قال التقرير السنوي لبنك عمان العربي حول الموازنة العامة للسلطنة للعام الحالي: إن موازنة 2014 تعد بكل تأكيد موازنة التحديات لكثرة ما تحتويه من التزامات مالية واقتصادية واجتماعية من قبل الدولة في ظل متغيرات دولية وإقليمية خاصة فيما يتعلق بالرافد الأساسي لإيرادات الدولة ألا وهو النفط ومن هنا جاء تركيز إدارة الموازنة العامة بالعمل على ضرورة تنويع مصادر الإيرادات لاقتصاد البلاد ورفده بمصادر متنوعة من الإيرادات مع الحفاظ على معدلات تضخم مقبولة ومديونية منخفضة نسبة وتناسبا مع الناتج القومي تزامنا مع تسجيل ضرورة نسب نمو مُرتفعة ومُستدامة.
وأكد التقرير أن موازنة العام الحالي جاءت مثل موازنات الأعوام السابقة من حيث تقديمها رؤية شاملة تضع نصب أعينها تنمية الكوادر الوطنية وبطرق أكثر فاعلية كونها القوة البشرية الأهم في عملية التنمية، كما أن هذه الموازنة هي جزء من الخطة الخمسية الثامنة ورؤية «عُمان 2020» ولاحقا رؤية «عُمان 2040»، وتأتي الموازنة في إطار المنهج الحكيم الذي تنتهجه الحكومة والذي يعتمد في صلبه على الارتقاء بالمستوى المعيشي والحفاظ على معدلات نمو مرتفعة وتوزيع المهام والمسؤوليات على عاتق كافة الجهات سواء الحكومية أو الخاصة مع التركيز على المسؤولية الاجتماعية للشركات والمؤسسات المساهمة العامة والإبقاء على الدور السيادي للحكومة والمتعلق بضرورة الحفاظ على سلامة الاقتصاد ووضع الأطر التشريعية المناسبة والتي تهدف إلى تذليل العقبات، فإن من شأن ذلك كله أن يُسهم في إيجاد شراكة حقيقية ومُستمرة ما بين القطاعات الحكومية والخاصة بهدف الارتقاء بالدولة إلى أعلى درجات التقدم والازدهار.
11.7 مليار حجم الإيرادات
وطبقا لجداول الموازنة وأرقامها، فقد سجل إجمالي إيرادات الموازنة لعام 2014 مبلغ 11.7 مليار ريال عماني أي بنمو نسبته 4.89 بالمائة بالمقارنة مع الإيرادات العامة الأصلية المُقدرة لعام 2013، وهي نسبة متواضعة إذا ما قورنت بالارتفاعات السنوية للإيرادات الإجمالية التقديرية للأعوام السابقة وذلك بسبب رئيسي يعود إلى الإبقاء على الأساس نفسه لسعر النفط مقارنة مع موازنة عام 2013 عند 85 دولارا أمريكيا للبرميل إضافة إلى عدم وجود زيادة واضحة في المتوسط المتوقع للإنتاج اليومي من النفط علاوة على محدودية الإيرادات الأخرى للدولة في ظل مواجهة ضغوط كبيرة من قبل الأفراد بالاستمرار بدعم السلع والخدمات وخصوصاً الوقود والغاز وأسعار الكهرباء والماء.
إن الإيرادات المقدرة لعام 2014 هي أقل بنسبة 8.5 بالمائة من الإيرادات الفعلية للأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2013 وبنسبة 13.17 بالمائة من الإيرادات الفعلية لعام 2012 والتي كانت في حدود 13.47 مليار ريال عماني مع الوضع بعين الاعتبار أن المتوسط السنوي لارتفاع الإيرادات الفعلية مقارنة مع الإيرادات المقدرة خلال السنوات السابقة تشير إلى أنه كان في حدود 2.6 مليار ريال عماني لذا فإننا إذا افترضنا «بتحفظ» بأن الزيادة المتوقعة على الإيرادات المقدرة لعام 2014 هي في حدود 1.5 مليار ريال عماني نجد عندئذ أن الإيرادات الفعلية للعام الحالي قد تتجاوز 13 مليار ريال عماني.
