رجب بن علي العويسي -
rajab.2020@hotmail.com -
في ظل معطيات الواقع المعاصر باتت هناك حاجة إلى النظر إلى المسألة الأمنية في إطار شمولي متوازن يعزز من استقرار الإنسان وتمتعه بحق العيش والحياة على أرضه وبين أسرته وفي مجتمعه مستفيدا من قدراته موظفا ما لديه لصالح البشرية، وإذا كان هناك من تحول في طبيعة الأمن والمنظور الأمني الناتج عن ارتباطه المباشر بحياة الإنسان في مختلف جوانبها ومتغيراتها وأبعادها المختلقة فإن البعد الفكري يشكل أكثرها ارتباطا بما تفرضه المؤثرات والتحديات الحاصلة من نسق فكري جديد وأصبح التحدي الفكري والخلل الحاصل في معالجته من أبرز ما يطفو على السطح كمسبب لهذا التقاتل والفوضى الأخلاقية التي يشهدها عالم الإنسان اليوم، والتي يمكن التعبير عنها بالفكر السلبي الذي تحول من مجرد ثقافة لدى البعض إلى فكر ومبدأ وعقيدة يبثها لترويع المجتمعات وإرهاب الإنسانية.
وإذا كان مفهوم الفكر السلبي يرتبط في أذهان البعض بما يحصل في حياة الشاب من أمور التقليد الذي يظهر في سلوك الشباب اليومي والأفكار المخالفة لما اعتاد عليه المجتمع وما عرف به الآباء والأجداد، إلا أنه اتخذ أشكالا أخرى في إشاعة منطق التخريب وضعف الحس والمسؤولية والأنانية في التعامل والانسلاخ من الهوية والازدواجية في القيم والتي قد يغلب عليها طابع السلوك الفردي حتى تحول إلى فكر مناهض للعدالة الإنسانية تقوم عليه أحزاب وطوائف وجماعات تستهدف مصادرة الفكر وتكفير الآخر وإنهاء حياة المخالف في العقيدة والمنطق بالقتل والتشريد من الأرض والديار التي تعبر عن وحشية الفكر وقسوة السلوك فيما تبثه من أفكار التظاهر على الأمن والنظام وشيوع الفوضى والاضطراب وإثارة الفتن الداخلية بين أبناء الشعب الواحد بتأصيل المذهبية ونشر الارهاب والخوف في نفوس الآمنين من الأطفال والنساء وغيرهم، ليعكس تأثيره السلبي على حياة الإنسان في الانطلاقة بقدراته وتوظيف مهاراته في التطوير والتنمية، بل يتجاوز تهديده أصدقاءه وأسرته ومجتمعه ووطنه وانعكاس ذلك على السلوك والممارسة الناتجة والتي ترتبط في الغالب بمفاهيم التشاؤم والإحباط المستمر والتفسير السلبي لكل التوجهات التطويرية التي تتخذ من أجل الإنسان، وما يتداوله البعض من مفاهيم الخلاف والاختلاف والسلطوية وسلوك الوطنية السلبي في تغريداته أو كتاباته أو تصريحاته ولقاءاته الصحفيه العدائية ومحاولة إثارة الناس في قضايا خلافية أو غيرها، وما تتبناه بعض المؤسسات من خلال قنواتها الفضائية أو ترسخه في مناهجها وأساليب التوعية والتوجيه والإرشاد في مصادرة للفكر وتحريف للمفاهيم وتضليل الشباب بشعارات ودعايات تستهدف مبادئه وأخلاقياته، وسلوك تعامل الشباب مع شبكات التواصل الاجتماعي وأجهزة الهواتف المحمولة في بث الاشاعة وترويج الدعاية المغرضة والأكاذيب ونشر الأفكار السلبية حول قضايا الإنسان اليومية في مأكله ومشربه وملبسه ومستقره وعمله، إنما يؤكد حالة اللاوعي والاضطراب التي تعيشها البشرية وعمق التأثير الذي تحدثه الجماعات التكفيرية فيما تبثه من أفكار، وتأثير بعض القنوات الفضائية السلبي من خلال الدعاية والإعلان المروج للمصالح الشخصية بدعوى الحرية، ليستدعي انتفاضة للإنسانية الراقية في مقابلة هذا التعنت الفكري بتأكيد مفاهيم العدالة والاحترام والسلام والتفاهم والوئام والوحدة وإعلاء قيمها في ثقافة الشباب وسلوكه، وبناء أرضيات الأمن وصناعته وتوطينه في المجتمعات، وتأكيد الحاجة إلى مستوى أعمق للرعاية الفكرية للإنسان وتأصيل إيجابيته المتزنة المتفاعلة في رصد الواقع والانطلاق من سلبياته للتصحيح وإعادة النظر في طبيعة التشريعات الدولية حول مفهوم الحريات في ظل منهج الاعتدال والحرية المسؤولة والنقد البناء والتواصل الإنساني الخلاق، والنظر إلى الاختلاف البشري كمرحلة للتكامل وفرص للتكاتف والانسجام وتعزيز روابط الأخوة البشرية وتأكيدها في برامج التعليم والإعلام والسياسة والفكر والثقافة والإنتاج العلمي، وهو أمر ينبغي أن يؤصل لثقافة مجتمعية تظهر على مستوى كتاب المجتمع ومثقفيه ومعلميه ومسؤوليه وسياساته في تعاملهم مع مشكلات العالم وتحدياته، وقدرتهم على تعزيز روح الانسجام والتكاتف بين أبناء البيت الواحد. وعليه فما لم يع الفرد والمجتمع والمؤسسات دورهم نحو الأجيال القادمة في رعاية تفكيره وضبط فكره في ظل اختيار ووعي بشكل ينعكس إيجابا على تعزيز وتدعيم أمنه الشامل، فإن الانحراف الفكري العكسي الذي سيصيب الأجيال سيكون هو المدخل لمؤثرات فكرية أخرى متتالية تهدد أمن الإنسان واستقراره وتقوض فرص بقائه في الحياة – حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.


