القاضي الدكتور مصطفى السيد علي بلاسي -
رئيس محكمة – خبير قانوني -
في الرابع والعشرين من نوفمبر الماضي صدر قرار رئيس جمهورية مصر العربية بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية وذلك بالقانون رقم 107 لسنة 2013 والمنشور بالعدد 47 مكرر من الجريدة الرسمية، على أن يبدأ تنفيذه في اليوم التالي لنشره.
ونظرا لحساسية موضوعه وتعلقها المباشر بحقوق الإنسان وما يتطلبه ذلك من إعمال التوازنات بين الحقوق الفردية المشروعة من ناحية وبين المصلحة العامة والنظام العام والأمن العام من ناحية أخرى،.
وفي سبيل صدور هذا القانون بصيغته الحالية فقد تم تنظيم مواده تحت مظلة قانونية واسعة شملت الاطلاع على الدستور (الإعلان الدستوري الصادر في 8 يوليو 2013م) وعلى قوانين العقوبات والإجراءات الجنائية وعلى القوانين ذات الصلة بالموضوع، بل والمنظمة للعديد من أحكامه سلفا منذ بدايات القرن الماضي وحتى إعداد هذا القانون. إذ تم الاطلاع على قانون التجمهر رقم 10 لسنة 1914م، وقانون تقرير الأحكام الخاصة بالاجتماعات العامة وبالمظاهرات في الطرق العمومية الرقيم 14 والصادر منذ عام 1923م وهو ما يؤكد أن ثمة تأصيل قانوني لهذا الموضوع منذ حوالي قرن من الزمان وإن كان الجانب التفعيلي له لم يؤخذ على إطلاقه لسبب أو لآخر.
ولم يقتصر مجال تلك المظلة القانونية على الرجوع إلى التشريعات السابقة ليخرج القانون الحالي بتلك الصياغة بل امتدت للرجوع إلى قوانين أخرى عديدة منها قانون الأسلحة والذخائر رقم 394 لسنة 1954، وقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994م، وقوانين السلطة القضائية، وهيئة الشرطة، ومجلس الدولة، ونظام الإدارة المحلية، ولتعلق القانون بتنظيم شأن من شؤون حقوق الإنسان وحرياته فقد تم الرجوع إلى القانون الخاص بإنشاء المجلس القومي لحقوق الإنسان رقم 94 لسنة 2003، والقانون رقم 113 لسنة 2008 والمتعلق بالحفاظ على حرمة أماكن العبادة.
والمعلوم أن هذا القانون كان قد صدر بناء على طلب الحكومة، وقد انتظمت مواده الخمس والعشرون في أربعة فصول اختص الأول من هذا القانون بالأحكام العامة والتعريفات، بينما تناول الفصل الثاني الإجراءات والضوابط التنظيمية، أما الفصل الثالث بمواده السبع فقد وضع العقوبات المقررة عند مخالفة هذا القانون، وأخيرا جاء الفصل الرابع بمواده الثلاث معالجا للأحكام الإجرائية اللازمة لتطبيق القانون.
وتفصيلا لمجمل ما سبق وبيانا لفحوى القانون الوليد فإن الفهم الموضوعي والمحايد والنظري البحت يحتم تناول مواده كقواعد عامة مجردة تصب في خدمة النظام والأمن العامين وذلك بالتوازي مع مراعاة حقوق الإنسان وحرياته بمفهومها الوسطي وبما لا يخرجها عن سياقها الطبيعي وهو ما يؤطر لحدود ممارسة تلك الحقوق والحريات تحت مظلة القانون ودونما خروج عليه، ويتضح ذلك من خلال استعراض مواد ذلك القانون وبيان العلة التشريعية منها تبسيطا لفهم تلك المواد من ناحية وقطعا للطريق أمام المزايدين على حساب الحقوق والحريات ومنهم من لم يقرأ هذا القانون أو لم يتفهمه فكان الاعتراض عليه لمجرد الاعتراض، وكان من الأولى تفهم مواد القانون من لدن المختصين ثم إبداء ما عن لهم من نقد أو ملاحظات، مع الوضع في الاعتبار أن أيه اعتراضات أو نقد قد يوجه إلى أي قانون لا يفت في عضد تنفيذه إذ يظل له قوته ويستمر تنفيذه إلى أن ينظر في أمر تعديله من الجهات الفنية المختصة بإصدار القوانين وتعديلها.
وبناء على ما سبق وحتى يتم تقييم القانون – الصادر بقرار من رئيس الجمهورية – من الناحية الفنية كان لزاما اتباع أحد الأساليب العلمية المعتبرة والمرعية لبيان فحوى ومضمون مواد هذا القانون وصولا لوضع تصور عام عنه بكل تجرد وموضوعية، وفي سبيل ذلك وتحليلا لفصول ومواد هذا القانون يلاحظ مبدئيا أن الفصل الأول من القانون اشتمل على الأحكام العامة والتعريفات دامجا بينهم دونما وضع فواصل بين الأحكام العامة وبين التعريفات فكانت التعريفات من نصيب المواد الثانية والثالثة والرابعة بينما تعرضت المواد الأولى والخامسة والسادسة والسابعة لوضع الأحكام العامة وذلك على النحو التالي.
