الرؤية- مركز البحوث
اهتمت وسائل الإعلام العالمية بزيارة وزيري الدفاع والخارجية المصريين إلى روسيا، معتبرة أنّ الزيارة مؤشر على زيادة التقارب بين موسكو والقاهرة على حساب علاقة الأخيرة بالولايات المتحدة.
وقال محللون إنّ روسيا تفتح ذراعيها لمصر في ظل التوتر في العلاقات بين واشنطن وموسكو، وأن زيارة الوفد المصري تهدف إلى توسيع العلاقات بين البلدين بعد وقف المساعدات الأمريكية.
وذهبوا إلى أنّ مصر وجهت رسالة للولايات المتحدة مفادها أنها لديها روسيا الآن، وخاصة فيما يتعلّق بصفقات التسليح والتعاون العسكري بين واشنطن والقاهرة.
وقد تخلت مصر بشكل كبير عن مكانها التقليدي داخل نطاق النفوذ الأمريكي، باستضافة المسؤولين الروس في محادثات على أعلى مستوى تشهده البلدين منذ سنوات، ثم زيارة روسيا من قبل المشير عبد الفتاح السيسي وأنها تعد صفعة دبلوماسية لأمريكا الحليف الغربي.
كما إنّ الزيارة التي تضمنت مباحثات حول تعزيز العلاقات العسكرية والجهود الدبلوماسية في سوريا، تمثل تحديا لمكانة الولايات المتحدة باعتبارها الراعي الأساسي لمصر.
وقد صعدت روسيا، الداعم الأساسي للرئيس السوري بشار الأسد، من دورها فى الشرق الأوسط فى الأشهر الأخيرة، وتحركت فى عدة مناطق كانت واشنطن مترددة فى التواصل معها، كما ساعدت فى التوسط لاتفاق تدمير الأسلحة الكيماوية السورية كما نجحت روسيا فى توسيع علاقاتها مع مصر بما يمنحها موطئ قدم أكثر ثباتًا في الدول التي كانت تعتمد من قبل بشكل أساسي على تحالفاتها مع الولايات المتحدة.
لكن الحديث عن صفقة سلاح بين البلدين يعوقه توفر التمويل المالي، خاصة وأن القاهرة حصلت على مساعدات من دول الخليج مؤخرا لتوفير احتياطي النقد الأجنبي المنكمش وتأمين أموال الدعم والواردات الباهظة. وربما يثير تودد مصر لروسيا غضب الداعمين الأساسين للقاهرة كالسعودية التي وقعت هي نفسها صفقة سلاح مع روسيا، لكن لا تزال تنظر لجهود موسكو في المنطقة بقدر من التشكك.
وقالت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، إن مصر تتودد إلى روسيا كوسيلة للتعبير عن غضبها من الولايات المتحدة.
وأضافت أن زيارة المسؤولين الروسيين للقاهرة والعكس تعكس رغبة موسكو فى استعادة نفوذها فى الشرق الأوسط، كما إنها تثير التساؤلات حول ما إذا كانت القاهرة ستعيد ضبط سياستها الخارجية بسبب استيائها من أمريكا.
واعتبرت الصحيفة أن موسكو تحاول بهذه الزيارة انتهاز حالة التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها العرب لاستعادة نفوذها الذي خسرته في الشرق الأوسط منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وأشارت إلى تصريح وزير الخارجية، نبيل فهمي، بأن روسيا ليست بديلا لأي حليف وأنها لها ثقل أكبر من أن تعتبر بديلا لأي دولة أكبر.
ونقلت وول ستريت عن شادي حميد، الخبير بمركز بروكنجز، قوله إن إعادة التقارب بين روسيا والقوى العربية استراتيجية هدفها الضغط على واشنطن وليس بناء تحالفات جديدة.
وأضاف أن مصر تستخدم ذلك كوسيلة لإرسال رسالة لأمريكا بأن لديها شركاء آخرين يمكن أن تذهب إليهم.
وتابع أثمر ذلك عن نتائج بالفعل دفعت صناع السياسة الأمريكية إلى التفكير فى أنهم لا يريدون أن يخسروا مصر لصالح روسيا، وإعادة المساعدات التى تم وقفها.
