شريفة بنت علي التوبية –
بكت صديقتي وأبكتني معها حينما كانت تتحدث عن العاملة التي تعمل لديها والتي اكتشفت أنها مريضة وستغادر بيتها، وعودتها إلى بلدها أمر حتمي لتلقي العلاج، ولأنها لا تستطيع القيام بواجباتها كعاملة منزل، بكت لمجرد أنها ذكرتها، وكأنها تتحدث عن عزيز لديها وهي تدرك مدى حاجتها ومدى الفقر الذي كانت تعيش فيه، وكل ما أثار الحزن في قلب صديقتي حالة العاملة الصحية والتي ستمنعها من العمل رغم حاجتها إليه. تمالكت دمعي أمام صديقتي رغم أني قد عشت موقفها حينما سافرت مربية أطفالي لزيارة أهلها يوماً، وهي التي رافقتني منذ بدايات حياتي الزوجية وأعانتني كثيراً في العناية بأطفالي، فبكيت لحظة وداعها وحينما دخلت غرفتها الفارغة منها بكيت، شعرت كم كان البيت فارغاً منها ومن حركتها المعتادة، فمنذ اللحظة الأولى أخبرتها إذا أحببتني اعملي معي وإذا لم تحبيني فسأكون عوناً لك في البحث عن أسرة أخرى تعملين لديها، لكنها أصبحت عضواً من أعضاء أسرتنا ولا أجد في عملها لدينا ما ينقص من قيمتها في عيني، أرى فيها أماً أخرى لأطفالي وحينما يوماً سألناها عن رغبتها في السفر قالت ابتعدت عن أطفالي لأكون أماً لأطفالك، ولن أفطر قلبي مرتين.إن هذه العلاقة الجميلة التي قد تكون بيننا والآخر بغض النظر عن أصله ومنشأه وطبيعة عمله هي التي توجد النجاح في الحياة، إنهم في النهاية بشر بغض النظر عن البيئة التي أتوا منها، فلم يختاروا فقرهم ولا اختاروا معاناتهم فيكفيهم ألم الغربة من أجل لقمة العيش، لهم مشاكلهم نعم ولنا مشاكلنا أيضاً ولسنا ملائكة ولكن ما يفرق في الأمر كيف نتعامل مع هذه المشاكل، كيف نقترب منهم ونكسبهم بود، نحن بشر إذا لم نعمل بحب فلن نستطيع النجاح في عملنا، وفي النهاية لا نتعامل مع آلة بل نتعامل مع إنسان بحاجة إلى من يشعر به، وأعجب من البعض الذي ما زال يرى أن الحزم والشدة مع العاملين في منازلهم هو التعامل الصحيح، فيصنعون حواجز عالية لمحاولة إثبات الفرق المادي بينهم، وينسون أنهم ربما يكونون سببا من أسباب دخولهم الجنة إذا أحسنوا تعاملهم، والبعض يجعل من نفسه رقيباً وحسيباً عليهم لدرجة تفتيش هواتفهم، والأجدر بنا أن نربي أنفسنا قبل أن نربي الآخرين، ففي النهاية فقرهم لا يلغي صفتهم الإنسانية، فامنحهم عطفك قبل مالك.