وفي السياق نفسه، بلغت نسبة إيرادات النفط والغاز 82.48 بالمائة من إجمالي الإيرادات (83.86 بالمائة في الموازنة المقدرة لعام 2013) مُسجلة ما قيمته 9.65 مليار ريال عماني بزيادة سنوية 3.15 بالمائة بالمقارنة مع 9.35 مليار ريال عماني في الموازنة المُقدرة لعام 2013 في حين بلغت نسبة الإيرادات الأخرى (غير النفط والغاز) 17.52 بالمائة من إجمالي الإيرادات وبزيادة سنوية 13.89 بالمائة عند 2.05 مليار ريال عماني بالمقارنة مع 1.8 مليار ريال عماني في الموازنة الأصلية المُقدرة لعام 2013.
تقليل الاعتماد على النفط
وبلا شك فإن التحدي الأبرز هنا يبقى دائما في كيفية تقليل الاعتماد على مُساهمة قطاعي النفط والغاز كمصدر رئيسي ومهم في الإيرادات الحكومية وكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي وضرورة التركيز على التنويع الاقتصادي وذلك رغم صعوبة حدوث ذلك على المدى المنظور لأسباب عدة منها المدة الزمنية المطلوبة للقطاعات غير النفطية لكي تنهض وتحقق مستويات النمو المطلوبة على الرغم من محاولات السلطنة الحثيثة للسير بهذا الاتجاه من خلال تنويع الإنفاق الاستثماري والاستثمار في القطاعات المرادفة للنفط والغاز مستفيدة من البنية الأساسية التي تطورت ووجدت طيلة السنوات العشر الأخيرة.
وقد بلغ صافي الإيرادات النفطية 8.15 مليار ريال عماني بارتفاع طفيف نسبته 1.18 بالمائة مقارنة مع موازنة عام 2013 ومشكلا ما نسبته 69.7 بالمائة من إجمالي الإيرادات (72.2 بالمائة في الموازنة المُقدرة لعام 2013).
وتجدر الإشارة إلى أنه خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2013 بلغت نسبة مساهمة صافي الإيرادات النفطية المحققة 76.2 بالمائة من إجمالي الإيرادات بالمقارنة مع 72.2 بالمائة هي النسبة المستهدفة في العام نفسه.
واستقرت نسبة مساهمة إيرادات الغاز من إجمالي الإيرادات عند 12.82 بالمائة بمبلغ 1.5 مليار ريال عماني (11.7 بالمائة في الموازنة المُقدرة لعام 2013 و10.4 بالمائة في خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2013).
قطاع مهم
وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية هذا القطاع الذي شهد العديد من الاستثمارات المهمة خلال الفترة السابقة لعل من أهمها توقيع شركة بريتيش بتروليوم (بي بي) على اتفاقية تطوير مشروع خزان العُماني للغاز المحكم والذي تقدر قيمة استثماراته بنحو 16 مليار دولار منها 9.6 مليار دولار تتحملها شركة بريتيش بتروليوم طبقا لوكالة رويترز للأنباء.
ويهدف هذا المشروع إلى استخراج نحو مليار قدم مكعب يوميا من الغاز. ومن المتوقع بدء أعمال البناء في عام 2014 على أن يكون استخراج أولى كميات الغاز في أواخر عام 2017 والوصول إلى حوالي مليار قدم مكعب أو 28.3 مليون متر مكعب يوميا في عام 2018.
وقد أشار بيان الموازنة في هذا الخصوص إلى وجود تحديات تواجه الطلب على الغاز على المدى القصير (لا توجد مخاوف على المدى البعيد) مما استوجب زيادة الإنفاق الحكومي في هذا القطاع.
وأما الإيرادات الأخرى (غير النفط والغاز) والتي بلغت 2.05 مليار ريال عماني في موازنة 2014 فكان للإيرادات الجارية (والتي تتألف من إيرادات الضرائب والرسوم والإيرادات غير الضريبية وغيرها) نصيب الأسد منها بمبلغ ملياري ريال عماني وبنسبة مساهمة بلغت 17.09 بالمائة من إجمالي الإيرادات (كانت في حدود 15.96 بالمائة في الموازنة المقدرة لعام 2013 و13.11 بالمائة خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2013). وشكلت نسبة الضرائب والرسوم نحو 50.6 بالمائة من إيرادات غير النفط والغاز (48.2 بالمائة في الموازنة المقدرة لعام 2013).
