سمير عواد -
قبل عشرة أعوام، ألغت مطاعم ومقاهي البرلمان ومقر مجلس الشيوخ ومؤسسات الدولة في واشنطن، تقديم البطاطس الفرنسية French Fries لأن أمريكا أرادت التعبير عن غضبها من نهج الرئيس الفرنسي جاك شيراك المعارض لغزو العراق، ووقوفه إلى جانب المستشار الألماني جرهارد شرودر والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكلاهما عارضا غزو العراق، وفي ذلك الوقت وصلت شعبية فرنسا عند الأمريكيين إلى أدنى حد.
ولم يحصل انفراج إلا بعد تولي نيكولا ساركوزي الحكم في قصر الإيليزيه بعد شيراك، حيث تعاونت باريس مع واشنطن بشكل مكثف في الحرب ضد معمر القذافي في ليبيا، أما الآن فقد استغلت واشنطن زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند إلى الولايات المتحدة، لترسل علامات بأن التوتر الذي نشأ قبل عشرة أعوام، قد انتهى، وأن حقبة جديدة من العلاقات قد بدأت بين البلدين، وأكثر من ذلك أن أولاند أصبح بالنسبة لواشنطن أهم حليف وثيق لها في أوروبا العجوز، وليس بريطانيا أو ألمانيا.
وقد ارتفعت الأعلام الفرنسية إلى جانب أعلام الولايات المتحدة على البيت الأبيض والحي الحكومي في واشنطن، بحيث لا يمكن لأحد الزعم أن أولاند زار واشنطن ولم ينتبه أحد لزيارته، وأنه على العكس من الزيارات النادرة التي قام بها رؤساء فرنسا السابقون إلى العاصمة الأمريكية، فقد رتب الأمريكيون استقبالاً حافلاً للرئيس الفرنسي، تعبيرا عن موقف سياسي جديد تجاه حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا القديمة.
ويلاحظ المراقبون كيف استقبله الرئيس الأمريكي باراك أوباما بحفاوة بالغة نادرا ما عومل بها زعيم أجنبي زار العاصمة الأمريكية ورتب لضيفه (العاشق الفرنسي) كما لقبته الصحافة الأمريكية برنامجاً ممتعاً ينسيه همومه داخل بلده حيث تطارده الأزمات هناك من مشكلات الاقتصاد والضرائب وارتفاع حاد للباحثين عن العمل (11 بالمائة)، علاوة على نهاية علاقته مع رفيقة حياته وارتباطه بحسب زعم الصحافة الفرنسية بممثلة فرنسية من الصف الثاني.
فقد زار أولاند مسقط رأس توماس جيفرسون مؤسس الولايات المتحدة الأمريكية(1801- 1809)، وأقام أوباما على شرفه مأدبة عشاء رسمية حضرها ثلاثمائة مدعو، وتم ترتيب زيارة للرئيس الفرنسي إلى «سيليكون فالي» في كاليفورنيا.
والسر وراء هذه الحفاوة النادرة التي يعبر عنها أوباما تجاه أولاند أنه يريد إشعار الرئيس الفرنسي بأنه أبرز حلفاء واشنطن في أوروبا، وأن بلاده أهم شريك أوروبي للولايات المتحدة في مجال سياستها الخارجية والأمنية.
في الفترة الأخيرة حصل توتر في علاقات أوباما مع القادة الأوروبيين بعد الكشف عن تجسس وكالة الأمن القومي الأمريكية عليهم.
ويبدو أن أولاند سعيد بهذه العلاقة الجديدة التي تأتي مثابة بلسم بالنسبة له في مرحلة الأزمات التي يمر بها، علماً أن العلاقات مع رؤساء فرنسا السابقين كانت معقدة، بدءا من الجنرال ديغول مروراً بفرانسوا ميتران وجاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي، حيث كان لكل رئيس مشكلة مع الرئيس الأمريكي. لذلك فإن خطوة أوباما للتقرب من أولاند تعتبر غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين.
