أحمد بن سالم الفلاحي -
إن أحد مكتسبات النهضة الحديثة التي تعيشها السلطنة منذ أكثر من اربعة عقود،هو حرص الحكومة على ان تكون دعائم التنمية ومنها هذا القطاع متوازية في العطاء، وفي النمو حتى لا تصاب البرامج التنموية بشيء من الخلل في احد جوانبها، لأن القوة التماسكية لمختلف الاسس التي تقوم عليها التنمية لا تزال كبيرة الى حد بعيد،
لم يعد مفهوم القطاع الخاص غائبا عن كثير من أفراد المجتمع، حيث تعايش الناس مع هذه الكلمة منذ أوائل الثمانينات من القرن العشرين المنصرم، ولا تزال هذه الكلمة تحظى بمساحة واسعة سواء في التداول اليومي، أو في النشر الصحفي، أوالبث الإعلامي، ومن فرط ما يتداول بهذه المفردة ترى كأن الدولة ليس فيها قطاع عامل غير القطاع الخاص، وهذا يعكس أكثر من مؤشر؛ يأتي في مقدمتها: الأهمية الكبيرة التي يضطلع عليها هذا القطاع في المساهمة المباشرة في عمليات التنمية الشاملة في السلطنة، سواء في مشروعاته الاستثمارية، أو في مدى استيعابه للعمالة الوطنية، ورفع سقف المستوى المهني لهذه العمالة بصورة خاصة، أو مساهمته في الحد من ضغط التوظيف في القطاع الحكومي بشقيه المدني والعسكري، أو في مساهمته الكبيرة في العائد القومي للسلطنة، كما يفترض.
ولذلك حرصت الحكومة منذ انطلاق التنمية في بداية السبعينات على الاهتمام بهذا القطاع، حيث تمثل هذا الاهتمام في أكثر من اتجاه، منها الدعم السخي متعدد الأوجه، ومنها تشجيع المواطنين للانخراط في العمل فيه على الرغم من قلة العائد المادي للوظائف فيه، وظل هذا الدعم قائما حتى اليوم، وسيظل مستمرا لأن حالات التلكؤ التي تمارسها إدارات بعض مؤسساته المختلفة، والانكفاء عن المساهمة المتوقعة في التنمية لا تزال قائمة بصورة مباشرة، وغير مباشرة.
إن أحد مكتسبات النهضة الحديثة التي تعيشها السلطنة منذ أكثر من اربعة عقود،هو حرص الحكومة على ان تكون دعائم التنمية ومنها هذا القطاع متوازية في العطاء، وفي النمو حتى لا تصاب البرامج التنموية بشيء من الخلل في احد جوانبها، لأن القوة التماسكية لمختلف الاسس التي تقوم عليها التنمية لا تزال كبيرة الى حد بعيد، لسبب واحد، وهو الرعاية السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ المباشرة، والمستشرفة أبدا لأفق الغد العماني، فهو الحريص طوال سنوات النهضة المباركة على ايلاء كل هذه الجوانب مجتمعة الاهتمام والرعاية، وما الإشارة اليها في كل مناسبة الا دليل على حضور أهميتها باستمرار، وتأصيل دورها الذي لا محيد عنه.
فمشروع التعمين في هذا القطاع على سبيل المثال بدأ في وقت مبكرعبر لجنة التعمين التي ولدت خطواتها الأولى من بين إدارات ديوان البلاط السلطاني، ومن ثم اخذ عودها يشتد بجعلها جزءا لا يتجزأ من مهام وزارة القوى العاملة عبر تدرج المسميات في هذه الوزارة مع مرور السنين والأيام، وقد توليت شخصيا “ملف معوقات التعمين” الذي خصصت له جريدة $ ملحقا اسبوعيا؛ منذ أواخر الثمانينات وحتى منتصف التسعينيات، وقد عايشت الكثير من الاخفاقات التي مر بها هذا المشروع الانساني المهم والمهم جدا، وللأسف الشديد، ما كنت اقف عليه شخصيا عبر الجولات الميدانية في ذلك العهد ما يقارب اليوم على مروره عشرين عاما لا تزال الاشكاليات نفسها قائمة حتى اليوم، ومنها: انتشار مؤسسات وكالات التوزيع، وليست شركات منتجة لصناعات حقيقية، وعدم استقرار العاملين لقلة الرواتب من ناحية، وللإدارات الوافدة المتسلطة من ناحية ثانية، لغياب اصحاب الشركات العمانيين عما يدور في داخل شركاتهم، واكتفائهم بما يرفع اليهم من تقارير تصيغه هذه الإدارات المتسلطة وفق ما يحقق لها مصالحها الذاتية، ومصالح أبناء جلدتها، وتضخم الشركات العائلية، وعدم الاهتمام الحقيقي بالموارد البشرية الوطنية، والحرص الشديد بصورة مباشرة على إلزام الحكومة بالتدريب، والتأهيل، ومن الإشكاليات أيضا الاستمرار في البكاء والعويل على الضعف الانتاجي للقطاع، وبالتالي تبرئته من الالتزام الوطني نحو القيام بكامل دوره المطلوب منه، وبالتالي فبدلا من ان يكون قطاعا منافسا للقطاع العام اصبح قطاعا طاردا للعمالة الوطنية من ناحية، ومحاولا سرقة الكفاءات المهنية العالية بعد ان جاهد القطاع العام في التأهيل والتدريب؛ وذلك من خلال الاغراء المادي، حتى أوجد حالة من الارباك في القطاع العام من استقرار الكفاءات فيه، دون ان يقوم القطاع الخاص بعكس الدور، بمعنى آخر لا يزال هذا القطاع طوال سنوات عمره منتظرا هبات الحكومة في كل فترة تنموية تمر، والنتيجة قطاع مهلهل – على الاقل في بعض جنباته – وغير منتج بالصورة التي تعكس عمره التنموي، وتتماشى مع الدعم السخي الذي تقدمه له الحكومة، ولا يزال كثير مما ينتجه عبارة عن تعبئة لمواد مستوردة من خارج السلطنة، حيث تعبأ في ما يطلق عليها مصانع، ويختم بعلامة تدل على انها مصدرة من سلطنة عمان، هذا جانب كبير مما يقوم به هذا القطاع حتى اليوم. في الوقت نفسه نقرأ تصريحات المسؤولين التي تقول إنه تم “توطين (1300) مشروع بحجم استثمار(4.5) مليار ريال عماني، والاستثمار الوطني منها تجاوز (52%)، في الوقت الذي لم يستطع هذا القطاع التصنيعي ان يستوعب انتاج مصدر مهم من مصادر التصنيع وهو منتج التمور، حيث لا يزال هذا المنتج مجهول الاستثمار، وما يصدمنا كمواطنين ان نرى في اسواق السلطنة هذا المنتج نفسه الآتي من اسواق أخرى وبتصنيع راق، ومتعوب عليه فعلا، ولأنه بهذا المستوى من التصنيع فهو اصبح منافسا للانتاج المحلي ، فما بالك بتصنيع الموارد الطبيعية الأخرى التي تشتهر بها السلطنة كالمعادن، والأسماك، والحيوانات، خاصة الموجودة منها في محافظة ظفار وغيرها؟.
