في زاوية آراء كتب أشرف العجرمي مقالا بعنوان: المصالحة وإنهاء الانقسام: الضرورة القصوى والمحك العملي، جاء فيه: من كثرة ما جرى تداول موضوع المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام البغيض أصبح الحديث فيه ممجوجاً وللاستهلاك المحلي أكثر من كونه تعبيراً عن ضرورة وطنية ورغبة وإرادة صادقتين للتخلص منه وطي صفحته مرة وإلى الأبد.
وهذه الأيام يعود الموضوع لتصدر وسائل الإعلام من جديد بعد زيارة وفد اللجنة المركزية لحركة “فتح” لقطاع غزة علماً أن الزيارة استهدفت بالدرجة الأولى ترتيب أوضاع “فتح” في غزة في أعقاب استقالة اللجنة القيادية العليا في القطاع وتكرار فشل الهيئات القيادية في توحيد صفوف الحركة والنهوض بها.
ربما يكون الحديث عن المصالحة مختلفاً هذه المرة بسبب الوضع الذي تمر به حركة “حماس” والذي يمكن وصفه بأزمة كبيرة على المستويين السياسي والمالي بعد خلع الرئيس محمد مرسي وإسقاط حكم حركة “الإخوان المسلمين” في مصر والقرار المصري بإغلاق الأنفاق وتشديد الحصار على “حماس”.
وأيضاً بعد أن اتضح أن العملية السياسية التي يقودها وزير الخارجية الأمريكية جون كيري لن تنجح حتى لو جرى التمديد للمفاوضات حتى نهاية العام، كما يروج في وسائل الإعلام.
فالأزمة تجتاح شقي الوطن ولا خيار سوى ترتيب البيت الفلسطيني وتعزيز مقومات وعوامل الصمود في المجتمع الفلسطيني بانتظار الأسوأ.
والصعوبات التي تواجه الطرفين ليست سهلة، فـ “حماس” تستصعب دفع رواتب جهازها الوظيفي الذي بات يحصل على دفعات شهرية على حساب الراتب لا تكفي لدى البعض لسد أدنى الحاجات الأساسية خاصة لأولئك الذين اقترضوا من البنوك ومؤسسات الإقراض الأخرى ويدفعون أقساطاً شهرية، وبعض موظفي “حماس” لا يتبقى لهم من الراتب أكثر من خمسين شيكلاً بعد حسم قيمة القرض خصوصاً وأن البنك الوطني الإسلامي الذي يعمل في غزة لا يلتزم بتعاليم سلطة النقد وهو غير تابع لها وبالتالي لا يقوم بحسم مبلغ لا يتجاوز 40% من قيمة الراتب كما تعمل بذلك البنوك الأخرى.
وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة وبالذات بعد إغلاق الأنفاق وعدم الحصول على الوقود المصري الذي كان من أهم مصادر الدخل لحكومة “حماس”.
كما حرمت غزة من البضائع المهربة من مصر والتي تباع بأسعار منخفضة بالمقارنة مع تلك التي تستورد من إسرائيل وأيضاً تحصل سلطة “حماس” على ضرائب عليها جميعاً.
والأزمة هنا تطال الجميع وإن كانت “حماس” هي المتضرر الأكبر ولا يبدو في الأفق أي حل قريب لهذه الأزمة.
ومن مصلحة “حماس” الأكيدة أن تحمل السلطة الوطنية عبء قطاع غزة بكل تفاصيله والسبيل الوحيد لذلك هو المصالحة.
ولكن “حماس” بين نارين: نار الالتزامات التي لم يعد بمقدورها الوفاء بها لفترة طويلة وهو ما قد يعرضها لانهيار شامل لو دخلت في مواجهة مع الجماهير في قطاع غزة، وبين نار الرغبة في إبقاء سيطرتها على القطاع لأسباب كثيرة سياسية ومادية وأيديولوجية.
وهناك نار ثالثة قد تكون مؤجلة نسبياً ولكنها قوية بما يكفي لتحرق الأخضر واليابس في القطاع وهي نار الاحتلال الذي يهدد بشن حرب على غزة.
وإذا كان صحيحاً الاعتقاد بأن إسرائيل تريد الإبقاء على “حماس” قوية في غزة لأنها تريد استغلال الانقسام سياسياً وتريد إضعاف القيادة الفلسطينية والتشكيك بقدرتها على الالتزام بأي حل وتطبيقه في الضفة والقطاع أي في كامل أراضي دولة فلسطين العتيدة، فمن الجدير تذكر حقيقة ربما تغيب عن بعض الناس في زحمة الهموم الآنية وهي أن إسرائيل لا يمكنها التسليم بوضع يهدد فيه قطاع غزة العمق الإسرائيلي وبالتالي الحرب الشاملة على قطاع غزة للقضاء على ترسانة الصواريخ والأسلحة مسألة وقت ليس إلا. وهذا قرار إسرائيلي ينتظر التطبيق وفقاً للظروف ومصالح إسرائيل وقد لا ينفذ في المدى القريب ولكنه حاضر على أجندة الحكومة وربما يطبق في أية لحظة.
وعلى حركة” حماس” أن تختار طريقها بين هذه الصعوبات والمشاكل والسبيل الوحيد الذي يحقق لها أفضل المكاسب أو على الأقل الخروج بأقل الخسائر هو طريق المصالحة الوطنية الذي يحمي “حماس” سياسياً ومادياً، ولكن المصالحة بالتأكيد تتطلب تنازل “حماس” عن السلطة والاحتكام للشعب في انتخابات عامة يتم تنظيمها بالاتفاق في اقرب فرصة.
ويبدو أن الخبر الجيد الوارد من محادثات المصالحة هو التوافق على إجراء الانتخابات بعد ستة أشهر بعد موافقة الرئيس أبو مازن على اقتراح “حماس” بذلك.
من الواضح أن الشعب الفلسطيني سيمر بأزمة خلال الفترة القادمة بسبب تعثر العملية السياسية بعد تعثر جهود جون كيري في الوصول إلى اتفاق إطار يقبله الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي، وستواجه العملية طريقاً مسدوداً، مهما طال زمن المفاوضات لأنه من غير المنطقي تصور أن حكومة بنيامين نتانياهو مع كل مواقفها التي تطرحها ستقبل الاحتكام إلى المرجعيات الدولية المتفق عليها في العملية السياسية، وأن القيادة الفلسطينية ستقبل فكرة الاعتراف بالدولة اليهودية وشطب تاريخ الشعب الفلسطيني على هذه الأرض، أو توافق على مطالب إسرائيل الإقليمية في القدس والمستوطنات.
وبالتالي لن يكون هناك خيار سوى العودة للمظلة الدولية وللأمم المتحدة وإعادة ملف القضية الفلسطينية من جديد للمجتمع الدولي للبت فيه.
وهذا سيؤدي إلى مواجهة مع السياسة الإسرائيلية وربما مع الولايات المتحدة الأمريكية التي ترفض مبدأ اللجوء للأمم المتحدة.
وعندها ستكون وحدة الشعب الفلسطيني من أهم عوامل النجاح والصمود في هذه المواجهة.
والوحدة كما هي ضرورة لطرفي الانقسام هي ممر إجباري للدولة الفلسطينية القادمة ولا دولة على جزء من الأراضي المحتلة، وكل تفكير باحتمالية ذلك هو محض خيال على الأغلب مريض.
علينا أن نتفاءل بأن حديث المصالحة هو جدي هذه المرة ونحن بانتظار رؤية الأمور تتحرك على الأرض والعبرة في التطبيق العملي.


