب في آدابهم وصولا الى زرع مهارة الملكة الأدبية في المتلقي حتى يتمتع بالبيان في حديثه وكلامه وهي أعلى درجات إجادة القول عند العرب قديما.
وقد حرص الباحث في تحقيقه لهذا الكتاب على شرح كلمات المصطلحات وتصحيح ما ورد في الألفاظ من تصحيف وضبط الأبيات الشعرية بالحركات المناسبة وتخريجها ونسبتها الى قائليها واستخراج البحور الشعرية التي تنتمي اليها ووضع تراجم باسماء الأعلام الكثيرة الواردة فيه وقام ايضا بتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة كما ناقش المحقق كثيرا من القضايا الجدلية التي وردت فيه وزود الكتاب بفهارس عديدة دقيقة تخدم البحث وقام كذلك بتزويد هذا العمل بدراسة متعمقة عن مؤلف الكتاب فترجم له وعَرف به وبعصره وبين موقعه منه وحدد دوره فيه وتحدث عن الحياة الثقافية في عصره ومكانته العلمية كما ان الباحث عرف في دراسته بالكتاب ومنهجه والأغراض الشعرية بين دفتيه وعرض موضوعات النثر وفنونه مما ورد فيه كالرسائل والقصص والحكم التي تجري مجرى الأمثال وغيرها.
قدم لهذا الكتاب الشيخ مهنا بن خلفان الخروصي ومما ورد في هذه المقدمة (يا له من كتاب اوفى به المجد نذره وابلغ الحفاظ والأدباء عذره ونظرت عيون السياسة قرارها واستنظرت جباه الرئاسة غرارها يتأزر صيته بالسحب وتعمم بمجرة الشهب واصاب شواكل الصيد في الرمي بألفاظ اغض من الزهر الجني وابهى من العقود على النحور بجواهر الحلي فما هو الا روضة ملفوفة تثلج فؤاد المصدور من سحر البيان متبرجة بسندس المعارف مضرجة بعبقري المطارف نهضة محتسب لا تسري سآمة الكلل بليله متدرعا بعزم منتدب لا يعلق الفتور بذيله مشمرا عن ساق الجد والاجتهاد في علمه الدؤوب يرصد مطالع السعد لتحقيق حقائق غاية المطلوب خاض دونه المكاره فلم يثن عطفه ولم يغض طرفه).
الموضوعات
ضم الكتاب 41 باباً بدا المؤلف كتابه بمقدمة بعدها عرض الأبواب محدثا فيها عن الإبانة عن فضل العلم والعقل (من كتاب الفائد والقلائد) وغيره وتفضيل العلماء واجلالهم واكرامهم واحشامهم ومراتبهم وأفعالهم واقوالهم والتغليظ لهم والتوحيد ومعرفة العزيز الحميد والرد على الوثنية والايمان والاسلام وفيما لا يتم الإسلام الا به والاستعانة على الزهد والعبادة من كتاب الفرائد والقلائد والاستعانة على اللسان من كتاب الفرائد والاستعانة على أدب النفس من كتاب الفرائد والقلائد والاستعانة على مكارم الأخلاق من كتاب الفرائد والقلائد والاستعانة على حسن السياسة من كتاب الفرائد والقلائد والاستعانة على حسن البلاغة من كتاب الفرائد والقلائد ومن كلام الانبياء صلوات الله عليهم والعلماء والزهّاد من كتاب الفرائد والقلائد ومن كلام العرب وحكمائها وشعرائها من كتاب الشواهد ومن كلام الفرس وحكمائها من كتاب الشواهد والشوارد ومن كلام ملوك يونان وحكمائها من كتاب الشواهد والشوارد
والمشتمل على شواهد ما ذكرته الهنود من كتاب(كليلة ودمنة) والشكر والثناء
والنعوت بالمكاتبات وما يخص بالوزراء ومما يخص بالأمراء ومما يخص بالقضاة والمشائخ والصالحين وفي اجوبة الكتب ومعانيها وفي الهدية وما يتصل بها وفي التهادي والتهنئة وقدم ستة فصول في هذا الباب تتمثل في تهنئة العيد وتهنئة بشهر رمضان وتهنئة بالقدوم من الحج وتهنئة بالقدوم من السفر وتهنئة بختان وتهنئة بعرس ثم تطرق الى احديث عن التعازي والاعتذار وايام الفراق وفي الوداع والتعازي مضمنا في ذلك حكاية وفصلا في الوداع.