إذ جاءت المادة الأولى بحكم عام أصل لحق المواطنين في تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية والانضمام إليها، وذلك وفقاً للأحكام والضوابط المنصوص عليها في هذا القانون. بينما جاءت المادة الثانية من القانون بوضع تعريف للاجتماع العام وقد توخي القانون أن يكون هذا التعريف جامعا لكل مفردة من مفردات المعرف – الاجتماع العام – ومانعا من دخول مفردة غريبة عليه فجاء التعريف بالصيغة التالية (هو كل تجمع يُقام في مكان أو محل عام يدخله أو يستطيع دخوله أشخاص دون دعوة شخصية مسبقة لا يقل عددهم عن عشرة لمناقشة أو تبادل الآراء حول موضوع ذي طابع عام). ولم يكتف التعريف السابق بذلك بل استطرد متطرقا للاجتماعات الانتخابية باعتبارها صورة من صور الاجتماعات العامة واضعا لها الشروط اللازمة لاعتبارها كذلك والتي ما إن توافرت أصبح التكييف القانوني لها أنها اجتماعات عامة من حق المكلفين بالقانون تنظيمها وفق المادة الأولى من القانون ذاته سالف الإشارة إليها فنصت المادة التعريفية ذاته على أنه (يعتبر من الاجتماعات العامة في تطبيق أحكام هذا القانون الاجتماعات الانتخابية التي تتوافر فيها الشروط الآتية:
1- أن يكون الغرض منها اختيار مرشح أو مرشحين لعضوية المجالس النيابية أو سماع برامجهم الانتخابية.
2- أن يكون قاصرا على الناخبين وعلى المرشحين أو وكلائهم.
3- أن يكون الاجتماع في الفترة المقررة للدعاية الانتخابية.
وفي سياق وضع التعريفات فقد كان تعريف الموكب في المادة الثالثة من القانون إذ عرفته بأنه (هو كل مسيرة لأشخاص في مكان أو طريق أو ميدان عام يزيد عددهم على عشرة للتعبير سلمياً عن آراء أو أغراض غير سياسية)، أما التظاهرة فقد عرفتها المادة الرابعة من القانون على أنها (هي كل تجمع لأشخاص يقام في مكان عام أو يسير في الطرق والميادين العامة يزيد عددهم على عشرة، للتعبير سلمياً عن آرائهم أو مطالبهم أو احتجاجاتهم السياسية).
ويلاحظ الفرق البين بين المواكب والتظاهرات إذ الغرض من الأخيرة يكون سياسيا من خلال عرض مطالب أو التعبير عن رأي أو الاحتجاج في النسق السياسي ذاته أما في المواكب فيكون التعبير السلمي عن الرأي أو الأغراض في المجال غير السياسي.
وبعد وضع التعريفات السابقة كان العودة إلى وضع عدد من الأحكام العامة تضاف للحكم العام الوارد في المادة الأولى، إذ جاءت المادة الخامسة بحكم عام بصيغة المنع والحظر المتعلق بالاجتماع العام في أماكن العبادة إذا كان لأغراض سياسية واستطرد الحظر ليشمل منع ذلك حتى في ساحات أماكن العبادة أو في ملحقاتها، مضيفا إنه يحظر تسيير المواكب منها أو إليها أو التظاهر فيها. وهو ما يفسره حرمة تلك الأماكن وقدسيتها ورغبة المشرع في تنزيهها وعدم الزج بها في أتون الصراعات السياسية، ولعله من الملاحظ أن الحظر هنا لم يقتصر على الاجتماعات العامة فقط إذا كانت لأغراض سياسية بل امتد ليمنع تسيير المواكب منها أو إليها، بل وتعدى الأمر ذلك ليمنع التظاهر فيها وهو ما يعد تعبيرا صريحا ورغبة أكيدة من المشرع في إخراج أماكن العبادة مما قد لا يتوافق من الغرض الأصلي والأساسي من إقامتها وهو العبادة.
وفي مجال وضع الأحكام العامة أيضا أتت المادة السادسة بحظر تصرفات محددة على المشاركين في الاجتماعات العامة أو المواكب أو التظاهرات أن يراعوها، وقد تمثلت في حظر حمل أية أسلحة أو ذخائر أو مفرقعات أو ألعاب نارية أو مواد حارقة أو غير ذلك من الأدوات أو المواد التي تعرض الأفراد أو المنشآت أو الممتلكات للضرر أو الخطر… وأضافت حظرا من نوع آخر شمل ارتداء الأقنعة أو الأغطية لإخفاء ملامح الوجه ولكنه أكد على أن يكون الحظر هنا في حالة أن يكون قصدهم من ارتدائها هو ارتكاب أي من تلك الأفعال السابق الإشارة إليها.
وأخيرا جاءت المادة السابعة – آخر مواد الفصل الأول – بحكم عام آخر وهو يطبق على المشاركين في الاجتماعات العامة أو المواكب أو التظاهرات يتمثل في حظر الإخلال بالأمن أو النظام العام أو تعطيل الإنتاج أو الدعوة إليه أو تعطيل مصالح المواطنين أو إيذائهم أو تعريضهم للخطر آو الحيلولة دون ممارستهم لحقوقهم وأعمالهم أو التأثير على سير العدالة أو المرافق العامة أو قطع الطرق أو المواصلات أو النقل البري أو المائي أو الجوي أو تعطيل حركة المرور أو الاعتداء على الأرواح أو الممتلكات العامة أو الخاصة أو تعريضها للخطر.