وقد مهد أولاند لهذه العلاقة الجديدة مع أوباما من خلال إرسال قوات فرنسية إلى مالي، لمحاربة الإسلاميين الراديكاليين هناك، وبعد مدة وجيزة أرسل قوات إلى جمهورية وسط إفريقيا لإنقاذها من الفوضى، وفي المفاوضات الجارية مع إيران حول البرنامج النووي الإيراني، طلب أولاند من الوفد الفرنسي المشارك في المفاوضات، إظهار عناد في مواجهة الجانب الإيراني، الأمر الذي عزز موقف الولايات المتحدة في المفاوضات، كذلك فإن أوباما لم ينسَ أنه عندما فكر في معاقبة بشار الأسد بعدما استخدم السلاح الكيماوي في العام الماضي ضد مدنيين في ريف دمشق، كان أولاند مصمماً على مساندة الولايات المتحدة عسكرياً، لكن أوباما فشل في الحصول على موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي لتوجيه ضربات عقابية لنظام الأسد، وإضافة إلى ذلك وقفت فرنسا سياسياً وعسكرياً إلى جانب الولايات المتحدة عندما شن حلف شمال الأطلسي حملته ضد نظام معمر القذافي في ليبيا، بينما رفضت ألمانيا التي كانت تتقلد منصب عضو مؤقت في مجلس الأمن الدولي في عام 2011، التصويت لصالح القرار 1973 بشأن ليبيا ووقفت بذلك في صف روسيا وفقدت ثقة حلفائها الغربيين بها.
وكشف أوباما وأولاند عن خطط التعاون مستقبلاً في مقال مشترك لأوباما وأولاند، نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية وصحيفة «لوموند» الفرنسية عشية بدء زيارة الرئيس الفرنسي إلى واشنطن حيث جاء فيه: منذ عقود طويلة كانت قلة من الناس يتصورون إمكانية حصول تعاون مكثف بين بلدينا في مجالات كثيرة. وأضاف الرئيسان الأمريكي والفرنسي: ليس بمقدور دولة تحمل أعباء دور القيادة بمفردها، وينبغي أن يكون هناك تعاون بين عدد من الدول، وتُعتبر إفريقيا علامة واضحة على تحقيق هذه الشراكة الجديدة.
ويساور بعض المراقبين الشك بأن واشنطن وباريس سوف تتعاونان في المستقبل في المهام العسكرية.
وكان الأمريكيون قد راقبوا باهتمام، كيف أن الرئيس الفرنسي أولاند تعامل بفتور مع قضية تجسس وكالة الأمن القومي الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين، وقلل من خطورتها بحيث تجنب اعتبارها قضية تثير التوتر بين بلاده والولايات المتحدة، ولذلك قررت واشنطن مكافأته على ولائه بالإشارة إلى أن أولاند هو اليوم أكبر حليف وصديق لها في أوروبا.
وفي هذا التباهي الأمريكي بالصداقة مع فرنسا علامة واضحة على تغير موازين القوى في العلاقات الأطلسية، ففي العام الماضي رفض مجلس العموم البريطاني المصادقة على دعوة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، لتوجيه ضربات عسكرية تأديبية للأسد، ويراقب الأمريكان كيف أن دور بريطانيا تراجع كثيرا في الاتحاد الأوروبي، وأنهم لا يلعبوا أي دور في منطقة اليورو.
وبالنسبة لألمانيا ينظر إليها الأمريكيون بأنها قوة اقتصادية عملاقة، لكنها ما زالت قزما سياسيا، حيث ترفض تحمل المسؤوليات السياسة، وأن الكلمة الأخيرة التي ألقاها الرئيس الألماني يواخيم جاوك في مؤتمر ميونيخ للأمن، وطلب فيها بدور أكبر لبلاده في تحمل المسؤوليات في العالم، لن تغير السياسية الخارجية الألمانية.
ولذلك لا يبقى هناك سوى فرنسا من وجهة نظر واشنطن، ويعتقد أولاند أن أوباما قدم له مساعدة في الوقت المناسب، حيث أن شعبية الاشتراكيين الفرنسيين وصلت الآن إلى أدنى حد حيث يؤيد 19 بالمائة منهم فقط الاشتراكيين. ويرى أولاند أن العلاقة الجديدة بين فرنسا والولايات المتحدة، سيكون لها أثر إيجابي على التعاون الأطلسـي في مجال الاقتصاد، حالما يتم إبرام اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، رغم بعض الأصوات في الاتحاد الأوروبي التي طالبت بوقف المفاوضات الدائرة بهذا الشأن بعد فضيحة التجسس الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين. والآن تعتمد واشنطن على حليفها الفرنسي للتعجيل بإبرام هذه الاتفاقية.
وتبقى أمام أولاند مشكلة، وهي أنه رغم أن الولايات المتحدة أكبر مستثمر أجنبي في فرنسا (23 بالمائة) فإن 13 بالمائة فقط من الفرنسيين، لهم موقف إيجابي تجاه الولايات المتحدة، لذا فإنه مستبعد أن تساعده العلاقة الجديدة مع واشنطن في التغلب على الأزمات التي يواجهها داخل بلده.