أما وكالة «آسوشيتدبرس» الأمريكية، فقالت إن المحادثات المصرية- الروسية، تعد مؤشرا على تحول كبير فى السياسة الخارجية للقاهرة، مضيفة أن المحادثات بين وزيرى خارجية مصر وروسيا تأتى وسط توتر فى علاقة مصر بالولايات المتحدة.
وذكر موقع «باز فيد» الأمريكى أنه فى أعقاب قرار الرئيس باراك أوباما بخفض مئات الملايين من الدولارات من التمويل العسكرى لمصر، توصلت موسكو لعقد أكبر صفقة أسلحة مع القاهرة منذ نهاية الحرب الباردة، وذكر الموقع أن مصر تريد شراء أسلحة بأكثر من مليارى دولار.
ونقل الموقع عن دبلوماسى أمريكى، قوله إن «ما يحدث يعد تحولا فى المواقف ويشكل تهديدا، وأن مصر ترسل رسالة واضحة جدا إلى الولايات المتحدة بأنها لا تريد الاعتماد عليها بعد الآن، ويمكنها البحث عن حلفاء فى مكان آخر، وأضاف أن هذا الأمر لابد أن يرفع ناقوس الخطر.
ونقل الموقع عن مسؤولين فى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) قولهم إنها صفقة شراء ضخمة، من المرجح أن تشمل أنظمة دفاع جوى وصواريخ مضادة للدبابات، وطائرات مقاتلة من طراز «ميج 29»، مشيرا إلى أن القاهرة تسعى إلى الابتعاد منذ فترة طويلة عن منظومات الأسلحة الأمريكية.
وعلاوة على ما سبق، تطل برأسها تساؤلات غاية في الأهمية بشأن جدوى التحول المصري شرقا نحو روسيا فيما يتعلق بتحقيق التعدد في العلاقات الإستراتيجية مع القوى الكبرى وتنويع مصادر تسليح الجيش المصرى، من قبيل: ماذا يمكن لموسكو أن تقدم للقاهرة تقنيا وتكنولوجيا مقارنة بما كان يتأتى من واشنطن، في ظل الخبرة المريرة للمصريين مع الاتحاد السوفياتي السابق إبان حرب أكتوبر 1973، والتي انبلجت ليس فقط من تعمد السوفييت إبقاء مصر خطوات خلف إسرائيل من الناحية العسكرية، بموجب تفاهمات سوفيتية أمريكية إسرائيلية مثلما تفعل واشنطن هذه الأيام، ولكن لأن مستوى التسليح السوفيتي بطبيعته، ورغم ما شهده من تطور، يظل متأخرا عدة خطوات عن نظيره الأمريكي، وهو ما يفاقم من فجوة التسليح بين مصر وإسرائيل لمصلحة الأخيرة بدلا من تقويضها.
هل سيكون من السهل على القوات المسلحة المصرية استبدال منظومة التسليح الروسي بأخرى أمريكية، واستيعاب أفرادها لذلك البديل الجديد تكنولوجيا وعمليا بسرعة ويسر؟ أم أن الأمر يتطلب تغييرات إستراتيجية مهمة كالتسليح والتدريب وقطع الغيار وقواعد الاشتباك والعقيدة العسكرية وغيرها، وهو الأمر الذى يستغرق سنوات من العناء؟
هل سيكون في وسع الإدارة المصرية الحالية تحمل التداعيات المتوقعة لقرار جريء على شاكلة التحول شرقا ومواجهة عواصف الغضب الأمريكي والإسرائيلي العاتية، في ظل الظروف الصعبة والاستثنائية التي تحيط بالمصريين وبالمنطقة ككل هذه الأيام؟
غير أن ما ذكر آنفا من تحديات وتساؤلات يجب ألا يمنع مصر من ممارسة حقها الطبيعي في السعي بدأب إلى تنويع مصادر تسليح جيشها، وأن تحتفظ بعلاقات أوثق ومصالح أعمق مع مختلف القوى الدولية والإقليمية الصاعدة والمؤثرة في عالم اليوم، ولا يشترط أن يأتي التقارب مع هذا الطرف أو ذاك على حساب العلاقة مع طرف آخر.


