نيويورك - الوكالات
نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية تقريرًا جديدًا لها تحت عنوان " الديناميكية العسكرية في الشرق الأوسط تتغير بشكل خطير" وهو يثير تساؤلات حول ما إذا كان سباق للتسلح قد اندلع بالفعل بمنطقة الشرق الأوسط؟ وهل تغير ميزان القوى العسكرية بعيدًا عن إسرائيل ؟.
وذكر التقرير أنّه على حافة الصحراء أصبح هناك سيل من الأسلحة الجديدة تتدفق على المنطقة بدءًا من إيران إلى المملكة العربية السعودية وجيرانها الخليجيين بمعدل غير مسبوق.
لقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية مؤخرًا أنها ستبيع ست طائرات اوسبري لإسرائيل مقابل 1.3 مليار دولار، وهناك شحنة أسلحة أمريكية (بما في ذلك مروحيات أباتشي) شحنت إلى الحكومة العراقية للمساعدة في معركتها ضد تنظيم القاعدة في الفلوجة والأنبار، كذلك أعادت واشنطن أيضاً مساعدات عسكرية إلى مصر بعد توقف دام فترة جيزة.
ولكن العم سام ليس وحده فقط من تتدفق من جهته الأسلحة ولا هو المصدر المورد الأوحد للسلاح إلى المنطقة : فهناك السلاح الروسي أيضا، حيث استطاع حزب الله الحصول على أجزاء من نظام الصواريخ الروسي الحديث الأسرع من الصوت من طراز Yakhont الذي يستطيع قصف السفن على مسافة أكثر من 75 ميلا قبالة سواحل لبنان، كذلك ما زال الديكتاتور السوري بشار الأسد يستقبل مخزونات كبيرة من الأسلحة عبر كل من موسكو وطهران حسب تقرير المجلة.
هذه المجريات تشير إلى أن هناك استحواذا تدريجيا لنوعية أسلحة جديدة تمثل تغييرًا قويًا في طبيعة ودينامية الوضع العسكري في الشرق الأوسط.. وتاريخيا، من المعروف أنّ إسرائيل هي صاحبة حافة التفوق النوعي العسكري (QME) بين دول المنطقة، وهو ما يحدده الكونجرس الأمريكي باسم "القدرة على مواجهة وهزيمة أي تهديد عسكري تقليدي سواء من جانب أي دولة على حدة أو أي تحالف ممكن من الدول أو من جهات فاعلة غير حكومية مثل ( قوات حزب الله اللبناني) ".
ولطالما تعهدت الولايات المتحدة بضمان التفوق العسكري لإسرائيل، ولكن البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب الحروب الأهلية والاضطرابات السياسية التي عصفت مؤخرا بالمنطقة، قد قلبت كل تصورات مخططي الدفاع التقليدي حول الشرق الأوسط .
ويشير تقرير الفورن بوليسي، إلى أن تحديد مفهوم التفوق النوعي العسكري QME قول ولكنه صعب على أرض الواقع.. وكما أوضح مسؤول إسرائيلي في الآونة الأخيرة ، أن مسألة التفوق النوعي ليست "علم دقيق" ولكن تحديد المفهوم يميل ويحدده أكثر "تقاطع القدرة والنية"، لأن تقييم القدرة هو الجزء الأسهل من هذه المعادلة، فيمكن عن طريق البيانات من المصادر المفتوحة أن يتمكن المرء من التعرف على نوع وكمية الأسلحة التي يمتلكها بلد ما.
ولكن يبدو ومع مرور الوقت أن هذه المهمة أصبحت أيضا أصعب وتزداد غموضا.. فهناك سوريا، على سبيل المثال، حيث بات النظام مشغولاً للغاية بالمهاجمة فأصبحت بعض مخزونات أسلحته أقل، جنبا إلى جنب مع قدراته العسكرية لذا ومع استنزاف الموارد العسكرية المتاحة بوحشية، بدأ النظام يلجأ للقتل بإسقاط ما يطلق عليه "القنبلة البرميل" من خلال طائراته الحربية على المواقع السكنية .
وهكذا كان هو الحال أيضا في ليبيا، التي شهدت صراعا دخليا خاصا بها في عام 2011، وسط فوضى ما يسمى بالربيع العربي.
