العٌرس العماني .. ماض وحاضر وتحديث مظاهر

1391943304926974600

الذهب عنصر أساسي رغم ارتفاع أسعاره -

كتبت – رحاب الهندي -
تبدأ الحكاية بإحساس وموافقة بين طرفين يحلمان بحياة جديدة بعيدة عن العزوبية ليوافقا على الارتباط بعقد حياة جديدة تحت خيمة الزواج بعد موافقة الأهل ورضاهم ويبدآن بخطة الحياة عبر درجات واحدة تلو الأخرى قبل أن يصبحا زوجين ويقفل عليهما باب واحد بعد حفلة عرس كبيرة لإشهار زواجهما.


وهناك عادات متبعة لم تخل بها حداثوية الحياة وتغيرها في عالمنا العربي عامة والسلطنة خاصة فما زالت العادات والتقاليد هي الأساس في تتبع خيارات الشاب أو الشابة لإكمال الزواج. فلا بد أن يستشير الشاب أهله في اختياره للفتاة التي شعر أنه يريدها زوجة له ولا بد من موافقة الأهل لطلب يد الفتاة وطبعا لا بد من موافقة أهل الفتاة على طلب أهل الشاب هذا ما تحدث به لنا محمود الرقادي (موظف في إحدى الصحف) قائلا: في معظم الأحيان حتى لو اختار الشاب فتاة للزواج فلا بد من رأي الأهل وموافقتهم، فإن لم يوافقوا على اختياره لن يتم الزواج.


عادات لم تتغير


رغم تغير الحياة عن الماضي بإمكانية تعرف الشاب على الفتاة في مرحل الدراسة أو العمل بينما في الماضي كانت النسوة أو الخطابة هن من يخترن الفتاة أو يتحدثن عنها لأهل الشاب الذي يود الخطبة. إلا أن خطوات إتمام الخطبة والزواج كما الماضي لم تتغير، يطلب الشاب من والديه أن يخطبا له تلك الفتاة فإذا كان هناك قبول تذهب مجموعة من النسوة لبيت العروس للتعرف على أهلها وطلب يدها للزواج وينتظر الجميع موافقة أهل العروس لإتمام الزواج وقد تكون مهلة الرد أسبوعا أو أكثر، وغالبا يوافق الجميع على طلب أهل العريس لتبدأ بعد ذلك خطوات إتمام الخطوبة والزواج.


اختيار النصيب أقوى


لكن يبقى للبعض حكايات مختلفة في هذه الفترة فقد أخبرنا محمد الرقادي (ابن عم محمود وهو موظف في بنك) أنه أحب فتاة واتفق معها على الزواج وحين أخبر أهله لخطبتها رفض والده لأسباب لم يعرفها الشاب، وفي أثناء محاولة إقناع والده بالموافقة فوجئ بأن فتاته قد خطبت لآخر خاصة بعد أن عرفت رفض والده لها فما كان من والدته إلا اختيار فتاة أخرى وجدت قبولا عند الجميع ومنه طبعا وحسب قوله قد يختار النصيب لنا الزوجة أكثر من القلب.


خطوات إتمام الزواج


وتقول المصادر الدراسية عن تتبع خطوات الزواج وهي مشابهة تماما لخطوات الزواج في كثير من الدول العربية وإن اختلفت في بعض الجزئيات من مكان لآخر بشكل لا يبدو مختلفا كثيرا، فكل محافظة من محافظات السلطنة لها عاداتها في الزواج.


الخطبة


تبدأ الخطبة بالاتفاق بين الأسرتين أو عن طريق وسيط. أولا يبدأ الرجال بطلب يد العروس من أهلها، ثم يأتي دور النساء من أهل العريس للذهاب إلى بيت العروس لتحديد المهر أو الحق. (الحق) مصطلح متعارف عليه عندنا في السلطنة وهو عبارة عن تقديم مبلغ مالي وهدايا عبارة عن مستلزمات.


ارتفاع المهور


يقول محمد البلوشي (موظف في شركة اتصالات): إن تكاليف العرس تختلف من عائلة إلى أخرى حسب الإمكانيات والاتفاق بين العائلتين لكن هذه الأيام يعتبر المهر مرتفعا وميزانية الزواج باهظة لكن كثيرا من الشابات في المتوسط يكون مهرهن بين الخمسة آلاف ريال والعشرة آلاف ريال ومعظم تكاليف العرس تقع على كاهل العريس أو أهله وإن كانت في هذه الأيام تساعد العروس بشراء بعض ما يخصها وتحتفظ بجزء من مهرها للمستقبل أو للسفر لقضاء شهر العسل مشاركة منها مع العريس.


غلاء الذهب


ويتابع محمد أن العروس تشتري الذهب كجزء أساسي من مستلزمات العرس رغم غلائه وما كان يشترى في الماضي بقيمة ألف ريال يشترى الآن بأربعة آلاف أو أكثر لكن لا بد من شرائه بالنسبة للغالبية أما بعض الأسر الثرية فقد تلجأ لشراء الماس.


