بيروت - الأناضول
رأى متابعون وخبراء بالجماعات الجهادية أن الانقسام السياسي الحاد في لبنان وتدخل حزب الله في القتال الى جانب النظام السوري، فتحا الباب أمام تحول البلاد الى "بقعة صالحة" لهذه الجماعات، بعد أن كان تنظيم القاعدة استنتج في العام 2006 أن المجتمع اللبناني لا يتحمل وجوده ولا وجود أية سلفية جهادية.
وجاء الهجوم الانتحاري المزدوج الذي نفذه شاب لبناني وآخر فلسطيني مقيم في لبنان ضد السفارة الإيرانية في بيروت في شهر نوفمبر من العام الماضي، لتأكيد المخاوف من نشاط متزايد للجهاديين على وقع الحرب الدموية المستمرة في سوريا منذ أكثر من عامين ونصف.
والسؤال الأبرز الذي يفرض نفسه في هذا السياق، هل انتقل لبنان من كونه مجرد "أرض نصرة" للجهاديين الى "أرض جهاد"؟
بحسب الشيخ بلال دقماق، الخبير بالجماعات الإسلامية ورئيس "جمعية اقرأ" في مدينة طرابلس شمال لبنان، فإن تنظيم القاعدة وجبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أصبحوا موجودين في لبنان منذ فترة، وذلك بسبب تدخل حزب الله بالقتال في سوريا الى جانب النظام .
وأوضح دقماق في مقابلة مع وكالة الأناضول "لم يكن لبنان في يوم من الأيام ضمن أجندة تنظيم القاعدة، ولكن تحوّل اليوم بعد تدخل حزب الله في سوريا الى أرض خصبة للفكر الجهادي الذي يعتبر أن هذا الحزب هو تنظيم إرهابي محتل لسوريا" .
وأشار الى أن ما يشهده لبنان حاليا من تفجيرات هو "أمر بسيط مقارنة بما قد نراه في المستقبل، والعلم عند الله... فما حصل حتى الآن في لبنان هو بنسبة 10% مما قد يفعله تنظيم القاعدة" .
واستهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، المعقل الرئيسي لحزب الله بثلاثة انفجارات منذ شهر أغسطس الماضي، أدت الى مقتل وجرح العشرات.
وأوضح دقماق أن "خلايا القاعدة الموجودة في لبنان تعمل وكعادتها تحت الأرض وليس فوقها، وبالتالي لا يمكن التكهن بأعدادها وأعداد عناصرها ومراكزها"، لافتا الى أن "القضية لا تتعلق بأعداد، فقد يكون عدد هذه العناصر 5 آلاف ولا يفعلون شيئا، أما انتحاري واحد فقد يفجر نصف الضاحية.. الفعل وحجمه أهم من العدد بحد ذاته".
وأكد أنه في حال انسحب حزب الله من سوريا، فإن لبنان "سينأى بنفسه عن أي إشكالات وتفجيرات.. وتبقى تصفية الحسابات مع حزب الله بطرق عديدة ومختلفة ربما أقل عنفا مما هو عليه الحال حاليا.. فالواقعة بين تنظيم القاعدة وحزب الله وقعت".
وعن الأهداف التي قد تكون على أجندة هذه الخلايا في لبنان، قال دقماق أن "ردات الفعل حاليا محصورة ضد حزب الله.. فالجيش اللبناني مثلا هو ابن البلد ولا يستطيع أحد التعدي عليه أو الاعتراض عليه"، مستطردا "أنا لا أقول ولا أنفي أن يأتي يوم يقاتل فيه تنظيم القاعدة الجيش اللبناني، فهو يقاتل اليوم بعض الحركات الإسلامية في حلب في سوريا" .
من جهته، اعتبر الخبير بالجماعات الإسلامية والجهادية الشيخ عمر بكري أن "لبنان دخل فعليا بالصراع المندلع في سوريا"، مشيرا الى أن تدخل حزب الله في القتال الى جانب النظام السوري "جعل لبنان في عين هذه العاصفة".