تراجع الإيرادات غير النفطية
وشهدت مساهمة الإيرادات غير النفطية من إجمالي الإيرادات تراجعا خلال السنوات الثلاث الأخيرة وذلك بسبب رئيسي يعود إلى الارتفاع القوي لأسعار النفط إلا أن هناك حقيقة أخرى تكمن في صعوبة وقلة مرونة التحكم بالإيرادات الجارية خاصة بند الرسوم والضرائب لما يحتويه من مراعاة لعدد من الأمور الأخرى والمتعلقة بنتائج أعمال بعض شركات ومؤسسات القطاعات الخاصة والعامة والإيرادات من الضرائب الأخرى. إلا أن هذا البند نما بشكل جيد وبشكل يظهر محاولة الحكومة الاستفادة منه خصوصا أنه يشكل رافدا أساسيا لإيرادات الدول خاصة بالغرب وقد سجل ارتفاعا بنسبة 19.72 بالمائة في موازنة عام 2014 وهي نسبة جيدة مقارنة مع السنوات السابقة حيث سجلت في موازنة عام 2013 ارتفاعا بنسبة 12.52 بالمائة مما يتوقع إما وجود ضرائب و/أو رسوم جديدة أو التوقع بتنامي الأعمال والأرباح في الشركات لمستويات جديدة.
سعر غير تحفظي
وبإلقاء نظرة تحليلية على الأساس الذي بنيت عليه الموازنة ألا وهو سعر 85 دولارا أمريكيا للبرميل الواحد نجد أنه على الرغم من كونه سعرا مدروسا بالإجمال إلا أنه جريء وغير تحفظي بالنظر إلى التحديات التي تتحكم بأسعار النفط والطلب عليه ليس أقله ارتفاع إمدادات النفط الصخري من الولايات المتحدة وكندا والذي طبقا لتقارير عدة تُفيد بأنه سيتجاوز 4.5 مليون برميل يوميا خلال خمس سنوات قادمة، إضافة إلى تراجع حدة المخاوف بشأن بعض الدول الفاعلة في قطاع تصدير النفط العالمي مثل إيران ونيجيريا.
وتوضح البيانات تناقص الفجوة ما بين متوسط السعر المُقدر للنفط الذي بنيت عليه الموازنات السابقة والحالية وما بين متوسط السعر الفعلي المُتحقق للنفط خلال الفترات نفسها وهو ما يفرض تحدياً مستمراً على الموازنة خاصة مع ارتفاع وتيرة ومعدلات الإنفاق وخصوصاً الجارية منها وتزايد المسؤوليات بشكل كبير.
وعلى الرغم من كثرة العوامل المؤثرة على العرض والطلب فيما يتعلق بهذه السلعة والتي لا يمكن التكهن بها بسهولة، إلا أن أغلب الدراسات والتكهنات المتعلقة بأسعار هذه السلعة تشير إلى بقاء أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار أمريكي للبرميل خلال عام 2014.
وطبقا لوكالة الطاقة الدولية فإن الطلب العالمي المتوقع على النفط خلال عام 2014 هو في حدود 92.4 مليون برميل يوميا مقارنة مع 91.2 برميل يوميا لعام 2013 وسيسهم الطلب القوي على النفط في الاقتصاديات للدول المتقدمة والدول الصناعية والتي شهدت تحسنا في أدائها خلال الفترة السابقة خاصة قطاع التصنيع في الولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى توقع استمرار النمو في الدول الناشئة مثل الصين والهند وتركيز الدول الناشئة على التنمية المستدامة مما يزيد من الطلب على هذه السلعة، ومن المتوقع أن يسهم كل ذلك بإبقاء الطلب على النفط في مستويات جيدة.
الصين أكبر مستورد للنفط العماني
وبالنظر إلى طبيعة الأسواق المستوردة للنفط العُماني، فإن الصين تبقى في الصدارة مسجلة ما نسبته 58.2 بالمائة من إجمالي صادرات النفط العماني خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2013 طبقا لأحدث بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. ومع الأخذ بعين الاعتبار التوقعات المتعلقة بنمو الاقتصاد الصيني بنسبة 7.5 بالمائة خلال عام 2014 وذلك بسبب تحسن صادراتها، لذا فإن آفاق صادرات النفط العُماني تبقى مستقرة هذا وبلغ متوسط نسبة حصة الصين من صادرات السلطنة النفطية ما بين 2010 و2012 حوالي 45.5 بالمائة.