مظاهر تقديم المهر


هناك مظهر لتقديم المهر ما زال كثير من العائلات متمسكة به وهو مظهر احتفالي فيبدأ أهل العريس بالتجهيز لنقل المهر إلى بيت العروس، حيث يجتمع المدعوون في بيت العريس ويكونون دائما من الأهل والجيران، ثم يقومون بحمل المهر إلى بيت العروس ويصاحب ذلك زفة بفرقة تقليدية، وتقوم مجموعة من النساء بحمل مستلزمات العروس على الرأس في صوانٍ مزينة بالأشرطة ومغطاة بالأقمشة، وترقص بها النساء.

وهناك أغانٍ خاصة تغنى لهذه المناسبة وهنالك أيضا المندوس المصنوع من الخشب والذي توضع بداخله الذهب والمجوهرات. وبعد الوصول إلى بيت العروس يتم الترحيب بأهل العريس والقيام بواجب الضيافة نحوهم، ثم يلي ذلك عرض المهر (الحق) حيث تتقدم واحدة من النساء لتقوم بعرض المهر ومستلزمات العروس بطريقة جذابة بها شيء من المرح، وتبدأ أولاً بعد النقود أمام الحضور حسب المبلغ المتفق عليه بين الأسرتين. وتعرض هدايا العريس حسب الطلب المتفق عليه وبعدها الهدايا الأخرى المقدمة من جميع أفراد الأسرة بدءاً بكبير الأسرة ثم أقاربه وأصحابه، ويتم ذكر كل هدية باسم صاحبها وتزغرد النساء الحاضرات مع ذكر كل هدية، وسط فرحة الحضور.


منافسة في تقديم الهدايا


يبدأ عرض هدايا أهل العروس التي تقوم بعرضها أيضا امرأة مختارة من أم العروس ويتم العرض بالطريقة نفسها التي عُرضت بها هدايا العريس وتكون هناك منافسة بين هدايا أهل العريس وأهل العروس بصورة محببة للجميع.

تقول سميرة الجابرية (ربة بيت): إن عرض الهدايا في العرس ما زالت من العادات القديمة لكنها من العادات المحببة لدى الجميع وغالبا في هذه الأيام تستعاض الهدايا بمبالغ نقدية توزع أمام جميع النساء الحاضرات ويسجل اسم كل من تقدم مبالغ مالية وقيمة المبلغ المذكور.


عقد القران (أو الملكة)


بعد الاتفاق بين العائلتين والتوكل على الله والدعاء للعروسين بحياة جديدة كلها سعادة يعقد القرآن ويكون العقد عادة في المسجد بعد صلاة العشاء. وغالبا لا يكون ذلك في بناء المسجد وإنما في بناء تابع للمسجد يسمى (السبلة).


طريقة العقد أو الملكة


يطلب من والد العروس الإذن بإتمام عقد القرآن، ويكتب والد العروس رسالة خطية للشخص الذي يثق فيه من علماء الدين لإتمام عقد القران ويقيد توكيل من والد العروس ويسلم للعريس أو والد العريس وهذا الشخص هو المسؤول شخصيا عن عقد قران هذا العريس.

وتقدم ضيافة في وقت العقد وهي الحلوى العمانية مع القهوة المرة فقط، ثم يقدم بخور العود ويرش ماء الورد على الضيوف وبعد الانتهاء من العقد يقف العريس مع والده في مكان معين عند مخرج المسجد، لتلقي التهاني، حيث يبارك الجميع للعريس ويتمنون له حياة زوجية سعيدة. ودائما يكون عدد الحضور كبيرا جدا، بعدها يتجه العريس إلى بيته لتناول وجبة العشاء.

مظاهر الاحتفال


في عصرنا الحديث نجد كثيرا من الصالات الكبيرة التي تستقبل حفلات الأعراس وغالبا ما تكون للنساء فقط حيث يحجز العريس القاعة واختيار الطعام حسب إمكانياته المادية وتكون القاعة مجهزة لاستقبال عدد كبير من المدعوات تستقبلهن والدة العريس ووالدة العروس حيث ترقص الفتيات من أهل العروسين على الأغاني الحديثة وهن يرتدين أزياء عصرية وهن في أحلى صورهن احتفالا بالعرس.