وليس أدل على تغير دينامكية الوضع في الشرق الأوسط من التساؤلات التي بدأت تفرض نفسها، فبالنسبة لأزمة إيران النووية، وفي حالة إذا ما فشلت القوى الدولية في تحقيق اتفاق نهائي مع إيران، فهل ستكون إسرائيل مستعدة - أو حتى قادرة - على تدمير البرنامج النووي غير المشروع لطهران بمفردها ؟ وللإجابة على هذا يجب الالتفات أيضاً لما يحدق من تطورات في المنطقة، حيث نجد الآن أن تركيا انحازت للإخوان وحماس، بل وإنها تساعد على التهرب من العقوبات المفروضة على إيران، فهل هذا يعني أنّ تركيا يمكن أن تفكر في الدخول في نزاع مسلح مع الإسرائيليين؟.
كذلك يجب على مخططي الحرب أيضًا النظر في التحالفات القائمة الآن والتي كانت تعتبر غير قابلة للتصديق قبل عقد من الزمن. فهناك تحالف إيران والعراق، على سبيل المثال، بينما كانوا ألد الأعداء، خلال حكم صدام حسين. الآن ومع الحكومة التي يقودها الشيعة في بغداد، تمّ تشكيل تكتل عسكري يحتمل أن يكون قويًا في المستقبل. وكأن ذلك لم يكن غريباً بما فيه الكفاية، فإذا صدقت أيضا التقارير الإخبارية، فيجب على مخططي الحرب في طهران أن يتمعنوا جيدًا الآن في التحالف الغريب الذي تقول التقارير إنه بدء يتأسس بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل.
هناك أمر آخر يجب أن يؤخذ في الحسبان عند حساب القدرة العسكرية ومدى التفوق النوعي لجهة من الجهات الفاعلة في المنطقة، فإضافة لنوع وكميات الأسلحة، هناك أيضا عوامل لا يمكن قياسها بسهولة ووضوح لأنها عوامل غير ملموسة مثل الكفاءة المهنية للقوات المسلحة أو قدرة الدولة على الدخول والصمود في الحرب.
ويرى التقرير أن أكبر تغير في ديناميكية المنطقة حدث في جانب الجهات الفاعلة من غير الدول لأنها أصبحت أكثر خطورة من أي وقت مضى مثل حزب الله وحماس اللذين أصبحت لديهما أكثر من 60 ألف قذيفة صاروخية - أكثر بنحو ثلاث مرات مما كان لديهما بعد حرب لبنان عام 2006.. وهذا قد يكون كثيرًا على قدرة أنظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية، مثل القبة الحديدية، التى يمكنها التعامل معها، وهذا يعني أن المدنيين الإسرائيليين سيكونون مرة أخرى عرضة للخطر في حالة نشوب حرب أخرى مع لبنان أو حماس.
وتقدم قدرات حزب الله وحماس عسكريا ليس على نطاق كمية أسلحتهم فقط بل أيضًا نوعية معداتهم تحسنت أيضًا بعد حصول حزب الله على صواريخ مضادة للسفن متقدمة هربت من سوريا إلى لبنان، في حين وضعت حماس يدها على أنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف بعد تهريبها من ليبيا حسب التقرير.
كذلك فإن الطائرات بدون طيار لا تملكها أمريكا، فهناك تركيا و إسرائيل، والمغرب، والإمارات العربية المتحدة، وإيران التي أعلنت أن طائراتها بدون طيار تمت هندستها من طائرة بدون طيار أمريكية نجحوا في إسقاطها.
وهناك بغداد التي ستحصل في الربيع المقبل على 10 طائرات بدون طيار ScanEagle، حيث تقول حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي إنها تحتاجها لمواجهة ارتفاع تهديد القاعدة في البلاد، و المسألة مسألة وقت أيضا قبل أن تحصل بقية البلدان والجهات الفاعلة غير الحكومية فى المنطقة على هذه التكنولوجيا، والتي كانت قبل بضع سنوات فقط حصرية لجيوش النخبة في الغرب .
وقد بدأ حزب الله بالفعل استكشاف نقاط الضعف التي يمكن أن تسببها طائرات بدون طيار لإزعاج أمن إسرائيل، وبمجرد دخول الطائرات بدون طيار المسلحة في الشرق الأوسط، فإنّه يمكن تغيير المشهد العسكري تماماً بالمنطقة.
وفي نهاية التقرير، تقول فورين بوليسي إن الخلاصة وبعبارة أخرى، بالنسبة لإسرائيل، تفوقها النوعي خاصة في المجال الجوي أصبح الآن في التناقص.. و الرسالة واضحة: إن ميزان القوى في الشرق الأوسط يزداد صعوبة في تحديد ماهيته، والتغيرات التي تهز المنطقة الآن لن تجعل هذا الأمر سهلا في أي وقت قريب.