وشكك بكري في مقابلة مع وكالة الأناضول بـ"وجود حقيقي" لتنظيم القاعدة في لبنان، مشيرا الى "وجود أفراد في لبنان ترغب بمجيء هذه الجماعات الجهادية الى لبنان لترفع الظلم عن أهل السنة المهمشين".
وقال إن التيارات الإسلامية الجهادية استفادت كثيرا من الانقسام الحاد بين التيارات السياسية اللبنانية المختلفة، واستطاعت "حجز مكان لها في هذا البلد من خلال نشوء الحاضنة الشعبية للفكر الإسلامي الجهادي وتنظيم القاعدة وجبهة النصرة ودولة الإسلام في العراق والشام".
وكشف بكري أن تنظيم القاعدة "دخل الى لبنان في العام 2006 وأجرى دراسة شاملة عن المجتمع اللبناني، فوجد أن أهل السنة فيه عليهم أن يعودوا أولا الى دينهم، وأن الوضع في لبنان لا يتحمل وجود التنظيم ولا سلفية جهادية بسبب التركيبة الأمنية المعقدة والواقع الاجتماعي".
ولفت الى أن الوضع تغير حاليا فـ"الفكر الجهادي بدأ ينتشر بين اللبنانيين وهناك من يريد أن يتماهى مع تنظيم القاعدة وينضوي تحت لوائه".
وأكد بكري أن نظرة تنظيم القاعدة تجاه لبنان تغيرت عما كانت عليه في العام 2006، فهو يعتبر لبنان اليوم "بقعة صالحة" تؤمن له "موطئ قدم راسخ وثابت".
وألمح الى أن جبهة النصرة وداعش يريدان اليوم "الثأر من حزب الله" ليس في سوريا حيث يقاتلهما فحسب، بل أيضا على الأراضي اللبنانية.
وتدرك السلطات الأمنية اللبنانية مخاطر تنامي وجود ونشاط الجماعات التكفيرية على أراضيها.
واعتبر مصدر أمني أن لبنان "مفتوح اليوم على مخاطر كبيرة بعد أن أصبح في قلب النار المشتعلة في سوريا والمنطقة".
وأكد المصدر لـ"الأناضول" أن الجماعات المتطرفة "باتت متغلغلة وناشطة في لبنان، بدليل إلقاء القبض على الكثير من عناصرها ووقوع تفجيرات إرهابية في عدة مناطق".
وتم توقيف العديد من عناصر "جبهة النصرة"، منهم لبنانيون وسوريون وفلسطينيون، لقيامهم بـ"أعمال إرهابية" على الأراضي اللبنانية، وطلب القضاء اللبناني إنزال حكم الإعدام بحقهم .
وأشار المصدر الأمني الى أن الأجهزة الأمنية اللبنانية "في سباق مع هذه الجماعات للحد من مخاطرها وتهديداتها بالرغم من الصعوبة في اجتثاثها بشكل كلي".
واعتبر المصدر أن المعالجة الجذرية لهذه الظاهرة "تحتاج الى توافق سياسي بالدرجة الأولى، ومن ثم تعزيز الأجهزة الأمنية بالعديد والعتاد والتقنيات الحديثة".
ولفت الى أن الوضع في لبنان لايزال "أقل خطرا مما هو عليه الحال في سوريا والعراق واليمن".
وحزب الله، الذي برر مشاركته بالقتال في سوريا بـ"حماية ظهره والمقاومة ولبنان" من الجماعات التكفيرية، يقر أيضا بالمخاطر المتصاعدة من جراء نشاط عناصر هذه الجماعات التي انتقلت الى لبنان لمواجهته.
وقال مصدر في حزب الله أن الحديث عن دخول تنظيم القاعدة الى لبنان "لن يضعف من عزيمة الحزب في مواجهة هذا التطرف والإرهاب"، مقرا في الوقت عينه بـ"المخاطر الكبيرة التي ستهدد لبنان نتيجة هذه المواجهة".
وأكد المصدر لــ"الأناضول" أن الحزب يمتلك معلومات عن دخول "خلايا تكفيرية" من سوريا الى لبنان "بهدف تنفيذ عمليات انتحارية تستهدف الأبرياء والمدنيين".


