◄ الأسلوب الكلاسيكي يؤثر على روح الفريق الواحد ويوجد تشنجًا في العلاقات بين الموظفين
◄ خطط تطبيقه لا تواجه عراقيل لأنّها تسعى للتركيز على نقاط القوة وتعميمها
◄ عقد ندوات قصيرة للموظفين حول منطق وفلسفة الاستعلام المقدر وأهميّته
محمد بن رضا اللواتي
يُعد أسلوب "التساؤل الإيجابي" – ولاحقًا سنعبر عنه "بالاستعلام المقدّر" المنهج الواعد الذي من المتوقع أن تجد المؤسسات بتطبيقه حلولا تتعلق بتطوير أدائها وأداء موظفيها أيضًا، لما له من مقدرة على تجاوز المشكلات العويصة التي تقف عادة أمام خطط التغيير والتطوير، باستناده على منهج إيجابي جًدا في التفكير، واستخدامه مشاعر حب القوة وتفضيلها على الضعف. ومن شدة أهميته فإنّ جامعات عديدة في العالم – بما فيها جامعة السلطان قابوس –قامت بضمّه ضمن مناهج دراسة الإدارة فيها، حيث يدرسه طالب الإدارة ويقدم تصوّراته حوله تمهيدًا لتمكينه منه وشدة حاجة الأسواق إليه.
ومع هذا فإنّ التدشين الصحيح لهذه الفلسفة بحاجة إلى قناعة تامة من الجهة التنفيذية ودور فعّال للموارد البشريّة في تطبيقه.
الأسلوب الكلاسيكي ومخاطره:
عندما تحاول المؤسسات معرفة نقاط ضعفها، وذلك من أجل التغلّب عليها وبالتالي التحسين من أدائها، فإنّ الطريقة الكلاسيكيّة والتي تستخدمها أغلب الشركات هي التساؤل عمّا لا يعجبك من خدماتها أو ما لا يجده الموظف مقنعًا من خطط التحفيز الداخلية المصممة لأجل موظفيها، أو الأسباب التي تدعو الموظفين المجيدين بترك المؤسسة وقبول عروض أخرى رغم أنّ المقابل قد لا يكون ذو فارق يستحق ذلك. هذا الأسلوب الكلاسيكي لفهم المشكلة كان دائما يواجه عدة تحديات أهمها:
1. المبالغة في التحدث عن السلبيات وتصويرها في غير حجمها الواقعي. فعندما تمنح الموظفين فرصة التعبير عن نقاط الضعف الموجودة في خطط التحفيز نراهم في أغلب الأحايين يمنحون لأنفسهم الفرصة في التحدث المفرط عن الخطأ، وهذا الأمر ينطبق أيضًا على الزبائن. فالمطاعم الراقية أو المقاهى التي يكثر فيها المرتادون وكذلك الفنادق، وغيرها العديد من مؤسسات الخدمات، أيضا يعانون من الأمر ذاته وهو أنه وأثناء الحديث مع الزبائن عن السلبيّات، فإنّ أغلبهم لا يستطيع التعبير عن حجم المشكلة الحقيقي، بل يحلقون بها إلى أفق أعلى وبالتالي لا تكون الاستراتيجيات التي توضع لاحقا لمعالجة الأمر متسقة تمامًا مع حجم المشكلة لأنّه تمّ إظهارها بنحو أكبر بكثير من حجمها الحقيقي.
2. عدم خلو أي عمل وأي أداء تقريبًا من الخطأ أو عدم تقبل من أحدهم إلا ما ندر؛ وبعبارة أخرى فإنّه من طبيعة الأعمال أن تضم بين جوانبها بعض القصور، وعندما يكون الحديث عنها فإنه من المتوقع في أغلب الحالات أن يسرح الذهن في الجوانب المهملة من المشكلة لإبرازها؛ ذلك لأنّ المطلوب كان هو البحث وإبداء نقاط الضعف. وربما يحدث أن تكون ثمة مهملات إلا أنّها ونظرا لسياسة التفتيش عن الأخطاء فإنّه يتم إظهارها وإعطاؤها حجم المشكلة بينما لا يكون الأمر كذلك في الحقيقة.
3. مقاومة التغيير والرغبة في عدم استبدال الأنماط الموجودة باللتي هي أكثر كفاءة. وهذه مشكلة تعد عويصة فعلا لا سيما في البلدان التي تتسم بالبيروقراطية الحادة والتي لا يرغب فيها الموظفون بترك مقاعدهم أو حتى نقل خبراتهم فضلا عن عدم رغبتهم في تغيير نمط عملهم الروتيني. فعندما يأتي الحديث عن نقاط الضعف في مثل هذه المؤسسات فإننا نواجه حالات متفاوتة من ردة فعل الموظفين أهمّها التي رصدتها الاختبارات:
أولا: التستر على العيوب والنقائص خوفًا من أنّ خطط التغيير قد تطال أصحاب المقاعد الأساسية في السلم الوظيفي.