الأمرغيرالمفهوم في هذا الاتجاه هو ان مجموع الملاحظات الموجودة، كما اسلفت، قبل عشرين عاما هي نفسها الموجودة اليوم، على الرغم من حرص الحكومة على وضع كل ثقلها لانهاء الاشكاليات التي يثيرها هذا القطاع بين كل فترة وأخرى، كإشكاليات الرواتب، ونسب التعمين، وضعف الانتاجية، وهذه اشكاليات مفتعلة الى حد بعيد، والدليل مجموع الممارسات التي تقوم بها إدارات هذا القطاع على الميدان، وما يعمقها أكثر هو غياب الإدارات الوطنية في كثير منها، وانما ترك الحبل على غاربه في أيدي إدارات وافدة أساءت الى العامل المواطن البسيط الى حد كبير، ولا يزال مسلسل الاساءات مستمرا، وأكبر إساءة في تقديري لا تزال تمارسها بعض مؤسسات هذا القطاع هو تعيين شباب عمانيين بدون عمل، وهذه يتردد انها منتشرة بصورة كبيرة، وعلى وزارة القوى العاملة ان تعمل جهدها في تقصي هذه المسألة، والوقوف ضدها بحزم لا يقبل الاخذ والرد، فالحالة كما عرفتها قبل عشرين عاما عند متابعتي لملف التعمين، ان هذه الشركات توظف شبابا عمانيين دون ان تسند اليهم أي وظائف حقيقية بغية تحقيق نسبة التعمين التي تطالبهم بها الجهات المعنية، وانما يطلب منهم ان يأتوا مع نهاية الشهر لأخذ مكافأة مالية، ولأن هؤلاء الشباب معظمهم في عمرالمراهقة فيكتفون بهذه المكافأة مقابل حرية تحركهم اليومي، سواء في محافظة مسقط، أوفي المحافظات الأخرى، وهذا بقدر ما يسيء الى الشاب نفسه من حيث تغييبه عن واقعه ومستقبله المأمول في أن يكسب مهنة معينة، أوتأهيل لمستوى يؤهله لأن يتولى زمام مسؤولية ما،هو في الوقت نفسه اكبر اساءة للوطن الذي يحرص على ان يكون ابناؤه ذوو كفاءات عالية في مختلف المجالات، فالمسألة تتجأوزالعدد والكم الى ما يفترض ان يكون عليه الواقع، وهو الكيف، ولا أرى في هذه الصورة بطلاقتها الا اكبر جريمة في حق هذا الانسان، واكبر جريمة ايضا في حق الوطن تمارسه إدارات بعض هذه المؤسسات، سواء كانت إدارات وطنية أوإدارات وافدة، وعلى الجهات المعنية ان تكون حازمة في هذا الجانب على هذه التصرفات غير الصحيحة ، وحتى لو تطلب الامر ان يصل الى عقاب هؤلاء الشباب الذين ارتضوا بأن يكونوا في هذا الموقف، وبأنهم مجرد “كومبارس” لمسرحية بطلها بعض شركات هذا القطاع. ولذلك أرى انه على وزارة القوى العاملة ان تعيد قراءة نسبة التعمين وربطها بعوائد تعود على المؤسسة من قبل الحكومة، خاصة بعد التأكد من حقيقة هذه الاساءة، وذلك من خلال ايجاد بدائل أخرى غير هذه الآلية المسيئة الى الوطن وابنائه، ولعلي اختم هنا في هذا الجانب بما نراه جميعنا اليوم حول مسلسل الرشاوى التي يقف الذين تقاضوها امام هيئات المحاكم، وهو شيء فاضح ان يمثل أكثر من رئيس مجلس ادارة شركة، أو اي منصب كان للمحاكمة بتهمة الرشوة، في الوقت الذي يقود مئات ان لم يكن الآلاف من أبناء هذا الوطن الذين يعملون في شركته، موهما اياهم انه احد حراس الوطن، وعليهم الاخلاص وبذل الجهد، والتحلي بالامانة والخلق الرفيع في أدائهم للوظيفة، في حين انه في الواقع لا يتورع ان يسرق جهدهم بصورة أو بأخرى، وما مجموع الاساءات التي تحدث لهم سوى وجه آخر للسرقة.


