فوزي حديد –
كما قيل عدنا والعود أحمد، نعود من جديد عبر هذه الزاوية التي عنونتها بأمواج وكان لي موعد مع هذا الاسم المميز، حيث نظرت إلى أمواج البحر فرأيتها متقلبة بين هيجان وفوران وهدوء نسبي وهدوء تام، وتلك هي حياتنا أمواج تفور أحيانا وتهدأ أحيانا فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأنا في طريقي إلى مطار تونس قرطاج الدولي كانت لي دردشة مع سائق سيارة الأجرة التي أقلتني، كان رجلا في الستينات من عمره يقود هذه السيارة رغم المستوى التعليمي الأكاديمي الذي يحمله، آلمه حال الشباب اليوم فكانت نبرات صوته تعبر عن ألم لما يرى حال تونس اليوم، تذكر الماضي أي قبل خمسة عقود مضت كيف كان التعليم بالبلاد، ذكر لي أن المعلم كان مربيا قبل أن يكون ملقيا لمعلومات يمكن أن يجدها الطالب في الكتاب، كان يعيش أحوال الطلبة ويزودهم بالحِكم والمواعظ والمقولات، فتترسخ الحكمة في الذهن حتى تصير مثلا وهدفا، وهكذا عاش الأجداد رحلة العلم والمعرفة بالجد والكد والعمل، وظل يردد المثل القائل: من جدّ وجد ومن زرع حصد، قال ما أحلاها من حكمة هي التي جعلتني أواصل حياتي رغم العاهات والصعوبات، رسبت في امتحان الثانوية العامة في الستينات ولكن ذلك لم يمنعني من مواصلة الحياة بجد ونشاط، فلا بد للإنسان أن يصنع نفسه في الحياة حتى يجد نفسه وإلا تاه في بحر من الهواجس والمخاوف وسقط في بئر لا قاع لها، شمّر عن ساعديه وعمل في مجالات عدة إلى أن وفقه الله واشترى سيارة أجرة يوفر من خلالها لقمة العيش بل إنه يحمد الله ويشكره – وهو في هذه السن – إنه بخير قال: كم هو الإنسان مغرور، ألا يرى الأعمى كيف يعيش، ألا يبصر المريض المقعد كيف يتألم بينما هو يحيى بخير وعافية فالحمد لله رب العالمين إلى يوم الدين.
وحينما سألته عن شباب اليوم ما رأيه رد قائلا وبسرعة: شباب اليوم يسمع ولا يعمل، يسمع منك ما تريد أن تقول له ولكنه لا يكلف نفسه عناء البحث والجد والعمل من أجل حياة سعيدة ممتعة، فهو يريد كل شيء في وقت واحد، يريد أن يتزوج وتكون له سيارة فارهة وبيت فاخر دون عناء وشقاء، هذا لن يحصل طبعا ولذلك هو تائه مذبذب لا يدري ماذا يفعل، أخذ وقتا للتأمل والتحسر على عصر مضى لم تكن فيه هذه الوسائل متوفرة إلا أن الإنسان كان يعيش مرتاحا مع أسرته وعياله وتحل البركة في كل مكان وكان الحرص الشديد على صلة الأرحام بينما اليوم يعيش المرء ضغطا في الحياة وصارت الأنا هي المسيطرة على المكان والزمان فتقطعت العلاقات وانعكس ذلك سلبا على الصحة فصار ما يسمى سكري وضغط دم وغيرها من الأمراض التي لم نسمع عنها في قديم الزمان.
كان الحوار ممتعا طوال الطريق رغم قصر الزمن، رأيت الصدق في عينيه والإخلاص في عمله وحبه لوطنه، شجعني ذلك على زيادة أجرته ففرح جدا بما قمت به، أن تترك بصمة في الحياة هي قمة السعادة التي يتطلع إليها كل إنسان، كنت مهموما بالسفر ومشاقه وعذاباته أرسل الله عز وجل إليّ من يسلّيني قبل الإقلاع فكانت بلسما شافيا حمدت الله عليها كثيرا، فأحيانا يعالج المرء نفسه بالحكم والمقولات ويبتعد قليلا عن الحبوب والمسكنات، تطوف بك في بحر من النفحات وترفع شأنك عند رب السماوات.
abuadam-ajim4135@hotmail.com


