على أنغام فرقة «ساربند» في ابريل القادم -
تواصل دار الأوبرا السلطانية مسقط تقديم عروضها لموسمها الحالي الذي يستمر حتى مايو المقبل، حيث تستضيف في الخامس من الشهر القادم من لبنان الثلاثي الشرقي الاخوات فاديا ورونزا وآمال الحاج اللاتي سيقدمن برنامجا غنائيا مختارا يربط موسيقى القرون الوسطى والجاز والاغنيات الفلكلورية بالاساليب العربية والاوروبية على انغام فرقة “ساربند” التي تضم موسيقيين من العالم العربي وتركيا والمانيا واسيا وايطاليا والدول الإسكندنافية، حيث ستعزف مجموعة مبهرة من اعمال الموسيقى العربية واوروبا الموزعة جزئيا بأسلوب جاز البحر المتوسط، حيث تتبني الفرقة قضية دعم التواصل والتسامح بين الهويات الثقافية المختلفة، لذلك تعمل اعمالهم بمثابة وسيط بين الماضي والحاضر، وبين الموسيقى القديمة والتقاليد الحية.
التريو الغنائي فاديا ورونزا وآمال
التريو هو تخت غنائي قوامه ثلاث اخوات لبنانيات أصبنَ نجاحاً كبيراً في فنّ الغناء بسبب تمتعهّن بأصوات رفيعة الجودة الاحترافية ومتميّزة الى ذلك، برنّات متناغمة فطريّاً وخامات متكاملة طبيعياً، إنهنّ أمال وعايدة وفاديا طنب الحاج، كريمات أب كان رساماً معروفاً وأمّ درست الغناء الشرقي في الكونسرفاتوار الوطني اللبناني، غير أنّ التزامهنّ جميعاً الاحتراف الغنائي أدّى بهنّ الى سلوك مسارات مهنيّة مختلفة جاء كل منها، رغم تكامله مع الآخرين متميزاً بلون وخيار فنيّ خاصين به، حيث بدأت آمال بمرافقة فرقة الأخوين عاصي ومنصور الرحباني، الموسيقارين الشهيرين، بالتوازي مع انكبابها على دراسة الغناء والعزف على البيانو دراسة معمّقة في الكونسرفاتوار الوطني العالي للموسيقى في بيروت، وقد اصابت شهرة واسعة في المسرح الغنائي ذات الاتجاه التربوي والثقافي، ومؤسسة مع زوجها فرقتها الموسيقية الخاصة، ومؤدية بإنشاد منفرد جملة من الأعمال الناجحة للمسرح الغنائي كان محورها الفولكلور الشرقي التراثي والموسيقى اللبنانية في السبعينات.
أما عايدة، التي اعتمدت فنياً اسم “رونزا”، استهلت مسارها باكراً كمغنية منفردة في أعمال للأخوين رحباني، فاتجهت بذات الفعل الى لونهما الخاص في المسرح الغنائي، ثم الى الميويكال” البحت مع مروان وغدي الرحباني، وبعد ان حازت دبلوما في الغناء الكلاسيكي الأوبرالي من الكونسرفاتوار الوطني العالي للموسيقى في بيروت، تألقت في مسارها الاحترافي كمغنية منفردة في لبنان والعالم العربي، فلعبت أدواراً أولى في العديد من أعمال المسرح الغنائي، وأدت حفلات موسيقية كثيرة على النمط الكلاسيكي الغربي أو باللون التراثي الشرقي.
أما فاديا، فقد انطلقت هي الأخرى كمغنية منفردة في أعمال للأخوين رحباني، وذلك بالتزامن مع عايدة. إلا انها سرعان ما اتجهت الى الغناء الأوبرالي والى موسيقى القرون الوسطى، الشرقية منها والغربية فحازت دبلوماً في الغناء الكلاسيكي الأوبرالي من كونسرفاتوار ريتشارد شتراوس في ميونيخ (المانيا)، وأصبحت المغنية المنفردة في فرقة “سارباند” لموسيقى القرون الوسطى التي حازت شهرة عالمية مرموقة في مجالها، وقد نجحت فادية مع سارباند او في اعمالها المنفردة الأخرى، في ادراك مستوى احترافي عالمي، فكانت لها حفلات موسيقية في العشرات من المهرجانات الموسيقية العالمية، بما في ذلك في بلادها، مهرجانيّ بعلبك وبيت الدين الدوليين.
بعد انقطاع فني طويل املته ضرورات الدراسة، والأسفار، والمتطلبات المهنية وبعد ان رسخّت كل من الأخوات هويتها الفنية الخاصة عدن ابتداء من العام 1994 الى الالتقاء في حفلات موسيقية مشتركة ان كمؤديات منفردات أو كمنشدات لمقطوعات شرقية او غربية دينية أو دنيويّة، معاً بثلاثة اصوات على النمط البوليفوني، وقد كان لهذه الحفلات الموسمية من الحظوة والنجاح، في نظر الخبراء كما لدى الجمهور العريض ما شجّع الأخوات طنب على اتخاذ قرارهنّ باطلاق التريو الغنائي رسمياً.
