◄ اغتيال بلعيد الشرارة التي أشعلت أكبر موجة احتجاج في البلاد بعد الثورة
◄ تنفيذ استحقاقات الثورة الاجتماعية والاقتصادية لا يزال صعبًا للغاية
تونس - الأناضول
هل ضاعت الثورة التونسية ومطالبها وشعاراتها أمام عجز معارضي الرئيس السابق زين العابدين بن علي السابقين (إسلاميين وماركسيين وقوميين) عن تحقيق تكتل يحمي تلك الثورة من مخططات المنظومة القديمة المستقوية بما ورثته من مال، ومواقع إدارية، ومؤسسات إعلامية؟
سؤالٌ يطرح نفسه حاليا في ظل الصراع الدائر بين الائتلاف الحاكم (الترويكا وتضم أحزاب "حركة النهضة" الإسلامية، و"المؤتمر من أجل الجمهورية"، و"التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات") من ناحية، والمعارضة من ناحية أخرى، وتضم أكثر من 10 أحزاب علمانية ويسارية، أبرزها حزب "نداء تونس".
2013 كان عامًا مثقلاً بتصاعد الخلاف السياسي بين حكومة الترويكا والمعارضة؛ مما جعل تنفيذ استحقاقات الثورة الاجتماعية والاقتصادية صعبا للغاية، فنسبة البطالة لم تشهد تراجعا، وأسعار السلع استمرت في الارتفاع، وتصاعدت المطالب الاجتماعية ضمن ما يعتقد البعض أنه سياسية ممنهجة من القوى السياسية المتحكمة في القيادة العليا والوسطى لأكبر منظمة نقابية في البلاد، وهي الاتحاد العام التونسي للشغل، لإسقاط حكم "النهضة"، بقيادة راشد الغنوشي.
... الأحداث الإرهابية المنظمة مُؤشر آخر يضاف إلى السحب المتلبّدة في سماء الثورة التي أطاحت يوم 14 يناير 2011 بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، فبينما كانت أغلب أحزاب الترويكا تستعد لعرض مشروع قانون"تحصين الثورة"، الذي يمنع مسؤولي النظام السابق من شغل مناصب سياسية بعد الثورة، للتصويت في البرلمان انطلقت صباح 6 فبراير 2013 رصاصات مجهولة لتسقط شكري بلعيد، أحد أبرز شخصيات المعارضة اليسارية الراديكالية، قتيلا.
عملية اغتيال بلعيد كانت الشرارة التي أشعلت أكبر موجة احتجاج لم تشهدها تونس منذ أحداث الثورة، فسارعت المعارضة اليسارية إلى اتهام "النهضة" بتدبير عملية الاغتيال، مطالبة باستقالة الحكومة وحلّ المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان المؤقت)، وسارع رئيس الحكومة آنذاك حمادي الجبال، تحت تأثير الصدمة، وربما لامتصاص غضب المحتجين، إلى إعلان استقالة حكومته، والدعوة إلى حكومة كفاءات مستقلة.
البعض رأى في موقف الجبالي، الذي وصفه العديدون بـ"الحكيم"، استجابة لنصائح قيادات أمنية وعسكرية، فيما رآه آخرون خطة من ابتكار قيادة "النهضة" لتجنب عاصفة هوجاء وإطفاء نيران أشعلتها وسائل إعلام خاصة اتهمت "النهضة" في عملية الاغتيال، وحرضت عليها جموع المتظاهرين.
المعارضة -كما يعتقد منتقدون- اعتبرت أنها حققت جزءًا من خطتها في الإطاحة بـ"النهضة" لم تحققها مصادمات الاحتفال في شارع بورقيبة في العاصمة بعيد الشهداء يوم 9 أبريل 2012، ولا المواجهات العارمة في محافظة سليانة (شمال غرب) منتصف نوفمبر 2012، وسرعان ما بدأت وسائل الإعلام تصف الجبالي برجل الدولة، بعدما كانت تنعته بـ"الخليفة السادس"، المهدد لمدنية الدولة، والمتواطئ مع المتشددين الدينيين.
الساحة السياسية بقيت تنتظر قرارات أعلى هيئة تشريعية في "النهضة"، وهو مجلس الشورى، الذي رفض مبادرة الجبالي، وكلف في 22 فبراير 2013 وزير الداخلية علي لعريض (من النهضة) برئاسة الحكومة، وشجعه على ذلك هدوء مسيرات "لا شرعية بعد الدم"، المنادية بتخلي "النهضة" التام عن السلطة.
أبريل 2013، شهد عودة الحديث عن تمرير مشروع قانون "تحصين الثورة"، الذي اعتبره حزب "نداء تونس"، الذي أسسه الباجي قايد السبسي منتصف 2012، إقصاءً لآلاف التونسيين من الحياة السياسية، مسنودا في ذلك بحلفاء ميدانيين جددا يريدون مقايضة "العفو" عن التجمعيين (حزب التجمع الوطني المنحل، بزعامة بن علي) بالوقوف صفا واحدا ضد الترويكا الحاكمة، وبالأخص حركة النهضة، لكن القانون حصل على الأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان المؤقت) يوم 28 يونيو الماضي، لعرضه على المصادقة، فصلا فصلا.
واجتماعيًّا، استمرت الإضرابات تحت شعارات متعددة ولكن بهدف واحد -حسب الحكومة- هو إضعاف الترويكا الحاكمة وإجبارها على تسليم الحكم، وهو ما واجهته حركة النهضة بين الحين والآخر باستعراض القوة الشعبية، بمسيرات كبيرة في العاصمة والمحافظات، وخطب في إحداها رئيس الحركة راشد الغنوشي، لأول مرة في الشارع الرئيسي بالعاصمة، ليؤكد مواصلة قيادة الحركة للساحة السياسية، وليبلغ الجبالي بأنه لا مستقبل سياسي لأي قيادي إسلامي خارج إطار النهضة.