ثانيا: إبداء نقاط الضعف بالنحو الذي تتم من خلالها تكريس السلطة وبعبارة أخرى إبداء الضعف على أنّه نقص في السلطات المتاحة لذوي المناصب الحالية، وهذا الأمر يفوّت الفرصة على الإدارة لمعالجة المشكلة بعدم معرفتها، أو معالجتها بالنحو الذي يكرس الخطأ والتخلف أكثر مما كان عليه من قبل.
ثالثا: عدم جرأة أغلب الموظفين على التحدث بكل شفافية وصدق عما تعانيه المؤسسة من ضعف، وذلك خوفًا على ردة فعل المسؤولين وحفاظًا على مقاعدهم فيها.
4. من التحديات البالغة الصعوبة التي يواجهها بل ويسبب فيها الأسلوب الكلاسيكي في معالجة المشاكل، أي عبر التركيز على الأخطاء ومحاولة كشفها ومعرفة نقاط الضعف، أنّه يؤثر على روح الفريق الواحد ويوجد تشنجًا في العلاقات بين الموظفين كما ويؤثر في حميمية المجموعة الواحدة.
هذا الأمر خطير للغاية ويتسبب في خلل أقوى مما تتم محاولات تصحيحه من الأخطاء ونقاط الضعف.
من هنا، اتضح تمامًا أنّ التركيز على الخطأ، أين هو ورصده خطأ هو الآخر وينبغي التفكير في حلول أفضل لأجل اكتشاف نقاط الضعف بحيث إنّ ذلك لن يكلف المؤسسة مجموعة معقدة من المشاكل الأخرى.
ما هو "الاستعلام المقدر" وكيف يعمل؟
"ديفيد كوبر رايدر" الذي يدرس الإدارة في جامعة "كيث ويسترن ريزيروف" ابتكر الأسلوب الأجدر بالاتباع، ويغني عن كل تلك المشاكل المارة ذكرها، أطلق عليه اسما يبدو غريبا بعض الشيء إلا أنه انتزعه من صميم الأسلوب الذي يرغب في تدشينه لمعالجة أفضل. هذا الأسلوب أطلق عليه "التساؤل الإيجابي" أو "الاستعلام المقدر" (هذه ترجمة الدكتور حسن أحمد جواد للمصطلح: The Appreciative Inquiry) الذي تطبقه جمع من المؤسسات الكبرى من قبيل الخطوط الجوية البريطانية وناسا الأمريكية فحققت إنجازًا باهرًا دخل هذه الآونة في مناهج التدريس الجامعية لمادة الإدارة وتنفرد هذه الجريدة بالكتابة عنه لأول مرة في الإعلام العربي. الاستراتيجية الجديدة تستند على التركيز على الجانب الإيجابي فحسب، إذ أنّ التساؤل هنا يصب على النقاط الإيجابيّة ونقاط القوة وليس نقاط الضعف. والسؤال الأساسي يكون كالتالي: "ما هي نقاط قوتنا؟" والسؤال التالي هو "وكيف يمكن تفعيلها بحيث تكون السمة الأساسية للمؤسسة؟". بهذا الأسلوب نتجنّب كل المشكلات التي كانت تقف في طريق المنطق الكلاسيكي القديم تجاه التركيز على نقاط الضعف.
ويقترح "كوبررايدر" أن يتم ذلك عبر 4 خطوات:
الخطوة الأولى: إجراء سلسلة من المقابلات – من الممكن لاستمارات مكتوبة مسبقًا والمعدة إعدادًا جيدًا جدًا – مع العملاء، ومع الموظفين، غايتها معرفة النقاط الإيجابية. فمثلا في مجال المنتجات والخدمات المرفقة يكون التركيز على التالي:
§ ما الذي يعجبك في المنتج A، هذا عوضًا عن يكون السؤال عمّا الذي لا يعجبك في منتجنا.
§ ما الذي يعجبك في خدماتنا ما بعد البيع؟ عوضًا عن: ما الذي لا يعجبك في خدماتنا ما بعد البيع؟
وفي مجال تحفيز الموظفين وخطط الموارد البشرية للارتقاء بالأداء والاختيار الأفضل للدورات التدريبية وخطط الزيادات السنوية بناء على أفضل أنماط اختبار الأداء الوظيفي يكون التساؤل كالتالي:
§ ما هي نقاط القوة في خطط تحفيز الموظف والرقي بأدائه؟ عوضًا عن: ما هي نقاط الضعف المتعلقة بخطط الموارد البشرية للتحفيز؟
هذا الأسلوب يمكن تطبيقه على إدارة المستشفيات والمطارات ونقاط البيع والعديد من المؤسسات والشركات.
