ميرفت فهد –
في الوقت الذي تحرص فيه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على اتخاذ التدابير والقرارات الكفيلة بترسيخ استقرار أسواق النفط العالمية والحيلولة دون حدوث تقلبات حادة في أداء تلك الأسواق، يؤكد خبراء في شؤون النفط أن الخسارة التي ستلحق بالموازنات الخليجية ستكون محدودة نظرا لبقاء أسعار النفط عند مستوى سعر الموازنة ولم تصل إلى مستويات انحدار حادة.
ومن المتوقع أن يشهد عام 2015 زيادة طفيفة في معدلات النمو الاقتصادي الخليجي. ففي السعودية تشير التوقعات إلى أن النمو الاقتصادي سيبلغ 4.3% في العام المقبل 2015، في مقابل 4.2% في 2014، وأن ينمو الاقتصاد القطري بنحو 6.7% في 2015، فيما تشير التوقعات إلى أن النمو الاقتصادي في الإمارات 4.3% في العام المقبل. إلا أن تراجع أسعار النفط بأكثر من 25 دولارًا للبرميل من قيمته منذ يونيو الماضي قد يعرقل بعض الشيء من هذه التوقعات على الرغم من أن امتلاك تلك الدول لاحتياطيات مالية كبيرة سيسمح لها بأن تواصل خططها للإنفاق في الأجل القصير رغم أن هبوط سعر النفط يثير مشكلة في الأجل الطويل.
من ناحية أخرى، أشارت كريستين لاجارد إلى أن استمرار انخفاض سعر النفط بنسبة 25% يقلص إيرادات معظم دول مجلس التعاون بما يعادل نحو ثماني نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، وقد يدفع بعضها إلى تسجيل عجز في الموازنة. ولكنها عادت لتؤكد على أن الاحتياطيات المالية التي راكمتها دول المنطقة كافية لمواجهة التداعيات الحالية لهبوط إيراداتها. وتشير تقديرات النقد الدولي إلى أن مجموع الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون بلغ العام الماضي 1.64 تريليون دولار، وإذا استمر المسار الحالي لهبوط سعر النفط فإن هذا الناتج سيتقلص بمائة وثلاثين مليار دولار.
الجدير بالذكر أن إيرادات دول مجلس التعاون، والتي تعتمد بنسبة 90% على عائدات النفط، تضاعفت بين العامين 2008 و2012 من 317 مليار دولار إلى 756 مليار دولار، ثم انخفضت قليلا العام الماضي إلى 729 مليار دولار. وتضخ دول الخليج الست ممثلة في السلطنة والسعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين 17 مليون برميل من النفط يوميا.
والسعودية والإمارات والكويت وقطر دول أعضاء في أوبك، وهي تنتج مجتمعة نحو 16 مليون برميل يوميا، أي أكثر من نصف إنتاج دول أوبك الذي يصل إلى 30.5 مليون برميل في اليوم.
واللافت للنظر أن السعودية لم تسارع إلى خفض إنتاجها من النفط لإيقاف تدهور الأسعار حيث قامت بخفض تصديرها من 9.68 مليون برميل إلى 9.360 مليون برميل في حين سجل إنتاجها من الموجه للتصدير بأكثر من 9.70 مليون برميل خلال الشهرين الماضيين، مما يعني أن السعودية لا تعترض على تخفيض سعر النفط ولكن أن يبقى عند حد معين وسقف الخمسة وثمانين دولارا. وهو ما أكدته صحيفة (وول ستريت جورنال) الأمريكية حيث ذكرت الصحيفة بحسب مسؤولين في صناعة النفط بالسعودية أن الرياض راضية عن أسعار تحت سقف التسعين دولارا.
كان صندوق النقد الدولي قد قدر أن متوسط سعر النفط الذي تحتاج إليه السعودية للوصول إلى نقطة التعادل في موازنتها لعام 2015 هو 7,90 دولار للبرميل، وتحتاج الإمارات إلى متوسط يبلغ 73.30 دولار، في حين تحتاج الكويت 53.30 دولار، وقطر 77.60 دولار.
أما السلطنة والبحرين فتحتاجان إلى أسعار أعلى من ذلك لتحقيق التوازن بين الإيرادات والمصروفات في الموازنة. وفيما يتعلق بالسلطنة يتزامن التراجع الكبير في أسعار النفط مع توقيت إعداد الموازنة الجديدة لعام 2015 والتي يتم إعدادها في حدود سبتمبر أو أكتوبر من كل عام وتعلن رسميا في أول يناير.
