عبدالوهاب بن يحيى الهنائي -
يدخل الحراك العربي عامه الثالث، دون أن تتكشف له أي مآلات واضحة أو إشارات ساطعة، يمكن للمراقب من خلالها أن يحكم عليه بشكل قاطع، والتساؤلات المطروحة دائما، عن ماهية هذا الحراك؟ وما سيجلبه للمنطقة من نتائج؟ وهل سيقود العالم العربي إلى النهوض مجددا وينفض عن عباءته غبار الفساد والفقر والاستبداد؟ أم سيكون مرحلة الاحتضار الأخيرة في تاريخ العرب؟ ما زالت تراود قطاعا واسعا من النخبويين الموضوعيين العرب.
وهذا المقال ليس بصدد الإجابة عن تلك التساؤلات، فتباين الآراء حولها جدل لا ينتهي، بل للبحث في ما أفرزه وأنتجه هذا الحراك الشعبي في الوطن العربي حتى الآن، سياسيا واجتماعيا وفكريا، ولكن قبل ذلك، يجدر بنا استرجاع الذاكرة وتفحص ما كانت عليه أوضاع بعض البلدان العربية التي شهدت احتجاجات واسعة في السنوات الثلاث الأخيرة، ونأخذ مثلا على ذلك، تونس ومصر على اعتبار أنهما مهد هذا الحراك ومبتدأه، إضافة إلى أن هاتين الدولتين شهدتا تغيرا ملموسا ومتقاربا.
وجدير بالذكر أن الأوضاع في مصر وتونس قبل بدء موجة الاحتجاجات والاضطرابات، كانت على درجة كبيرة من التشابه، فقد كانتا ترزحان تحت حكم نظامين أمنيين صارمين لا يختلف اثنان في توصيفهما وباتفاق الأعداء والأصدقاء، ناهيك عن الفساد الذي كان مستشريا في كلتا الدولتين، والذي أدى بدوره إلى زيادة نسب الفقر والباحثين عن العمل وغياب شبه كامل للعدالة الاجتماعية، وأخطر ما في الأمر، أن هذه الأوضاع التي أقل ما توصف بالسيئة والمحبطة، امتدّت إلى عقود من الزمن، عانى خلالها ملايين الأشخاص من الكبت والحرمان والفقر، مما جعل منهم قنبلة بشرية، لم يكن أحد يتنبأ بها أو بموعد انفجارها.
ورغم اتفاق المحللين والخبراء على أن هذه الأوضاع، كانت السبب المباشر في اندلاع الحراك الجماهيري الغاضب ضد أنظمتها في تلك البلدان، وهو تفسير لا يحتاج إلى أدنى مستوى من الذكاء والتبرير، إلا أن فئة من الشارع العربي ما زالت ترى أن ما حدث، ما هو إلا مؤامرة خارجية تستهدف أوطاننا العربية وثرواتها ومواردها ولحمة مجتمعاته، وفي الحقيقة أن هذه الفئة ورغم محدوديتها ثلاثة أصناف: الصنف الأول وهي مجموعة من الانتهازيين والمنتفعين من الأنظمة الفاسدة والذين يرتبطون بها عضويا، وبقاؤهم مرهون ببقاء تلك الأنظمة أو بعودتها (أي الأنظمة التي سقطت إثر الحراك الشعبي).
أما الصنف الثاني، فيمكن أن نسميهم التاريخيين المتشائمين، وهم مجموعة أصيبت بالريبة والشك من التغيرات التي طرأت على العالم العربي إثر الحراك الشعبي، وذلك لاعتبارات تاريخية سياسية، فاللعنات والنكبات التي حملتها ثورة 1916 على العرب ما زالت آثارها حاضرة حتى الآن.