وتطرق الى عيادة المريض وما يكتب له في ذلك والقناعة وما جاء فيها وما جاء في السؤال والإقامة في الأوطان وترك الأسفار وما جاء في الأمن والتحريض على التغرب والاسباب في طلب الاكتساب والجود والسخاء وحسن الخلق والتواضع وما جاء في ذلك وما جاء في ذم الكبر ومدح الصدق والوعد والتقاضي موضحا ذلك في اربعة فصول وهي : مطل الوعد وما قيل في خلف الوعد وفي الوعد الكاذب وفي المعطي بغير وعد.
وتطرق الى الغيبة والنميمة والسعاية وما جاء في النميمة والسعاية
وثم تطرق الى ذكر الحسد والبغي والغدر وفي المشورة والنصيحة وما جاء في ذلك
بعد ذلك عرج الى ذكر شيء من كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم وخبر أهل المائدة ووصية الخضر عليه السلام وفيما سأل افلاطون سقراط وفي اختيار وحكايا عن الأنبياء والصالحين صلوات الله عليهم.
وتحدث عن ترك المزاح والحكمة وفنون شتى صالحة للناس وما كتبه عبدالله بن اباض الى عبد الملك بن مروان.
بعد ذلك قدم قائمة بمصادر ومراجع التحقيق الرقمية وفهرس الشواهد القرآنية والأحاديث والشعراء والبلدان والقوافي الشعرية والبحور الشعرية وفهرس الأعلام والموضوعات.
الاستعانة على الزهد
ومما جاء في الباب السابع من هذا الكتاب تحت عنوان (الاستعانة على الزهد والعبادة من كتاب الفرائد والقلائد: من قنع بالرزق استغنى عن الخلق، ومن رضي بالمقدور قنع بالميسور، ومن رضي بالقضاء صبر على البلاء، ومن عمر دنياه ضيع ماله ومن حفظ آخرته بلغ آماله، ومن حاسب نفسه سلم، ومن حفظ دينه غنم.
الياس يعز الفقر، والطمع يذل الأمير. من اتقى الله وقاه، ومن اعتصم به نجاه. القناعة يسر المعسر، والصدقة كنز المؤمن – نسخة الموسر.من صبر نال المنى ومن شكر خص بالنعماء.
قوة اليقين من صحة الدين. ما انقضت ساعة من أمسك إلا ببضعة من نفسك، ولا ساعة من دهرك إلا يقظة من عمرك. الرضا بالكفاف يؤدي الى العفاف. من عاد الى ذنبه اجترأ على ربه. من سالم الناس سلم، ومن الخير غنم. درهم ينفع خير من دينار يصرع. خير الأموال ما نفق منه وخير الأعمال ما وفق له. خير العلم ما نفع وخير الوعظ ما ردع ومن لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ الدنيا حلم والاغترار بها سقم. السعيد من اعتبر بأمسه واستظهر لنفسه والشقي من جمع لغيره وظن على نفسه بخيره. الرب لايموت والخير لا يفوت. قل ما شئت، وافعل ما هويت، وكل يحصد ما زرع، ويجزي بما صنع. لنا من كل ميت عظة بحاله وعبرة بمآله. زد من طوال أملك في قصر عملك. لا يغرك صحة نفسك، وسلامة امسك فمدة العمر قليلة، وسلامة الجسم مستحيلة. من طال امله ساء عمله ومن أطاع هواه باع دينه بدنياه.
كل يجري من عمره الى غاية ينتهي اليها مدة اجله، وينطوي عليها خفي أمله، فزد في حسناتك وانقص من سيئاتك، قبل ان تستوفي مدة الأمل وتقصر عن السعي في الزيادة في العمل الخير أجل بضاعة، وبالاحسان افضل الزراعة.علم لا يصلحك ضلال، وما لا ينفعك وبال. ثمرة العلوم العمل بالعلوم. من اعود ما يختاره العاقل أن لا يتكلم الا لحاجته او لحجته ولا يتفكر الا في عاقبته وآخرته.
من سر بحسن المواهب سيء بقبح المصائب. من رضي بقضاء الله لم يسخطه احد ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد. من آمن بالله العظيم التجأ اليه، ومن وثق به توكل عليه. ومن وثق بالله الكريم اغناه، ومن توكل عليه كفاه، ومن خافة قلت مخالفته، ومن عرفه تمت معرفته. ما أنصف من نفسه من ايقن بالحساب، وزهد في الأجر والثواب. من عرف الدنيا وطلبها فقد ضل الطريق، وحرم التوفيق.