الخطوة الثانية: من خلال جلسات العصف الذهني، يقوم الفريق التنفيذي بالتفكير في ما تمخضت عنه نتائج المقابلات المباشرة والمكتوبة لأجل تطوير تلك الإيجابيّات ونقاط القوة بحيث تصبح السمة الأساسيّة للمؤسسة.
وهنا أمثلة توضيحية لهذا التطبيق:
1. تلقت دائرة التوظيف في إحدى المؤسسات التي تكون في حاجة مستمرة إلى الكادر الوظيفي نقطة إيجابية لسهولة إجراءات التوظيف لديها وردها السريع على الذين تمّ اختيارهم وحتى الذين لم يتم اختيارهم. هذا الأمر وهو الرد السريع وسهولة الإجراءات جعلت المؤسسة تفكر في إعداد خانة على صفحتها الإلكترونية لأجل عرض الشواغر وتلقي الطلبات وتعبئة الاستمارات بل وحتى الامتحانات الكتابية ومن ثم إظهار النتائج على الصفحة نفسها. هذا الأمر ولأنّه وقع في خانة نقاط القوة تمّ تعميمه لسائر الدوائر الأخرى بما فيها دائرة الخدمة ما بعد البيع فأصبح بإمكان العميل طلب الخدمة إلكترونيًا حيث يتم تحديد موعد منحه الخدمة إلكترونيًا مما وفر على المؤسسة العديد من الإجراءات الروتينية ووضعها في سلم أفضل المؤسسات في مجالها.
2. من ضمن نقاط القوة في إحدى المطارات الخليجية كان وصول حقائب المسافرين تزامنًا مع وصولهم لمنطقة استلام الحقائب، هذا بالنسبة إلى خطين من خطوط الطيران، الأمر جعل إدارة المطار تقوم بتحسين أدائها بحيث أن 28 خطًا من خطوط الطيران أضحت تقدم لركابها هذه الخدمة على هذا المطار.
الخطوة الثالثة: بعد تحديد نقاط القوة، وتحديد خطط تحفيزها، تأتي مرحلة تحديد الأولويات والتخطيط لأجل ابتكار الخطط التنفيذية.
بينما تكون الخطوة الأخيرة هي تنفيذ ما تمّ تداوله والاتفاق بشأنه عبر خطوات محددة ومؤرخة ومحددة المسؤولية.
إيجابيّات أسلوب "الاستعلام المقدر":
أولا: لا يسمح هذا الأسلوب الذهن إلى تقصي نقاط الضعف والمبالغة في اظهارها، لأنّ الحديث لا يكون عن نقاط الضعف، بل عن نقاط القوة وحدها فحسب.
ثانيًا: يخلق شعورًا جديدًا في الموظفين والعملاء أيضًا، يتعدى إلى ثقافة جديدة تنتهج الإيجابيّة في التفكير كمركز أساسي للتغيير نحو الأفضل.
ثالثا: لا يخيف أحد هذا الأسلوب ولا يسمح بتكوّن كتلة مقاومة له من منطلق مقاومة التغيير، فالتغيير هنا غير وارد وإنّما البحث عن نقاط القوة وتفعيلها هو المطلوب. فتتراخى أمامه القوى النفسية والذهنيّة اللاشعورية التي تكره التغيير ولا تتمناه. في الواقع فلقد عد هذا الأسلوب "ترياقًا" لأزمة مقاومة التغيير التي تتحدى الخطط التي تحاول على النهوض بأداء الشركة وتحسينها.
رابعا: يمنح ضمانات عديدة للنجاح لأنّه يتجاوز خطوط المقاومة، كما أنّ خطط تطبيقه لا يواجه العراقيل لأنّها تسعى لأجل التركيز على نقاط القوة وتعميمها.
دور الموارد البشرية في تدشين منطق الاستعلام المقدر:
لأنّ الموارد البشرية في أية مؤسسة هي الدائرة الوحيدة المعنية بتطوير أداء الموظف وتحسينه وتحفيزه، فإنّ السلوك الذي ينتهجه الموظف يتأثر بالدرجة الأولى بالخطط التي وضعتها الموارد البشرية في الرقي بالأداء، من هنا فإنّ الدائرة الأنسب للقيام بهذا العمل الكبير وتغيير ثقافة الموظف وطراز تفكيره من السلبي إلى الإيجابي سيكون على عهدة هذه الدائرة تحديدًا. ويمكن لدوائر الموارد البشرية تطبيق الخطة أدناه لأجل تفعيل الاستعلام المقدر وتحفيز الموظفين إلى تطبيقه:
أولا: بث ثقافة التفكير الإيجابي، هذه الخطوة ينبغي أن تتم قبل أن تنخرط المؤسسة في تطبيق الاستعلام المقدر، ويتم هذا من خلال الخطوات التالية:
1. إقامة حفلات أعياد ميلاد الموظفين وإرسال التهاني لهم والمشاركة الفاعلة في أفراحهم الخاصة من قبيل الزواج والتخرّج وما أشبه.