وفي هذا السياق من المتوقع أن يبلغ متوسط إنتاج النفط والمكثفات 945 ألف برميل يوميا في عام 2014 مقارنة مع متوسط إنتاج مستهدف 930 ألف برميل يوميا في عام 2013.
وكان متوسط الإنتاج اليومي من النفط خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2013 قد بلغ 941.7 ألف برميل يوميا ومع رغبة السلطنة بالوصول إلى متوسط معدل يومي لإنتاج النفط يقدر بحوالي مليون برميل خلال عام 2015، فإن ذلك يعني استمرار الحاجة لمزيد من الاستثمارات في القطاع للوصول إلى معدلات الإنتاج المطلوبة. وطبقا للموازنة فإن النفقات المقدرة لإنتاج النفط لعام 2014 تتجاوز مليار ريال عماني.
وتلاحظ أن الإنتاج النفطي شبه ثابت ومعروف وعليه فإن إيرادات النفط تعتمد بشكل شبه تام على أسعاره والتقلبات السعرية المصاحبة لها مما يعرضها (الموازنة) لمخاطر التذبذبات المرتبطة بآلية وكميات وأسعار العرض والطلب ومما يضع الموازنة في تحدٍ لإيجاد طرق تؤدي إلى زيادة الإنتاج النفطي بشكل يخفف من حدة هذه التذبذبات.
التضخم .. مراقبة عن كثب
وأوضح التقرير أن البيانات الفعلية للفترة من يناير إلى نوفمبر 2013 تشير إلى تراجع مُعدل التضخم إلى 1.3 بالمائة مقارنة مع 3 بالمائة للفترة نفسها من عام 2012 وهو معدل ممتاز مقارنة مع دول المنطقة والعالم.
وقد أشار بيان الموازنة إلى أن هذا الانخفاض دعمه تراجع أسعار الغذاء في الأسواق العالمية إلى جانب سياسة وخطط وبرامج حماية المستهلكين التي تنتهجها الحكومة من خلال المراقبة المُستمرة للأسواق.
إلا أن المخاوف الرئيسية تكمن دائما في التضخم المستورد كون أن السلطنة تستورد العديد من احتياجاتها من المواد الخام والأساسية والمنتجات الجاهزة من الخارج وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الزيادة المتوقعة في الرواتب لموظفي الجهاز المدني ستسهم بزيادة الطلب على المنتجات المستوردة وخاصة المتعلقة بالرفاهية بسبب يعود إلى زيادة القدرة الشرائية والجنوح نحو السلع مرتفعة القيمة مع نمو الدخل.
كذلك فإن الإنفاق الحكومي التوسعي المستمر وزيادة معدلات الاستهلاك والطلب على السلع والخدمات بسبب الوافدين الجدد إلى سوق العمل من المواطنين والوافدين والتقلبات في أسعار العملات العالمية خاصة الين الياباني والدولار الأمريكي والعملات الآسيوية الأخرى وغير ذلك من العوامل سيسهم بتوفير أرضية للضغوط التضخمية خلال الفترة القادمة مما يستوجب العمل على كبح ذلك.
ومن أهم الأدوات المستخدمة غير الوسائل المعتادة للتدخل الحكومي (غير المرغوب بها بشكل عام)، يكمن في قدرة البنوك على إيجاد منتجات ادخارية واستثمارية مبتكرة تجذب هذه الزيادة المتوقعة في الرواتب إضافة إلى توفير الفرص الاستثمارية الواعدة لمتوسطي الدخل والتركيز على المنتجات التي تصب في التنمية المستدامة.
