نوافذ .. ثقافتنا.. ليست بخير!!

Assem ALshedi

عاصم الشيدي -

نتوهم أحيانا أن المشهد الثقافي في السلطنة، وفي العالم العربي بخير، وأننا نسير بخطى تراكمية نحو تشكيل حالة ثقافية تستطيع تقديم رؤية للمستقبل ونقد للمراحل التي قطعناها في مختلف المجالات، لكن ليت الحقيقة كانت كما نعتقد أو كما نمني النفس!!

قبل سنوات كان هناك حراك ثقافي وصراع أفكار في السلطنة يتبلور لاحقا إلى مشهد تؤمن به طائفة كبيرة من الناس بعد أن استطاع أصحابه إقناع الآخرين به.. ولكن أفكارنا اليوم شتات متناثر في كل الفضاءات لا جامع بينها ولا ثقة للآخرين فيها. نجدها مبثوثة ومشوهة على منتديات التواصل الاجتماعي في صراع أفكار غير مقنع لسطحية تلك المنابر أو لاعتقادنا بسطحيتها وعدم جديتها في تغيير المشهد تغييرا جذريا.. وليس تغييرا أهوج لا ينطلق من مقولات ثابتة وراسخة في التجربة.

كم قراءة جديدة قدمت خلال السنوات الأخيرة في كتاب صدر في السلطنة، وكم رُوجعت مقولات فكرية وسياسية وربما دينية طرحت في مقالات وفي دراسات، من قرأ تقييما لنشاط ثقافي نُشر في صحيفة يومية، من قرأ تقييما في نصوص سردية أو شعرية فازت في مسابقات أدبية أو محلية؟؟ هل يستطيع أحد اليوم بثقة علمية تقديم صورة عن المشهد القصصي أو تطور قصيدة النثر في عمان، أو حركة نمو المجتمع سكانيا وتأثير التباينات الاجتماعية من منطقة إلى أخرى؟!!

أسئلة كثيرة قد لا تجد إجابة علمية حقيقية لها دع عنك الإجابات الجاهزة أو المعتمدة على أهواء شخصية.

لست منعزلا عن الدور الذي تقوم به منتديات التواصل الاجتماعي ولكن هل هي التي تصنع لنا المشهد الذي نريد، وهل تستطيع تلك الأفكار أن تبقى وتصمد في وجه التسطيح الفكري الذي يمكن أن يواجهها بسيل السخرية في منتديات لا تكشف بالضرورة عن هوية أصحابها.

قد يقول قائل: إن أبواب الصحف المحلية أغلقت أمام الكثيرين أو أمام الأفكار الجادة التي تمتلك القدرة على تقديم قراءات نقدية جادة في الكثير من القضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية وأن مقص الرقيب قد يحول أحيانا بين الكاتب وجمهوره عبر مختلف الصحف، وسأقول إن الأمر قد يكون صحيحا ولكن هذا لا يعني الانزواء بعيدا والاكتفاء بمنابر أقرب إلى المنابر اللحظية التي لا تستطيع مهما قيل عنها أن تقدم رؤية تبقى ويسترشد بها للمستقبل.. لا بد من مواصلة طرق الأبواب واستغلال المنابر المتاحة وإن كانت بسيطة رغم أني أرى اتساعها وانتظارها للكثيرين.

وإذا كانت المقالات الثقافية تحضر على استحياء هنا وهناك فإن المقالات الاجتماعية تكاد تختفي من المشهد العماني تماما وكذلك مقالات الفكر الديني التي تتوسل التجديد وتقديم رؤية مختلفة صادمة للسائد والنمطي، غير تلك الرؤى التقليدية التي لا تخرج عما رسخ في أذهاننا وأذهان من سبقنا.

قد تكون الفعاليات الثقافية التي تقام كثيرة والاصدارات في تنام مستمر ولكن السؤال أين الأثر الحقيقي الذي تتركه فينا جميعا؟ سنفترض أننا شعب قارئ على أصح بعض المقولات، ولكن هل القراءة في صمت كافية؟ ملء الأذهان بكميات معرفية دون إطار تتناقش فيه الأفكار حتى تصل إلى حالة من الاعتناق وبالتالي نصل إلى نتيجة الانعكاس على السلوك.

كم معرض تشكيلي حضرنا وكم ندوة استمعنا فيها لساعات طويلة إلى أوراق عمل ولكن ماذا بعد ذلك؟ هل تغيرت رؤيتنا للحياة؟ هل استطاع ذلك الذي يجند لسانه لشتم الآخرين تغيير أفكاره وتهذيبها؟ كم كتاب سياسي قرأنا ولكننا هل استطعنا تكوين رؤية حقيقية لشكل الديمقراطية، كم حروب مرت وتمر في المنطقة سالت على إثرها أنهار الدماء.. هل استطاعت أن تغير في الكثير من الأفكار الطائفية والعدائية؟

إذن ثمة خلل في هذه المعرفة والثقافة التي نتلقاها، إنها لا تستطيع أن تهز كياننا، لا تستطيع الكتب التي نقرأها أن تستفزنا للكتابة عنها أو لنقدها أو للصدام معها.. وهذه مرحلة خطيرة إن بقينا طويلا في عتباتها فسوف ننكمش أكثر وأكثر.