الهدف الأول للثلاثي الغنائي ” تري – أوريان” هو اداء الأغنيات من مختلف الفنون والأزمنة والحضارات لا سيما من التقليد اللبناني والشرقي الأوسطي ( فولكلور قديم، موشحات مقطوعات عتيقة من القرن الماضي اصبحت عملياً من التراث الكلاسيكي) وذلك بعد كتابة توزيعها الموسيقي أو اعادة توزيعها لثلاثة اصوات، على أن تغنّى امّا بصورة صوتيّة بحتة أو بالترافق مع آلات موسيقيّة وذلك على النمط البوليفوني المستند الى طرق التأليف الموسيقى الكلاسيكية (الفوغا والكونترابونتو) ، وبشرط عدم تحريف البنية النغمية الاساسية للأغنية أو تحوير نكهتها الفنية الأصلية، وسيضمّ الرصيد الموسيقي للتريو، الى ذلك اغنيات حديثة، مبتكرة مكتوبة خصيصاً لهذا التخت الغنائي وموزعة على الأسس عينها، ومن ابرز نقاط القوة في الثلاثي الغنائي “تري – اوريان” انه يستطيع الإستفادة من كفاءة فناناته الثلاث في اداء اللونين الموسيقيين الشرقي والغربي اداء محترفاً ليحقق صهر ثراء الموسيقى الغربية ، المتميزة بجملة هارمونية عامودية ومتراكمة ، بسحر الموسيقى الشرقية المطبوعة بجملة ميليودية افقية ومتوالية في في بنية جمالية فريدة.
فرقة «سارباند»
كلمة “سارباند” تعني الرابط، ويمثل هذا المصطلح في نظرية موسيقى الشرق الأوسط الرابط بين مقطوعتين في متتالية موسيقية، وتدعو فرقة “سارباند” كل أطياف الجمهور ومختلف أنواع المؤدين “للترابط” والاجتماع معاً، فتربطهم بالتجارب الثقافية التي كانت تعتبر في الماضي غريبة مستوحشة.
المدير الفني الدكتور فلاديمير إيفانوف – الذي أسس الفرقة في عام 1986 – يسعى إلى ربط الحضارات والأشخاص والحقب المختلفة، سواء كأستاذ عالم وموسيقي. يهدف برامجه إلى التقريب وربط الموسيقيين من مختلف الثقافات والخلفيات الموسيقية الواسعة، والتفكر في الماضي والحاضر والموسيقى المبكرة والتقاليد الحية.
ولا يتم التعاون بين أعضاء الفرقة في إطار عبور الثقافات المعتاد، بل إنه حوار مستمر على أسس متساوية. حيث يسهم كل الفنانين في البرنامج بتقاليدهم الأصلية وتاريخهم الشخصي وإبداعاتهم الخاصة بلا قيود، حتى تصبح فرقة “سارباند” أيضاً ساحة تدريب موسيقية للتواصل ونشر التسامح بين مختلف الهويات الثقافية.
كما تساعد حلقات العمل الصيفية التي تقيمها الفرقة سنوياً في بيروت على الربط بين دارسي الموسيقى في ألمانيا ودول الشرق الأدنى، وتسعى فرقة “سارباند” إلى إثبات أن الموسيقى ليست مجرد ديكور أو زينة، بل وسيلة تنويرية للاحترام المتبادل ويمكنها اليوم أن تكون مثالاً على التفاهم والتقبل ونموذجاً للسلام، وقد حصلت فرقة “سارباند” على العديد من الجوائز من بينها: ترشيح لنيل جائزة “جرامي” في عام 1994، وجائزة “إيكو كلاسيك” من ألمانيا عامي 2003 و2006، وجائزة “بريميو ميوزيك” من إيطاليا عام 2007، وجائزة “موسيقى العالم الألمانية” عام 2008.
نجحت البرامج التي تضم أعمالاً من الموسيقى المبكرة في الربط التاريخي بين ممارسات الأداء الأوروبي والتقاليد الحية في منطقة البحر الأبيض المتوسط. كما تعاونت الفرقة مع فرق أخرى (على سبيل المثال أوركسترا “برلين” الفيلهارموني، وأوركسترا “لوسيرن” السيمفوني، وأوركسترا “بريمن” الفيلهارموني، وأوركسترا “دريسدن” الفيلهارموني، وفرقة “ريزونانس”، وجوقة موسيقى الحجرة “آر آي إي إس”، وفرقة “سيدي العربي الشرقاوي”، و”مطربو الملك”، و”كونشرتو كولن”، و”لغز الأصوات البلغارية”)، فساعدت في توضيح الفروق الثقافية والعقائدية بين القديم والحديث، وانعكست المفاهيم التاريخية والحديثة الخاصة بمفهوم الآخر والأجنبي بين المؤدين والجمهور.


