عاصم الشيدي –
assemcom@hotmail.com –
لا أعرف إن كان هذا الزمان وهذا المكان مناسبين لنشر حديث كهذا الحديث، وفي الحقيقة حاولت مرارا أن لا أستعجل في كتابة هذه الفكرة التي كانت تجول في خاطري منذ فترة، ولكن ما يحدث في عُمان اليوم من أقصاها إلى أقصها دفعني دفعا إلى الكتابة بعد أن بدا أن الفكرة قد تجلت فعلا.. فقلت لنفسي لا بأس، وليعذرني من رأى فيما أكتب أنني استعجلت الزمن قبل أوانه.
كنت أتابع نبض الشارع العماني منذ ما يزيد على أربعة أشهر بشكل أحسب أنه دقيق، ليس فقط فيما كنت أقرأه عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تعطي مؤشرات عن حركة المجتمع وتوجهاته، وإنما بما أتاحت لي مساحة الزمن من قراءة المجتمع من عمقه ومن داخله. وقد أتاحت لي فرصة الاختلاط الكبير والانغماس في كل تفاصيل المجتمع قربا هيأ لي أن أقول كلمة أنا مسؤول عنها وعن كل تجلياتها. إن كل هذا الحب وهذا التمازج بين «قابوس السلطان والإنسان» وبين شعبه هو حب أسطوري لقائد أسطوري وليس حبا من ذلك الذي نعرفه ونمارسه في حياتنا اليومية. حب أسطوري بطبيعة بشرية وبمشاعر بشرية ولكن بطاقة أسطورية، طاقة أكبر بكثير من طاقة البشر العادية في فعله وفي تصوره.
كان المجتمع ومنذ اليوم الذي أعلن فيه أن جلالة القائد سيكون في ألمانيا لإجراء فحوصات طبية يعيش حالة من الحزن والفقد، تحولت مع تأخر عودته ومع كثرة الإشاعات إلى حالة من الانكسار العميق في الوجدان المجتمعي العماني. ذلك الفقد وذلك الانكسار الجمعي لا يمكن أن نقرأه، في السياق العربي الحالي بشكل خاص، أنه حالة طبيعية بين قائد وشعب مهما كان ذلك القائد قد حقق آمال شعبه الكبار.. إنه أكبر بكثير من ذلك. والذي تأمل حال المجتمع العماني بعد أن أطل جلالته على شعبه عبر شاشة التلفزيون ولمدة أربع دقائق فقط يستطيع أن يدرك حقيقة الكلام الذي أذهب إليه. ليس مجرد حب فقط، وليس مجرد واجب اجتماعي يفرضه ذلك الحب وذلك الاعتراف بالجميل.. إنه حالة مختلفة تماما عن كل هذا وذاك، حالة تحتاج إلى من يحللها ويضعها في سياقها الحقيقي.
ما يحدث في عمان منذ اللحظة التي تجلى فيها جلالة السلطان أمام شعبه حالة لا يمكن أن تستوعب في الوقت الحالي. ليست ثمة سلطة يمكن أن تخرج كل العمانيين إلى الشوارع بالشكل الذي نشاهده، ليست ثمة سلطة يمكنها أن تُخرج المغتربين والوافدين من الجاليات العربية والغربية والشرقية لتحتفل بأنها رأت السلطان رأي العين بعد أربعة أشهر من الغياب، ليس ثمة سلطة تدعو كل من كتب من العمانيين ومن غيرهم أن يكتب، إلا سلطة داخلية في عمق هؤلاء البشر ألحت عليهم بالخروج والاحتفال وبالبكاء وبالفرح وبالكتابة، سلطة رأت في هذا السلطان/الإنسان حالة من الأسطورة التي لا يمكن أن تتكرر إلا نادرا في تاريخ الأمم والشعوب ولذلك لا بد أن يتم وضعها في المكانة التي تستحقها وفي السياق الذي تستحقه والاحتفاء بها بشكل جمعي كما لأي أمة من الأمم أن تحتفل بنصر عظيم او بفتح عظيم يعيدها إلى الحياة بعد الموت. وكما يليق بأي أمة «وأقصد هنا أمة عربية وإنسانية» ظلت طويلا تنتظر قائدا أسطوريا فلا يأتي، تحلم به فلا يأتي، ترسمه في أحلامها فلا يأتي، وفجأة اكتشفت في هذا السلطان/ الإنسان كل ذلك، فرأت فيه الإنسان والقائد والأسطورة.
ورغم أن هذا الوصف وهذا التقييم يحتاج إلى أن يكون المشروع الذي بدأه جلالة السلطان قد اكتمل إلا أن مشروعا كمشروع جلالته في بناء عمان لم يبدأ ليقف عند نقطة معينة، بل بدأ ليستمر ويتواصل مع الأجيال القادمة.. وهذا ربما أحد المبررات التي دفعتني إلى الحديث عن البعد الأسطوري في رؤية شخصية جلالة السلطان. لكن هذه الأسطورة لا يمكن أن تكون في معزل عن إنسانيته، بل هي إنسانية بلغتْ حد الأسطورة، وليست أسطورة لامست بعدا إنسانيا.
أقف وأنحني أمام هذا القائد الذي لامست إنسانيته الأسطورة، وأذرف دمعة فرح لأنني رأيته كما رأه الجميع وفرحت به كما فرح الجميع.. لأنه إنسان عظيم حد الأسطورة التي تحلم بها أمة إنسانية وليس شعبا قُطريا فقط.


