عبدالرزّاق الربيعي –
في مرات عديدة تقفز، فجأة، نغمة موسيقيّة، أو مقطع من أغنية، أو بيت من قصيدة، بوجود مؤثّر خارجي، يستدعيها، وتظلّ تلك النغمة، أو المقطع أو البيت تتكرّر في ذهني، كما حصل مع بيت أبي الحسن علي بن محمد بن فهد التهامي:
يـا كوكبـاً مــا كــانَ أقـصـرَ عـمـرَهُ
وكــذا تـكــون كـواكــبُ الأسـحــارِ
الذي ظلّ يرنّ في رأسي طوال الأمسية التي نظّمتها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء إحياء لذكرى الشاعر الراحل يحيى بن محمد البهلاني تحت رعاية سعادة الدكتور ابراهيم بن أحمد الكندي الرئيس التنفيذي لمؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان، وتبعا لهذا غمرني خيّمت عليّ غيمة الحزن طوال الأمسية، ولكن لماذا هذا البيت تحديدا؟
ربما لأن البهلاني غادر عالمنا في ريعان شبابه، عن ثلاثة عقود، ورغم هذا العمر القصير إلّا أنّه ترك نتاجا «بلغ المطبوع منه 19 كتابا، وغير المطبوع خمسة، ووجدت له كتبا كثيرة قيد الاعداد، وعناوين لكتب تخالج ذاكرته، أباح عن بعضها لأصدقائه، كما أكّد الباحث محمود الصقري في ورقة أعدها عبدالله بن محمد البهلاني، ومن بين كتبه المطبوعة خمس مجاميع شعرية هي: (الأصيل)، و(حصاد الصمت)، و(اسمان من الحياة) و(سوار الحب) و(على شاطئ القمر) فكان هذا العمر مضيئا مثل كوكب، إذ ترك نتاجا سيسير الكثيرون على هديه.
خلال الأمسية استحضرت لقاءات عديدة جمعتني بالراحل الذي كان من أوائل من عرفت حين وصلت السلطنة، أواخر التسعينات، ومنذ لقائنا الأول، وكان بفضل الزميل الكاتب محمّد الحضرمي، صرنا أصدقاء، بعد أيّام اصطحبني فأخذني إلى المنطقة الداخلية، فزرت للمرة الأولى قلعة نزوى، وأدخلني بيته في (ولاية إزكي)، وهو البيت الذي ظهر في الفيلم التسجيلي الذي عرض خلال الأمسية، وحين وجدت أنه يحلم بزيارة العراق رتّبت له دعوة للمشاركة في مهرجان المربد عام 2001 بصحبة الشاعرين حسن المطروشي، ومحمد البريكي، والكاتب أحمد بن سالم الفلاحي، وبالفعل سافر إلى العراق الذي كان محاصرا، لذا كان لابدّ لمن يزوره أن يمرّ عبر الأردن، ليسلك الطريق البري إلى بغداد قاطعا أكثر من الف كيلومتر مع المطروشي والبريكي ، ورغم ان الرحلة كانت شاقّة إلا أنه كان في غاية السعادة لأن حلمه تحقّق، كما أخبرني، وهناك التقى شعراء العراق ومثقفيه، فزار بيت أهلي، ومازلت أحتفظ بمجموعة صوره التقطها في البيت مع أخوتي، والراحلة أمي، وظل حبّ بغداد يسكنه، وقد حدّثني الصديق صباح نجم عبدالله، مسؤول الملف الأدبي في مجلة (النهضة) إنه زاره قبل يومين من رحيله، وكان مثقلاً بالأسى، حزيناً بسبب ماجرى ببغداد بعد دخول القوات الأمريكية في 9 ابريل 2003 م، وألقى على مسامعه عدة أبيات من اَخر قصيدة له،وكانت عنه إذ يخاطب بها بغداد،ويقول فيها قائلا:
بغداد يا جسد الجروح تقدمي
بدم الشهيد وحققي المأمولا
كلمى تمر بك الغزاة هزيمةً
والرافدان تقلدا إكليلا
بغداد يا وجه الوجود تحملي
حتى وإن كان البلاء ثقيلا
ما طاق غيرك حمله أبداً ولا
زال الأسى يبني عليك طلولا
وكان اَخر كتاب أصدره حمل عنوان (كيف أكتب شعراً؟)، وذلك قبل أسابيع من رحيله، لذا سألته : ألا ترى يا (يحيى) أن الوقت ما زال مبكراً لطرح مثل هذا السؤال؟ فكان، رحمه الله، يكتفي بابتسامة شفيفة، وكأنه يعرف أنه كان في عجالة من أمره، لذا أصدر هذا العدد الكبير من الكتب خلال سنوات عمره الأخيرة، إلى جانب كتب مخطوطة، من بينها مجموعة من إنتاجه الشعري غير المطبوع، وعدت بطباعتها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ليكون متوفرا، بإذن الله تعالى، في معرض «مسقط» الدولي للكتاب العام القادم، كما أعلنت ذكرتْ د. عائشة الدرمكية رئيسة النادي الثقافي وعضوة مجلس إدارة الجمعية الكتَّاب والأدباء،في كلمتها خلال أمسية الاحتفاء بيحيى البهلاني الذي كان حاضرا في قلوبنا، وكم تمنّيت أن يكون هذا الاحتفاء أقيم قبل إحدى عشرة سنة، عندما كان البهلاني حاضرا بجسده، وكلماته، وعطاءاته، مقدّرين جهود الجمعيّة في هذا الشأن، متمنّين أن تكون هذه الأمسية التي جاءت متأخرة، رغم ايماني بأنّ الوصول متأخرا أفضل من عدم الوصول! منطلقا لسنّة حسنة في تكريم المبدعين من كافّة القطاعات الإبداعيّة من الشعراء، والفنانين، وغيرهم لأنهم يمثّلون رموزا حيّة في الثقافة العمانية.