إنفاق قوي
عند تحليل هذا البند لا بد من التوقف عند الأهداف الرئيسية المطلوب تحقيقها في الموازنة والتي من أهمها دعم الاقتصاد من خلال الإنفاق الحكومي القوي خاصة الإنفاق الإنمائي والاستثماري وتطوير الخدمات الاجتماعية والعامة من حيث الكمية والنوعية والتركيز على رفع كفاءة أجهزة الدولة واستكمال وتطوير البنى الأساسية للدولة وتواصل وزيادة الاهتمام بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورفع كفاءة استغلال المدخرات المحلية والمحافظة على مستوى آمن ومتدنٍ للدين العام والمحافظة على معدلات تضخم متدنية.
وهذه الأهداف بعموميتها هي مشابهة لتلك المذكورة في الموازنة السابقة إلا أنها تتمتع بخصوصية من حيث بعض الأهداف منها على سبيل المثال رفع كفاءة أجهزة الدولة والمدخرات المحلية.
وقد أشار بيان الموازنة إلى أن هنالك ضرورة للانتباه إلى عدد من النقاط بهدف المحافظة على ما تم التوصل إليه ولمجابهة التحديات القادمة، من هذه النقاط الدفع بعملية التنويع الاقتصادي وترشيد الإنفاق الحكومي (العنصر الأكثر تحديا وصعوبة خاصة مع تزايد فاتورة الرواتب وأي انخفاض لأسعار النفط).
ومراجعة الإيرادات غير النفطية (كما ذكرنا سابقا أنها غير مرنة إجمالا).
وتشجيع الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي وتفعيل الشراكة ما بين القطاعين العام والخاص.
ورغم أن موازنة عام 2014 هي تاريخية وقياسية خاصة من حيث قيمة الإنفاق بالأرقام المُطلقة، إلا أنها الأقل بين الموازنات (خلال السنوات القليلة السابقة) من حيث معدل النمو السنوي للإنفاق المقدر.
وعند الحديث عن الإنفاق المقدر فإنه من المعروف بأن الإنفاق المقدر يقل بنسبة واضحة عن الإنفاق الحقيقي لأسباب عدة على رأسها التغييرات التي تطال المشروعات والمستجدات والالتزامات الاجتماعية والأهداف الصعبة المراد تحقيقها. إلا أنه ورغم هذه الصعوبات، تمكنت السلطنة من تحقيق فوائض نقدية وفي حالات قليلة عُجوزات نقدية ضمن النطاق المقبول وذلك في ظل نسبة منخفضة للمديونية إلى الناتج المحلي.
وتشير الأرقام الرئيسية للموازنة إلى أن حجم الإنفاق المقدر قد بلغ 13.5 مليار ريال عماني بارتفاع 5 بالمائة عن الإنفاق المقدر لعام 2013 والذي كان عند حدود 12.85 مليار ريال عماني وتشير أحدث البيانات الصادرة من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن إجمالي الإنفاق العام خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2013 بلغ 9.75 مليار ريال عماني وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا المبلغ يأتي قبل بند المصروفات الفعلية قيد التسوية والتي هي بحدود 2.4 مليار ريال عماني مما قد يجعل إجمالي الإنفاق الفعلي خلال عام 2013 أكثر من 13 مليار ريال عماني.
كلفة توحيد الرواتب
ورغم ضخامة الإنفاق المقدر في الموازنة للعام 2014 والذي يعادل تقريبا المصاريف الفعلية لموازنة عام 2012، إلا أن الأرقام الفعلية للموازنات السابقة (خاصة عامي 2011 و2012) تشير إلى أن الإنفاق الفعلي قد تجاوز الإنفاق المقدر بنسبة 30 بالمائة مما قد يعني نظريا أن الإنفاق المقدر للعام الحالي قد يشهد زيادة خاصة مع الوضع بعين الاعتبار بأن تكلفة توحيد الرواتب والدرجات للجهاز المدني والتي قد تصل إلى أكثر من 900 مليون ريال عماني لم تدرج في موازنة عام 2014 لغاية هذه اللحظة وطبقا لبيان الموازنة فإن بند الرواتب والأجور في الموازنة والبالغة 5 مليارات ريال عماني تمثل نسبة 37 بالمائة من إجمالي الإنفاق العام (بدون التعديلات على الرواتب والأجور الجاري العمل عليها).