وجاء اغتيال النائب المعارض من الجبهة الشعبية محمد البراهمي، يوم 25 يوليو الماضي، فرصة للمعارضة التي كانت تعيش أجواء زهو بإزاحة الرئيس المصري محمد مرسي من الحكم على يدي وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، يوم 3 يوليو 2013، لتستنخ "حركة تمرد" على غرار "تمرد" المصرية"، داعية إلى إقالة الحكومة وحلّ المجلس التأسيسي وتنصيب حكومة إنقاذ وطني. وشرعت المعارضة التونسية في تنفيذ "اعتصام الرحيل" في ساحة باردو قبالة المجلس التأسيسي بعد إعلان قرابة 60 نائبا من المعارضة انسحابهم منه.
وفي 26 يوليو الماضي، تم تشكيل جبهة الإنقاذ، على شاكلة جبهة الإنقاذ المصرية، وظهر لأوّل مرة بصفة رسمية، تحالف الجبهة الشعبية اليسارية، ونداء تونس بزعامة السبسي.
"النهضة" سرعان ما شقت تحالف "جبهة الإنقاذ"، ليس فقط بتخليها عن مشروع قانون "تحصين الثورة"، إرضاء للتجمعيين القدامى، بل بلقاءات متعددة بين زعيمي الحزبين، السيسي والغنوشي. ورغم أن القانون المنظم للسلطات (بمثابة الدستور الصغير) لا يمنح للرئيس التونسي المنصف المرزوقي صلاحيات كبيرة، إلا أن دوره يبدو مؤثرا جدا في المحافظة على استحقاقات الثورة التونسية.
وهو ما بدا جليًّا عقب إطاحة الجيش المصري، بمشاركة قوى دينية وسياسية، بمرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، حيث ألمح المرزوقي، في حوار مع وكالة الأناضول، إلى أن الدولة واجهت انقلابا الصيف الماضي عقب تشكيل جبهة "الإنقاذ" التونسية.
وذهب بعض المحللين إلى أن التغييرات التي شملت القيادة العسكرية العليا في تونس الصيف الماضي كانت ضربة وقائية لمخططي الانقلاب الذي تحدث عنه الرئيس. والرئيس المنصف المرزوقي على وعي تام، بحسب تصريحاته، بمخاطر الدولة العميقة والقوى المضادة للثورة التي قال عنها إنه "يناور معها أحيانا، ولكن إذا تتطلب الأمر مواجهتها، فلن يتخلف عن ذلك".
وقد يكون "الكتاب الأسود"، الذي أعدته مؤسسة الرئاسة لكشف المتعاملين مع النظام السابق من الإعلاميين، جزء من عملية كشف الغطاء عن المنظومة القديمة (الفلول أو بقايا النظام القديم)، التي لا تزال -بحسب الحكومة- على وفائها للنظام السابق وتعمل جاهدة على تشويه المسؤولين الجدد والتشكيك في الثورة، بل لا تتورع عن إهانة رمز الثورة ومشعلها الشاب الراحل، محمد البوعزيزي.
وبعد فشل حملة "ارحل" في عزل "النهضة" عن الحكم، دفع الاتحاد العام التونسي للشغل وثلاث منظمات أخرى (الاتحاد التونسي للتجارة والصناعة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان) يوم 17 سبتمبر، بمبادرة لحل الأزمة السياسية في البلاد أطلق عليها اسم "خارطة الطريق" لتحدد آجال زمنية لمغادرة الترويكا الحكم وتعويضها بحكومة "كفاءات مستقلة"، ولكنها تتخلى في ذات الوقت عن مطالب المعارضة بحلّ المجلس التأسيسي.
واليوم، تشهد تونس صراعا بين الترويكا الحاكمة بقيادة "النهضة"، وجبهة الإنقاذ من أجل تحقيق أهداف مختلفة.
فـ"النهضة" تريد -على ما يبدو- الخروج من الحكم بأخف الأضرار وضمان إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في أسرع وقت، بينما ترغب المعارضة في تسريع مغادرة "النهضة" للحكم وتصفية وجودها في دوائر الدولة من خلال التشبث بالمطالبة بمراجعة التعيينات في المناصب الكبرى، والجهوية (المحافظات)، والمحلية (البلدية) التي قامت بها الحكومة منذ وصول حركة "النهضة" إلى الحكم.
لكن، هل وصلت الأزمة السياسية التونسية إلى نهايتها بتحقيق مطلب المعارضة بتشكيل حكومة محايدة، برئاسة مهدي جمعة، وزير الصناعة، في حكومة علي لعريض؟
مراقبون عدة لا يرون ذلك نهاية لصراع سياسي لم يكن من وجهة نظرهم إلا امتدادا لصراع نفس الفصائل في الجامعات التونسية فترة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بين اليسار الماركسي (المتحالف اليوم في الجبهة الشعبية)، وبين التيار الإسلامي (النهضة حاليا).
وبينما يظن البعض أن الصراع بين الترويكا والمعارضة قد يخلص الثورة التونسية من سيطرة الإسلاميين، يتضح للعيان -بحسب منتقدين- عودة المنظومة القديمة ورموزها (الفلول) كفاعل أساسي في الأحداث.
وهو ما يطرح تساؤلات كثيرة حول مصير ثورة 17 ديسمبر 2010، التي مثلت شرارة لما بات يعرف بثورات الربيع العربي، وبقيت تصارع وحيدة بعد انتكاسات تلك الثورات في عدة دول.