من ابصر عيبه لم يعب احدا، ومن عمي عن رشده لم يرشد ابدا. من تعرى من لباس التقى لم يستتر بشيء من الكساء. من رضي ما اتاه الله من خير لم يبصر ما رآه في يد غيره. من نصره الحق لم يظهر ومن خذله الباطل لم ينصر.
من لم يتعظ بموت ولد لم يتعظ بقول احد. من لم يعتبر بالأيام ينزجر بالملام. من رضي سلطانا جائرا اغضب ربا قادرا. من تعزز بالله لم يذله سلطان. من توكل على الله لم يضره انسان. من اكتفى باليسير استغنى عن الكثير.
من صح دينه صح يقينه. من استغنى عن الناس أمن عواقب البأس. من رفع حاجته الى الله تعالى استظهر في امره، ومن وضعها وقع في قدره. من استظهر بالله استغنى عن عباده ومن وثق بالله تعالى استظهر بمعاده.
افضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه، ولم تزل الشبهة يقينه. خير الناس من اخرج الحرص من قلبه، وعصى هواه في طاعة ربه. المعاونة في الحق شرف، والمعاونة في الباطل سرف. ونصرة الحق صيانة، ونصرة الباطل خيانة.
افضل الناس من كان بعيبه بصيرا، وعن عيب غيره ضريرا. الدين سور واليقين نور. والسعيد من خاف العقاب، وآمن وطلب الثواب، فالرشيد من طلب الطاعة، والغني من آثر القناعة. خير الأموال ما نفعك في يومك، وأسعدك في داريك. الثقة بالله تعالى أقوى أمل، والتوكل عليه أرجى امل. الدين أقوى عصمة، والتوكل على الله اقوى نعمة. الصبر على المصائب من أعظم المواهب. عيشك ما عشت في ظل يقينك، وقوت يكفيك.
من لزم الطمع عدم الورع. الحسد اشد غرضا والطمع اشد مرضا. افضل الأعمال ما اوجب الشكر، وانفع الأموال ما أعقب الأجر. لا تثق بالدولة فإنها ظل زائل، ولا تعتمد على النعمة؛ فإنها ضيف راحل. الكريم من كف أذاه، والقوي من غلب هواه. من ركب الهوى أدرك العمى ومن غالب الحق لان، ومن تهون بالدين هان المؤمن غر كريم، والمنافق خب لئيم. إذا ذهب الحياء حل البلاء. علم لا ينفع كدواء لا ينجع.
من أطاع الله جل وارتفع، ومن عصاه ذل واتضع.
كم جامع لمن لا يشكر، ومنفق فيما لا يسر. من تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقباله. ومن استعمل علمه لم يخل من رشاده، من استعمل علمه لم يقصر عن مراده. ثمرة العلم أن يعمل به، وثمرة العمل أن يؤجر عليه. كل عز لا يوطده دين مذلة، وكل علم لا يؤيده عقل مضلة.
الزهد بصحة اليقين، وصحة اليقين بصحة الدين، فمن صح دينه صح يقينه، ومن صح يقينه زهد في البقاء، ومن قوي دينه ايقن بالجزاء، ومن جهل المرء أن يعصى ربه في طاعة هواه، ويهين نفسه في إكراه دنياه، فهو من دنياه في زوال، ومن هواه في ضلال.
أيام الدهر ثلاثة: يوم مضى ولايعود اليك، ويوم انت فيه لا يدوم عليك، ويوم مستقبل لا تدري ما حاله، ولا تعرف مآله، فتعز عن أمسك الماضي، وتزود في يومك الفاني لغدك الباقي.
كل يتوفى بوعده، وكل امرىء مأخوذ بجناية لسانه ويده. ومن صبر على شهوته بالغ في المروة. من كثر ابتهاجه بالمواهب اشتد انزعاجه بالمصائب. من استقصر بقاؤه وأجله قصر رجاؤه وأمله. لا تبت إلا على وصية ولو كنت على صحة من جسمك، وفسحة من عمرك؛ فإن الدهر خائن، وما هو كائن كائن.
لا تخل نفسك من فكرة تزيدك حكمة، وتفيدك عصمة.