وقد استمرت المصروفات الجارية بتسجيلها النسبة الأكبر من إجمالي المصروفات بنسبة 64.18 بالمائة (63.2 بالمائة في عام 2013) وبمبلغ يعادل 8.66 مليار ريال عماني منه 51.8 بالمائة لمصروفات الوزارات المدنية. وتأتي هذه الزيادة والنسب المرتفعة كنتيجة لارتفاع التزامات الوزارات سواءً بسبب استمرار تعيين موظفين جدد وارتفاع الكلف الأخرى خاصة المتعلقة بقطاع التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية ومساهمات صناديق التقاعد وسجلت المصروفات الاستثمارية نسبة 23.91 بالمائة من إجمالي المصروفات بمبلغ 3.2 مليار ريال عماني تليها المساهمات والدعم للقطاع الخاص عند مبلغ 1.61 مليار ريال عماني وبنسبة 11.91 بالمائة من إجمالي المصروفات.
وتراجعت نسبة المصروفات الاستثمارية من إجمالي الإنفاق العام خلال السنوات الثلاث الأخيرة بسبب رئيسي يعود إلى ارتفاع نسبة المساهمات والنفقات أخرى والتي تحتوي على وسائل دعم للقطاعات المختلفة وللشركات الحكومية والسلع الغذائية الأساسية والقروض والمنتجات النفطية.
وقد أوضحت مناقشات الموازنة أن أسباب ارتفاع بند حجم المصروفات الجارية مقارنة مع بند المصروفات الاستثمارية يعود إلى أن البند الأول ضروري لتسيير متطلبات الدولة في الوزارات والخدمات والدعم ودورها الاجتماعي في المناطق المختلفة من السلطنة في حين أنه من الأفضل أن تنخفض استثمارات الحكومة تدريجياً وأن يأخذ القطاع الخاص الدور الريادي في اقتصاد السلطنة.
ويشكل بند دعم المنتجات النفطية ما نسبته 53.5 بالمائة من المساهمات والنفقات أخرى في موازنة عام 2014 عند مبلغ 860 مليون ريال عماني (6.37 بالمائة من إجمالي الإنفاق العام) وقد حرصت الحكومة في مناقشات بيان الموازنة إلى أن تشير إلى أنها لا تنظر في رفع كامل عن دعم الوقود بل سيتم ذلك بشكل تدريجي مما يساعد على استخدامه بشكل أفضل ولا يؤدي إلى ضغوط تضخمية وعموما يشكل بند مصروفات الدعم ما نسبته 10.35 بالمائة من إجمالي الإنفاق العام المقدر لعام 2014 عند 1.4 مليار ريال عماني مقارنة مع نسبة 9.26 بالمائة من إجمالي الإنفاق العام المقدر لعام 2013.
زيادة مصروفات النفط والغاز
وقد سجلت مصروفات إنتاج النفط والغاز (الجارية والاستثمارية) مبلغ إجمالي 1.82 مليار ريال عماني بارتفاع نسبته 4 بالمائة عن المقدر في موازنة عام 2013 بما يمثل نسبة 13 بالمائة من إجمالي المصروفات، وهو ما يظهر استمرار التزام الحكومة بالوصول إلى نسب الإنتاج المستهدفة من النفط والغاز ولم تسجل المصروفات الإنمائية للوزارات المدنية أي تغيير على أساس سنوي وبقيت عند مبلغ 1.8 مليار ريال عماني وهنا يجب الإشارة إلى أن مناقشات الموازنة أوضحت أنه في قطاع النفط فإن الشركة التي تأخذ مناطق امتياز للتنقيب عن النفط تتولى هي عملية الإنفاق من مواردها الذاتية.
ارتفاع مخصصات الصحة
وعلى أساس سنوي أشارت جداول الموازنة للمصروفات الجارية والرأسمالية للوزارات المدنية والوحدات الحكومية والهيئات العامة حسب التخصصات الوظيفية إلى ارتفاع المبالغ المخصصة لقطاع الصحة بنسبة 16.4 بالمائة على أساس سنوي إلى 587 مليون ريال عماني مقارنة مع 505 ملايين ريال عماني في الموازنة المقدرة لعام 2013.
وبلغت الزيادة في كل من قطاعات التعليم والضمان والرعاية الصحية والإسكان نسبة 6.1 بالمائة و8.22 بالمائة و10.5 بالمائة على أساس سنوي على التوالي.