ويتحدث مصطفى الوهيبي (موظف في شركة تأمين) عن اهتمام الكثيرين بحجز القاعات وذلك لأنها مجهزة بأجهزة الموسيقى العالية والتي قد لا تزعج أحدا إضافة إلى إمكانية الاحتفال إلى منتصف الليل وتظل الفتيات يرقصن على أنغام الموسيقى لحين دخول العروس التي تختار الدخول للقاعة حسب تجهيز مسبق فهناك من تختار الدخول على صوت شاعر ينادي باسمها واسم العريس في بيتين من الشعر يتغزل بهما. وهناك من تدخل القاعة على نغمات موسيقية، تختارها بعناية ثم تجلس في مكانها المخصص والتي تحاول تجهيزه ليبدو مكانا خاصا بها (الكوشة) وتتابع النساء الرقص حتى يقدم الطعام ليستعد بعد ذلك العريس لدخول القاعة بلباسه الوطني متزينا بالخنجر العماني. فتلجأ جميع النساء باستثناء أخواته للبس العباءة وعدم الرقص ليجلس بعض الوقت قبل أن يمسك بيد عروسه ويغادران إلى منزلهما وتبدأ حياتهما الجديدة.


العرس التقليدي


كان العرس التقليدي العماني لا يختلف عن أي عرس في كثير من البلدان العربية وهو عرس سالم المعشري (موظف في سفارة عمانية في إحدى الدول العربية) حيث لبيت الدعوة لحضوره وكان في البيت حيث كانت هناك فرقة تقليدية من الرجال تعزف على الطبل والدفوف ويرقص بعض أفرادها وتمتلأ ساحة البيت بالنسوة وفي الطرف الآخر رجال من أهل العريس المقربين وكانت أم العريس ترقص فرحا بين فترة وأخرى والنساء تردد الأغنيات التقليدية وحين سألت شقيق العريس محمد عن الصوت العالي قال: إن كل الجيران مدعوون للمشاركة في الاحتفال ولن يزعجهم الصوت، وعند الساعة العاشرة مساء توجه المدعوون جميعا إلى بيت العروس حيث ركبوا الحافلات المستأجرة من قبل العريس وفي أثناء الطريق كن يرددن أغنيات فرحة بين القديم والحديث وبوصول القافلة لبيت العروس جهزت الفرقة أفرادها للدخول أولا وهي تعزف واستعد أهل العروس لاستقبال الضيوف حيث بدأ الجميع رقصا وتصفيقا – الرجال في جهة والنساء في جهة أخرى – مع ملاحظة أن جميع النساء أو غالبيتهن كن يرتدين الزي العماني الجميل والمزركش بألوانه المتناسقة البهية فلم يكن وجود لأي زي عصري بينها. ووزع أهل العروس الضيافة على المدعوين في أثناء غناء أهل العريس أغنيات تعني أن لديهم مطلبا وقد حضروا لأخذه مع الشكر ووصف العروس وأهلها بأحلى الصفات وأفضلها، وبعد ساعة أو أقل من الزمن تتقدم والدة العريس والمقربات عند باب البيت الداخلي لاستقبال العروس وأخذها حيث تخرج العروس وهي مغطاة تماما تمسك بيدها والدتها ثم تمسك بيدها الأخرى والدة العريس حتى وصولها لسيارة العريس وتستمر النسوة بأغاني الفرح والشكر لتبدأ رحلة العودة بالحافلات تصاحبها الفرقة الموسيقية وحين الوصول لبيت العريس تستمر الحافلات طويلا في الدوران في المنطقة قبل أن تتوقف انتظارا لنزول العروس من سيارتها يستقبلها العريس المتزين باللباس الوطني ليمسك يدها ويدخلون البيت وسط التصفيق والغناء وسعادة الجميع.

ولا ننسى أن أهل العريس يتفننون في كرم الضيافة حيث يطبخون في البيت كثيرا من الأكلات المختلفة على أن يكون اللحم والأرز أساسيا في الوجبة.

وبسؤالنا محمد المعشري عن سبب احتفالهم في البيت أجاب: حضر أخي سريعا من مكان عمله لإتمام الزفاف ولم نجد قاعة مناسبة لموعد الزفاف ثم أن حفلات الزفاف في البيت أكثر ألفة وحميمية ويشارك بها الأغلبية وقد تكون أكثر توفيرا مهما لصرف العريس فيكفي أنه يوفر ثمن القاعة التي غالبا ما يتجاوز سعرها الألف ريال، ثم البيت واسع وساحته بها مكان للاحتفال ويسع كل المدعوين، وكما رأيت عرسنا عرس عماني تقليدي وهو برأي أجمل من عرس القاعات.


خاتمة


ما بين الاحتفالات بالعرس القديمة والحديثة تبقى هناك أساسيات لا يمكن تجاوزها في عاداتنا وتقاليدنا وإن تغيرت بعض السلوكيات ضمن المظاهر الحديثة لكن تظل هذه السلوكيات أيضا تعكس ما في الجيب من قدرة على الصرف والبذخ وإن كانت الهالة الكبرى التي يقع الجميع تحتها هي هالة الفرح احتفالا برجل وامرأة قررا الدخول في حياة جديدة وهي الزواج لتكوين أسرة جديدة وامتدادا للحياة ويبقى الجميع يتمنى لهما كل الأمنيات الحلوة المليئة بالسعادة الدائمة.