- وهم محقون في ذلك رغم فرط تشاؤمهم وتغير المعطيات الراهنة – فقد خرج العرب في تلك الثورة ضد الدولة العثمانية وبمساعدة الامبراطورية البريطانية، وبعد أن طرد الأتراك وظن العرب أنهم انتصروا على العدو، تكشفت لهم حقيقة سايكس- بيكو التي قسمت الوطن العربي إلى دويلات صغيرة، لهذا فأن اليد الخارجية متنفذة لدرجة لا يستبعد تدخلها في مثل هذا التغيير وقد تكون محركه بالأساس بنظر هذه الشريحة الرافضة والمشككة بهذا الحراك.
أما الصنف الثالث والأخير، فهم مجموعة كانت متفائلة بالحراك الجماهيري وما أنتجه من تغيير إيجابي في تونس ومصر بعد سقوط أنظمتها الاستبدادية، ولكن لم تلبث هذه المواقف إلا أن تغيرت بعد فقدان آلاف الأرواح إثر الاحتجاجات التي انتقلت إلى ليبيا وسوريا والمواقف الغربية وتدخلاتها ودعمها السياسي والعسكري لتلك الاحتجاجات.
رغم ذلك فإن الصنفين الأخيرين من المترددين والرافضين لهذا الحراك الشعبي، هي أقل ما توصف بالطبيعية والواقعية في ظل المتغيرات المتسارعة والنتائج غير الثابتة والخسائر الفادحة في الأرواح، إضافة إلى التدخلات الغربية المشكوك في أمرها دائما في التعامل مع هذا الحراك الجماهيري، ناهيك عن دروس وعبر التاريخ.
وبالرجوع إلى النقطة المحورية في هذا المقال وهي النتائج والمعطيات الأولية لهذا الحراك الجماهيري العربي سياسيا واجتماعيا وفكريا، والتي لم تنته فصوله حتى اليوم، وبالقياس والمقارنة مع ما كانت عليه هذه الدول قبل بدأ الاضطرابات فإن للوهلة الأولى يبدو لنا أنها فوضى سياسية وتصدع مجتمعي مخيف وتضارب فكري خطير، مما جعل أكثر المتفائلين بهذا الحراك يلجأون إلى الصمت والتوجس، أما المتشائمون فأخذوا يعاتبون ويلقون باللائمة على مناصريه، واكتفى الرافضون بالدعاء والتمني بعودة الأيام الخوالي.
والحقيقة أن ما أفرزه هذا الحراك الشعبي حتى الآن، ما هو إلا جزء بسيط من رواسب ومخلفات الاستبداد السياسي الذي امتد عقودا من الزمن، وما أنتجه من جهل مجتمعي وفقر معيشي وتخلف فكري ومعرفي ونخبوي، وكل تلك الرواسب والمخلفات تطفو الآن على السطح على شكل فوضى سياسية وانقسامات مذهبية وأيديولوجية متناحرة وصراعات فكرية وثقافية متضادة، تم توظيفها سياسيا وكأنها نتاج هذا الحراك الشعبي وليس نتاج أزمنة الاستبداد، وذلك من قبل أطراف سياسية ونخبوية متنفذة هي أيضا من نتاج حقبة الاستبداد، لصالح إيجاد رأي عام مناهض لهذا الحراك الشعبي وما يحمله من مبادئ وأهداف، وتصويره على أساس أنه جلب للمنطقة الخراب والدمار، وأن تلك الشعارات ليست إلا وهم وسراب، وأن الطريق الوحيد لحلحة هذه الفوضى العارمة هي الرجوع والمثول للأمر الواقع واستعادة العهد القديم، وطبعا دون أن ننسى الدعم الخارجي لمثل هذه التسويات الساذجة، وهم الرافضون – بالضرورة – أي تغيير سياسي إيجابي في العالم العربي، يؤدي بدوره إلى إغلاق أسواق استهلاكية استراتيجية لهم، وبالتالي صياغة موازيين قوى جديدة في المنطقة والعالم.
وخلاص القول، إن كل ما يحدث في مجتمعاتنا العربية من اضطرابات وأزمات سياسية واجتماعية، ما هي إلا عملية استفراغ لسموم الماضي وعوالقه، رغم جسامة الخسائر وعظم المآسي وجلل البلاء.