أما بشكل عام فقد تضمنت الموازنة مخصصات مالية بمبلغ 9.2 مليار ريال عماني بارتفاع نسبته 5.3 بالمائة مقارنة مع موازنة العام السابق تركز معظمها في قطاعات التعليم والصحة والإسكان بمبلغ 6.7 مليار ريال عماني وأيضا الدعم والإعفاءات بمبلغ 1.8 مليار ريال عماني وشكل قطاع التعليم نسبة 18.6 بالمائة من إجمالي الإنفاق العام.
وقد تطرق بيان الموازنة إلى أن الاعتمادات المعدلة للبرنامج الإنمائي والاستثماري للوزارات المدنية لخطة التنمية الخمسية الثامنة (2011 – 2015) قد بلغ بنهاية عام 2013 نحو 17 مليار ريال عماني مقارنة مع الاعتمادات الأصلية والتي كانت 12 مليار ريال عماني مما يعني زيادة بنسبة 42 بالمائة.
وجاءت هذه الزيادة بسبب المشروعات الإضافية في مختلف القطاعات وتعزيز الاعتمادات لبعض المشروعات.
مشروعات مهمة
ومن أهم المشروعات الاستثمارية التي من المقرر أن تبدأها الحكومة بشكل مباشر أو من خلال الشركات المملوكة من قبلها خلال عام 2014 طبقا للبيان مشروع المصفاة ومصنع البتروكيماويات بمنطقة الدقم الاقتصادية ومشروع تحسين وتوسعة مصفاة صُحار ومشروع إنشاء مصنع لتجميع وتصنيع الحافلات في السلطنة بالتعاون مع شركة المواصلات القطرية وتنفيذ عدد من المشروعات السياحية كالفنادق المنفذة من قبل الشركة العمانية للتنمية السياحية والمشروعات المتعلقة بالصناعات السمكية.
كما أن هناك عددا من المشروعات المهمة مثل مركز المؤتمرات والمرحلة الأولى من مشروع القطار والتي تقدر تكلفتها بـ1 مليار ريال عماني إضافة إلى مشروعات طرق وبنى أساسية، جميعها تدخل في صلب المشروعات المهمة التي توليها الدولة اهتماما كبيرا. وهنا وجبت الإشارة إلى أن تنفيذ مشروعات في قطاعات التعليم والصحة والبنى الأساسية يجب أن يأخذ في عين الاعتبار المخصصات المالية الإضافية لإدامة وصيانة وتشغيل مثل تلك المرافق سنوياً، الأمر الذي يُشكل تحديا مُستمراً من حيث الإنفاق الدائم, ويبقى التركيز على الإنفاق الاستثماري الهدف الأهم لجميع الجهات لكونه يشكل الدعامة والأساس لمصادر الدخل المستدام وأهميته على أداء الشركات والقطاعات ذات الصلة.
العجز
طبقا لموازنة عام 2014 فإنه يتوقع أن يبلغ العجز المُقدر مبلغ 1.8 مليار ريال عماني بارتفاع 5.88 بالمائة عن الرقم المُقدر لعام 2013 ويشكل ما نسبته 15.4 بالمائة و6 بالمائة من إجمالي الإيرادات والناتج المحلي الإجمالي على التوالي للعام 2014 طبقا لبيان الموازنة. وهنا يجب الأخذ بعين الاعتبار أن ذلك العجز هو بالقيمة المطلقة وبني على أساس احتساب سعر برميل النفط على أساس 85 دولارا أمريكيا وهو أقل من السعر السوقي الحالي الذي يزيد عن 100 دولار أمريكي.
وبالنظر إلى أداء الموازنات تاريخياً فكما ذكرنا سابقا فإنه من المُستبعد تسجيل العجز بهذه القيمة وإن كانت هنالك تحديات تواجه الإيرادات النفطية تتزامن مع تزايد التزامات الحكومة المالية. وقد توقعت الحكومة بأن تتعادل العائدات مع النفقات بما يكفي لتغطية العجز خلال العام الحالي.