وكانت التقديرات الرسمية في السلطنة تشير إلى أن عوامل دعم الاقتصاد الوطني من المتوقع أن تظل مواتية في الأجل القصير وأن تظل الحكومة قادرة على اتباع سياسة مالية توسعية للمحافظة على قوة الدفع الحالية للنمو أما المخاطر الرئيسية التي يمكن أن تواجه الاقتصاد العُماني في المستقبل فهي احتمالية حدوث مزيد من التباطؤ في وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، وحدوث تراجع حاد في أسعار النفط.. ولذلك فإن السلطنة تراقب التطورات المالية والاقتصادية العالمية بما في ذلك أسعار النفط العالمية وبناء عليها سيتم تحديد سعر النفط في موازنة العام المقبل.
ويقود تراجع أسعار النفط إلى نتيجة أساسية هي أن الاقتصاد العماني يفقد واحدا من أهم مصادر الدعم المتمثل في استقرار أسعار النفط طوال السنوات الماضية وهو الأمر الذي كان عاملا مهما في دفع الاقتصاد الوطني لمواصلة نموه بمعدلات مرتفعة بدعم من الزيادة في إنتاج النفط واستقرار أسعاره وهو ما ساعد في استمرار انتهاج الحكومة للسياسة المالية التحفيزية التي أدت إلى قوة وتنامي الطلب المحلي طوال السنوات الماضية.
ورغم أن موازنة العام الحالي تم وضعها على أساس 85 دولارًا للبرميل إلا أن وصول سعر التعادل إلى ما يتجاوز ذلك يجعل مواصلة بناء الاحتياط المالي أمراً صعباً وهو ما من شأنه أن يؤثر على التوقعات والاحتمالات المالية التي وضعتها السلطنة.
ويحمل تراجع أسعار النفط رسالة واضحة هي أنه لا بد من النظر في البدائل غير النفطية لدى السلطنة واستغلال كافة الإمكانيات والمقومات وتقليل الاعتماد على النفط وفي الوقت الحالي فإن حجم الاقتصاد يتجاوز 30 مليار ريال هي إجمالي الناتج المحلي ولا بد أن يكون الاقتصاد بكافة قطاعاته قادرا على مساعدة الحكومة في تنويع مصادر الدخل.
وفي حال استمرار تراجع أسعار النفط من المتوقع أن يمتد التأثير ليشمل معدلات النمو المتوقعة للعام الحالي حيث كان من المتوقع في بداية العام أن يواصل الاقتصاد العماني نموه خلال العام الحالي بنسبة 5% محافظا على مستواه في عام 2013، كما أن الأنشطة غير النفطية سوف تنمو بمعدل 7.3% مقارنة بـ5.6% العام الماضي.
يذكر أن هناك عدة أسباب أدت إلى انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية حسب تقارير مختلفة تشير إلى أن الاضطرابات السياسية في المرحلة السابقة أدت إلى خفض الإنتاج في العديد من الدول مثل ليبيا وإيران والعراق، ومؤخرا بدأت تلك الدول في العودة إلى السوق بشكل أوسع عبر زيادة إنتاجها ويبلغ الإنتاج العالمي حاليا حوالي 90 مليون برميل يوميا حصة الأوبك منها 30 مليون برميل. كما زاد الإنتاج الأمريكي بنسبة 70% منذ عام 2008 جزء كبير منها من النفط الصخري الذي انخفضت تكلفة إنتاجه من حوالي 90 دولارًا إلى أقل من 60 دولارًا مما شجع ذلك العديد من الشركات في التوسع بإنتاج النفط الصخري الذي ارتفع إنتاجه من حوالي 500 ألف برميل إلى مليوني برميل يوميا مما أثر على العرض والطلب ولقد أدى ذلك إلى استغناء السوق الأمريكي عن نفط دول غرب إفريقيا بما في ذلك نيجيريا والكاميرون وغينيا وساحل العاج حيث اتجهت تلك الدول للتصدير إلى دول جنوب شرق آسيا مثل الصين والهند، وفي الوقت ذاته اتجهت بعض الدول لزيادة الإنتاج لتخفيض الأسعار بهدف ممارسة نوع من الضغوط الاقتصادية على دول أخرى لتحقيق مكاسب سياسية. ويترقب المتعاملون حاليا في أسواق البترول اجتماع وزراء النفط لدول «منظمة البلدان المصدرة للبترول» في فيينا يوم 27 نوفمبر الجاري لمعرفة ما إذا كان بوسع المنظمة مواجهة وفرة الإمدادات القادمة وتعديل هدف الإنتاج البالغ 30 مليون برميل يومياً.


