د. معروف أحمد -
نكمل ما بدأناه في المقال السابق حول السرد التاريخي لعمليات الصباغة في العالم العربي قديماً مثل مصر الفرعونية والعصر الإسلامي، حيث كان الفوة تجنى في معظم أرجاء العالم العربي وفي إيران، فالصباغ المستخرج من جذورها أصبح مهمًا جدًا بحيث ذهب ابن البسال في وصف زراعته كل مذهب.
ومن الجدير بالذكر أن الحناء تشكل المصدر الثالث للصباغ الأحمر، وهي تنبت في سوريا ومصر، إلا أن ابن الأخوة نصح السلطات (المحتسب) بعدم استعمالها بدلاً من الفوة؛ لأن الأخيرة كانت أكثر ثباتًا، كما استخرج الصباغ الأحمر من نبات البقم الهندي (Caesalpinia sappan)، المعرف حاليًا بخشب البرازيل، وأيضًا هنا، مان الدليل المكتوب للمحتسب يحذر من لونه غير الثابت. ويجب الإشارة إلى أن الحشرة المذكورة سابقًا، والتي استخدمت كصباغ، ومرسخ لوني، لم تكن من اكتشاف العرب، فلقد كانت معروفة سابقًا في الهند والصين.
ومن الأصباغ المهمة أيضا بالإضافة إلى الصبغة الحمراء هي الأصبغة الزرقاء، حيث كانت نبتة النيلة هي المصدر الأساسي للصباغ الأزرق، فقد كانت تجنى تقريبًا من كل بقاع الأراضي الإسلامية، وخصوصًا في فلسطين، كما كانت تجلب من الهند. والنيلة هي مركب كيميائي ذو لون أزرق، كان يستخرج من أوراق النبات بطريقة موصوفة في المراجع.
وتعتبر الأصبغة الصفراء من الأصبغة المهمة حيث يجدر بالذكر انه قد كان هناك العديد من المصادر للون الأصفر ومن بينها العصفر أو القرطم (Carthamus tinctorius)، حيث تستخرج المواد الملونة من بتلات الزهور، والمصادر الأخرى الأساسية كانت الزعفران (Crocus sativus)، والكركم، وouars (Memecylon tinctorium). بالإضافة إلى استخدام قشر الرمان وأوراق السماق في الصباغة وفي الدباغة، وإذا ما عدنا إلى الأناضول وجدنا النبتة المحلية (البليحاء)، وقد يستخرج من السماق أو الرمان أو التفاح أو زهور البابونج والأقحوان أو الصفران الهندي.
وتحتل الأصبغة الخضراء مكانة مهمة في عالم الصباغة في ذلك العصر حيث يمكن الحصول على اللون الأخضر من الصباغة باللونين الأزرق والأصفر، ولكن بعض الأصبغة الخضراء تم الحصول عليه من نبات الدفنة (Daphnae cnidum) المعروف بالعربية باسم مثنان.
أما الأصبغة الأرجوانية فقد اشتهرت بها مدينتيا صور وصيدا منذ العصور القديمة، فقد استعمل إفراز الرخويات داخل صدفة موركس، حيث يتم صباغة النسيج بالمستخلص الناتج عن غلي الأصداف. ولا يوجد المزيد من الشرح عن هذه العملية، رغم أنها بقيت تمارس في سوريا حتى نهاية القرن التاسع عشر.
والأصبغة السوداء تستخرج بشكل أساسي من نبات العفص المضاف إليه كبريت الحديد (الزاج أو زيت الزاج)، وأحيانًا يضاف هذا الخليط إلى النيلة الداكنة، ومن قشور ثمرة السنديان (مع إضافة ملح الحديد).
وقد يستخرج اللون البرتقالي من قشور البصل أو العصفر، وعندما يميل إلى البني يستخدم الحناء ولحاء شجر الصنوبر، وقد يستخرج البنفسجي من قشور الباذنجان، وبعض الأصبغة من الأكاسيد المعدنية مثل كربون النحاس الذي ينتج الأخضر، أو من التربة مباشرة مثل الأهرة (المغرة أو الأوكر).
وقد كانت المرسخات اللونية والمثبتات ضرورية من أجل ربط الأصبغة بألياف القماش، وقد استخدم لهذا الغرض، كبريتات الألمنيوم أو الشبة، المعروف باسم “حجر الشب”، وقد كانت الشبة النقية مكونا أساسيا في عمليات الصباغة. وتفرض الشروط النوعية للمادة تنوّع المعالجات الصباغية، فشعر الماعز الذي يوضع في الخيام لا يُصبغ بطريقة صوف الغنم نفسها، يزداد في هذه الأخيرة اللون الأبيض من معاملته بمساحيق الطباشير والجبس أو كربونات الكالسيوم.
!!Article.footers.caption!!
!!Article.footers.comments!!