وفي حال حدوث عجز فإن الحكومة ستلجأ لإجراءات عدة كما في السابق منها الاقتراض و/أو استخدام احتياطي الطوارئ و/أو إحدى وسائل التمويل المتعارف عليها وأخرى جديدة والجديد في هذه الموازنة هو أنه ستكون هنالك إضافة إلى سندات التنمية كمصدر رئيسي لتمويل العجز، هو إصدار صكوك إسلامية لتمويل بعض من النفقات الاستثمارية (على وجه التقدير).
وأشار بيان الموازنة إلى أن الاقتراض الخارجي سيكون من السوق العالمي وقال البيان: إن هنالك بدائل تمويلية أخرى منها السوق المالي من خلال تخصيص بعض الشركات الحكومية وبيع بعض من الاستثمارات الحكومية في بعض من الشركات المساهمة العامة للصناديق التقاعد الحكومية والخاصة والسوق التقليدي مثل البنوك التجارية.
وطبقا لجدول الموازنة فإن جملة وسائل التمويل تحتوي إضافة إلى الاقتراض بمبلغ 400 مليون ريال عماني، واستخدام فائض حسابات من الموازنات السابقة بمبلغ مليار ريال عماني وتمويل من الاحتياطات بمبلغ 400 مليون ريال عماني.
وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن حجم الدين العام طبقا لمناقشات الموازنة يبلغ مليارًا و600 مليون ريال عماني وهو ما يمثل نسبة 6 بالمائة إلى 7 بالمائة من الناتج المحلي. وطبقا لتقارير عدة فإن السلطنة تحتل المرتبة الثالثة عالميا من حيث تدني نسبة المديونية إلى الناتج المحلي. وعليه ففي حال ارتفاع الإنفاق إلى مستويات عالية تبقى السلطنة بوضع آمن. كذلك فإن احتمالية حدوث اكتشافات نفطية وحقول غاز جديدة والتركيز على المشروعات السيادية إضافة إلى توجه الحكومة إلى الزيادة في تخصيص بعض من أعمالها وشركاتها، كل ذلك يجعلنا في وضع مطمئن. الرسم البياني التالي يظهر العجز / الفائض قبل استخدام وسائل التمويل.
نقاط مهمة
وأضاف التقرير: إنه لا بد من التوقف قليلا عند بعض النقاط التي تميزت بها موازنة العام الحالي وبيانها والنقاشات المصاحبة لها، من هذه النقاط الاقتراض عن طريق إصدار صكوك إسلامية والمضي بتخصيص الشركات الحكومية، حيث أشار البيان إلى أنه إضافة إلى نية بيع نسبة 19 بالمائة من حصة الحكومة في الشركة العُمانية للاتصالات (عمانتل) والتي سبق وتم الإعلان عنه، فإن الحكومة تنوي تخصيص بعض من نسب ملكيتها في الشركات المساهمة العامة والتي لديها استثمارات بها والبالغ عددها طبقا لمناقشات بيان الموازنة 65 شركة بعضها ناجح والآخر مُتعثر على أن تكون الأولوية للشركات الناجحة مما يعني فرصا جيدة للمستثمرين والصناديق الاستثمارية.
ومن النقاط التي ينبغي التوقف عندها إعلان نية الحكومة القيام بتمويل إنشاء شركة قابضة للأمن الغذائي وكذلك سيبدأ صندوق الرفد في منح تمويل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ونية الحكومة (بعد التخطيط وبالتنسيق مع صناديق التقاعد) القيام بدمج أصول الصناديق المالية.
وفي سياق آخر أشار بيان الموازنة إلى أن التقديرات تُشير إلى ارتفاع معدل النمو الحقيقي للاقتصاد الوطني من 3.1 بالمائة في عام 2011 إلى 4.8 بالمائة في عام 2012 و5 بالمائة في عام 2013 وبأن الهدف المراد تحقيقه خلال عام 2014 هو تحقيق معدل النمو نفسه لعام 2013 عند 5 بالمائة. وتوقعت الحكومة بأن تنمو الأنشطة غير النفطية بمعدل 7.3 بالمائة في عام 2014 مقارنة مع معدل 5.6 بالمائة لعام 2013 ومعدل 5.4 بالمائة لعام 2012.
وأشار البيان إلى أن هناك احتمالية لتراجع معدل فائض الميزان التجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 24.9 بالمائة في عام 2014.