2. إرسال التهاني في المناسبات العامة
3. إرسال اختبارات تحفيز الذات وعقد دورات قصيرة لا تتجاوز مداها ساعة بين الفينة والأخرى حول التفكير الإيجابي
ثانيا: عقد ندوات قصيرة للموظفين حول منطق وفلسفة الاستعلام المقدر ومدى أهميّته والخطط التي تود المؤسسة تطبيقها حيال تنفيذه واتخاذه منهج للرقي بالأداء العام على مستوى الموظف والعميل.
ثالثا: عقد جلسات – أو إعداد استمارة مدروسة بعناية – لأجل أخذ آراء الموظفين حول نقاط قوة المؤسسة في خططها التحفيزية وفي خططها التسويقية وتجاه منتجها، ويشترط في هذه الجلسات ألا يكون الحديث إطلاقًا عن السلبيات بل عن نقاط القوة وعن الايجابيّات فحسب.
رابعًا: الطلب من رؤساء دوائر المؤسسة خصوصًا التسويق والمبيعات والتوزيع والتي لها صلة مباشرة بالزبائن جلب آراء العملاء الأساسيين وغير الأساسيين حول نقاط القوة في المنتجات وفي أساليب التعامل والعلاقات العامة.
خامسا: فرز هذه النقاط وتوزيعها بشكل يصلح لمناقشتها بسهولة.
سادسًا: تطبيق الخطوات الأربعة المذكورة سابقًا حول تدشين الاستعلام الإيجابي في المؤسسة.
سابعا: رصد آراء الموظفين والعملاء حول تلمسهم للاختلاف وذلك بعد مضي 3 أشهر على تدشين الأسلوب الجديد في التغيير والتطوير.
ثامنًا: عقد جلسات حول معرفة أفضل وأشد تلك النقاط الإيجابية استحواذًا للإشادة، تمهيدًا لمناقشتها والتفكير في تطويرها.
الاستعلام الإيجابي كنقطة تربوية:
هناك توصيات تؤكد بأنّ المنزل والمدرسة هما المكانان اللذان في حاجة ماسة وحقيقية إلى الاستعلام الايجابي. وهذا يتطلب مجهودًا من قبل الدوائر المعنية ببذل المزيد من الدراسات حول كيفية جعل الاستعلام الإيجابي مادة تربوية ضمن ممارسات المدرسين، فالمدرس وعوضًا عن أن يضع عينه على نقاط ضعف الطالب ويبديه له، تُرى ما مدى صحة انتهاجه لمنهج إبداء النواحي الإيجابيّة له ومن ثمّ طلبه منه تطبيق الإيجابية التي حصدت النجاح في جانب ما، لكي يمكن تعميمها على بقيّة الجوانب؟ هناك تجارب فرديّة وبمجهودات شخصيّة تؤكد بأنّها حصدت نجاحات عدة بالتركيز على منهج الاستعلام المقدر. فالمدرسة التي وجدت أنّ التلوين هي سمة أساسيّة لإحدى طالباتها جعلتها تحاول إثراء دقتها ونجاحها في ذلك المجال إلى مجال الرياضات التي كانت هذه الطالبة تعاني ضعف وعدم رغبة شديدة تجاهها فحصلت على نتائج مذهلة. وهناك من هذا النمط تجارب أخرى عديدة يصعب ذكرها كلها.
القرار الحاسم:
لا بد للمؤسسات التي تود انتهاج هذا المنهج وتطبيقه أن تلتفت إلى أن التراجع عن تطبيق خططها من الممكن أن يقع بسبب الضعف في اتخاذ قرار صلب يقضي بتطبيق المنهج بحذافيره وإلى النهاية.
فبعد أن تضع المؤسسة اليد على نقاط قوتها، قد تجد أن تفعيل هذه النقاط تطلب شجاعة كبيرة في اتخاذ قرارات تتعلق بتغيير نمط الخدمة التي تؤديها بعض الدوائر، أو تغيير نهج في العلاقات يمارسه بعض التسويقيين تجاه زبائنهم، أو بعض المسؤولين تجاه موظفيهم، حينئذ لا ينبغي التراخي عن تطبيق ما تقرر سلفا، والقرار الحازم المستند على أهمية نجاح الخطة في تطوير المؤسسة كفيل بمنع ذلك.