من جعل ملكه خادما لدينه انقاد له كل سلطان، ومن جعل دينه خادما لملكه طمع فيه كل إنسان. من سلك سبيل الرشاد بلغ كنه المراد. من لازم السلامة سلم، ومن قبل النصيحة غنم،وأطيب الأشياء العافية، وأفضل الدارين الباقية. الطاعة لله عز، والعلم كنز، والصمت فوز، والثقة بالله تعالى مال المؤمن، والرحمة منه تعالى حفظ المحسن. من وثق بالله تعالى أغناه, ومن احسن إلى خلقه نجاه.
إن الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تفي لصاحب، ولا تخلو من فتنة او محنة فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها قبل أن تستبدل بك؛ فإن نعمتها تنتقل، وأحوالها تتبدل، لذاتها تفنى، وتبعاتها تبقى. القناعة راس الغنى وأساس التقى، والحرص رأس الفقر واساس الشر. الغنى عن الملوك أفضل ملك، والجراءة عليهم أعجل هلك.
الدنيا تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب، وتصل وصال الملول، وتفارق فراق العجول، فخيرها يسير، وعيشها قصير، وإقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية، فاغتنم فرصة الإمكان، واحذر من هفوة الزمان، وخذ من نفسك لنفسك، وتزود من يومك لغدك، قبل نفاد النعمة، وزوال القدرة، فلكل امرىء من دنياه ما ينفقه على عمارة أخراه.
من نكد الزمان أنه لا يبقى على حاله، ولا يخلو من أسماله يصلح جانبا ويفسد جانبا، ويسوء صاحب بمسرة صاحب، فالسكون فيه خطر،والثقة به غرر، والإخلاد فيه محال، والاعتماد عليه ضلال.
إذا اراد الله بعبده خيرا ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة، وفهمه في الدين وعضده باليقين، فاكتفى بالكفاف واكتسى بالعفاف، وإذا اراد الله بعبده سوءا حبب اليه المال، وبسط منه الآمال وأشغله بدنياه، ووكله الى هواه، فركب الفساد، وظلم العباد، وإذا أراد الله بعبد خيرا كف منه الأذى، فغض عن الخنا، وأعرض عن اللجاجة (التمادي)، ولا يسعى في غير حاجة، فأنت حكيم دهرك، وقريع عصرك.
وإذا احسنت القول فأحسن الفعل؛ لتجتمع لك مزية اللسان، وثمرة الإحسان، ولا تقل ما لا تفعل، فإن ذلك من ذنب تكسبه أو غم تلزمه. إن الوعظ الذي لا يمجه سمع ولا يعادله نفع، ما يصمت عنه لسان القول، وينطق به بيان الفعل، فاعط المسيء بحسن أفعالك، ودل على الجميل بجميع خلالك فإن رأس الشر حب الطمع، ورأس الخير الورع، والهوى مطية الفتنة، والدنيا دار المحنة، واترك الهوى تسلم، وأعرض عن الدنيا تغنم.
لا يغرنك هواك بطيب الأماني، ولا تفتننك بحسن الغواني، فلذة الهوى تنقطع، وعارية ترتجع، ويبقى عليك ما ترتكبه من المحارم، ويلزمك ما تكسبه من المآثم.
الدنيا كظل الغمام، أو حلم المنام، والعسل المشوب بالسم، والفرح الموصول بالغم، فلا تغرنك بزهرتها، ولا تفتنك بزينتها؛ لأنها سلابة للنعم، أكالة للأمم. تعطي وترتجع، وتنقاد وتمتنع، وتوحش وتؤنس، فيعرض عنها السعداء، ويرغب فيها الأشقياء.
لا تخدعنك الدنيا بخدائعها، ولا تفتننك بودائعها، ولا توقعنك في شباكها ولا تدخلنك في هلاكها، فخيرها يسير وشرها كثير، وأمرها عسير، ولذاتها قليلة، وحزاتها طويلة، تكثر الغدر، وتضمر المكر، وتسهر العيون، وتهلك القرون. الدنيا كالشبكة التي تلف على من دخلها، وتغلب على من أعرض عنها، فلا تمل اليها، ولا تقبل بوجهك عليها؛ فإنها خلابة سحارة، وغدارة مكارة، تشوب نعيمها ببوس، وتقرن سعودها بنحوس، تخلط حلوها بمرها، وتصل نفعها بضرها. إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة، وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فمن أطاع الله أعز نصره، ومن لزم القناعة زال فقره.
إن الدنيا كثيرة التغيير، سريعة التنكير، شديدة المكر، دائمة الغدر، رجاؤها ينقص، وطالبها يذل، وراكبها يزل، ولا حول ولا قوة الى بالله العلي العظيم.


