علي بن عبدالله القاسمي -
توجهت السلطنة إلى التعمين، ووضعت خططاً هادفةً لتعمين عدد من الأعمال والوظائف والمهن لتشغلها القوى العاملة الوطنية بدل القوى العاملة الوافدة والهدف من ذلك هو إيجاد شواغر للباحثين عن عمل وبالأخص في القطاع الخاص الذي ترتفع فيه نسب القوى العاملة الوافدة التي تمت الاستفادة منها منذ بداية النهضة المباركة بحكم ما شهدته السلطنة من طفرة في مختلف المجالات وقلة أصحاب المؤهلات في تلك الفترة من المواطنين وقد قام القطاع العام آنذاك باستقطاب القوى العاملة الوطنية لأنه بحاجة لها للنهضة الشاملة التي كانت تشهدها السلطنة وبحكم أن القطاع الخاص ما زال ناشئاً وفي مرحلة التطور. لكن بعد أن تشبع القطاع الحكومي من القوى العاملة الوطنية وأصبحت القوى العاملة الوافدة تشكل نسبا ضئيلة جداً في القطاع العام في بعض المهن فقط كخبراء ومستشارين.
وبعد أن ازداد عدد الباحثين عن عمل في ظل زيادة المخرجات من مختلف مؤسسات التعليم بالسلطنة بمختلف المستويات العلمية ووصول نسب التعمين بالقطاع الحكومي إلى مستويات مرتفعة وزيادة أعداد القوى العاملة الوافدة بالسلطنة وما قد يشكله ذلك من آثار سلبية على الوطن والمواطن توجهت السلطنة إلى التعمين في القطاع الخاص ووضعت الخطط المدروسة لذلك وطالبت القطاع الخاص بالتعمين، وحثت الباحثين عن عمل على العمل بالقطاع الخاص ولكن واجهت عملية التعمين عدداً من التحديات من أبرزها عزوف الكثير من الباحثين عن عمل عن العمل بالقطاع الخاص لقلة الحوافز في الكثير من منشآت القطاع الخاص، ورغبة الكثير من مؤسسات القطاع الخاص في تشغيل القوى العاملة الوافدة أكثر من رغبتها في تشغيل القوى العاملة الوطنية، وقلة عدد الاستثمارات من الدرجة العالمية والممتازة والتي يرغب الكثير من الباحثين بالعمل بها أكثر من غيرها من منشآت القطاع الخاص، وعدم مواكبة المخرجات لمتطلبات سوق العمل والتركيز على التخصصات التي يحتاجها سوق العمل في الوقت الراهن.
ويعتبر عزوف الباحثين عن العمل بالقطاع الخاص من أبرز التحديات التي تواجه التعمين وترجع أسباب ذلك العزوف إلى قلة الحوافز المادية والمعنوية وضعف الرواتب في الكثير من منشآت القطاع الخاص وغياب الامتيازات وزيادة الأعباء الوظيفية والفجوة بين الامتيازات والرواتب في القطاع الحكومي والقطاع الخاص في زمن كثرت فيه متطلبات الحياة الأساسية وغلت فيه المعيشة. وكذلك يعود السبب أيضا لعدم ثقة بعض الباحثين بهذا القطاع الذي يعتمد بصورة كبيرة على القوى العاملة الوافدة ويدار أحياناً من قبلها. رغم أن هذا القطاع يعد هو القطاع الواعد في السلطنة ويتوفر فيه عشرات الآلاف من الوظائف وهو بحاجة مستمرة للقوى العاملة لما يشهده من تطور وتوسع في ظل ما تشهده السلطنة من طفرة عمرانية واقتصادية. والآن أصبح الباحثون عن عمل يملكون مهارات ومعرفة وقادرين على إدارة الكثير من الأعمال حيث إن السلطنة وفرت التعليم لكل المواطنين وكذلك أتاحت لهم استكمال دراسة التعليم العالي من خلال مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة وقد وفرت الآلاف من المنح الدراسية للدراسة في الكليات الخاصة بالسلطنة أو خارج السلطنة على نفقة الحكومة فمن الواجب الوطني أن يقوم القطاع الخاص بدوره في تشغيل الباحثين عن عمل برواتب وحوافز تتناسب مع مؤهلاتهم وتتماشى مع واقع الحياة الذي كثرت فيه متطلبات الحياة ومما لا شك فيه سيعود ذلك بالفائدة على الطرفين حيث سيضمن صاحب العمل استقرار القوى العاملة الوطنية والاستفادة من خبراتها التي سوف يكتسبونها خلال فترة عملهم بالإضافة إلى عدم التزام صاحب العمل بدفع تكاليف استقدام القوى العاملة الوافدة والتأمين الصحي والتذاكر وغيرها من المصاريف. وكذلك قد قام بواجبه الوطني تجاه وطنه.
وثاني هذه التحديات هو عزوف الكثير من منشآت القطاع الخاص عن تشغيل القوى العاملة الوطنية؛ لأن بعض تلك الشركات تفكر في الربح فقط فتبحث عن القوى العاملة الرخيصة لكي تجني أرباحا أكبر متنصلة عن واجباتها الوطنية تجاه تشغيل القوى العاملة الوطنية لتسهم في التنمية التي تشهدها السلطنة. كذلك هو عدم ثقة بعض شركات القطاع الخاص في القوى العاملة الوطنية التي يرى البعض أن منهم من لم يثبت جدارته في العمل بالقطاع الخاص ولكن لو نظرنا إلى واقع الأمر نجد أن القوى العاملة الوطنية قد أثبتت جدارتها في القطاع الحكومي وكذلك في عدد من الشركات من الدرجة العالمية والممتازة والأولى وحتى المشروعات المتوسطة والصغيرة الأمر الذي أتاح لها أن تثبت جدارتها والعمل بجد وتفان من خلال الحوافز المادية والمعنوية التي يحصلون عليها وتؤدي إلى استقرارهم في العمل وانضباطهم بالإضافة إلى تأهيل تلك الشركات لهم بصورة مستمرة وتشجيعهم. وكذلك من ضمن الأسباب التي تجعل هناك عزوف من الشركات في تشغيل القوى العاملة الوطنية هي التجارة المستترة فقد تكون هناك شركات تدار من قبل وافدين باسم صاحب عمل مواطن وفي الواقع أن ذلك الوافد هو من يقوم باختيار العاملين لديه فيقوم باستقدام قوى عاملة رخيصة ومن نفس بلده.
كذلك هناك قلة في عدد الشركات العالمية والممتازة ومعظمها تتركز في أماكن محدودة من السلطنة وتفتقر الكثير من المحافظات لمثل هذه الشركات التي تعتبر شركات جاذبة للباحثين عن عمل لما تقدمه من حوافز مادية ومعنوية للقوى العاملة الوطنية فيها حيث إن الكثير منها تعمن الوظائف بنسب أكثر من التي يلزمها به القانون لكثرة الراغبين من القوى العاملة الوطنية بالعمل بها من أصحاب المؤهلات والمهارات والخبرات والكفاءات وفي الحقيقة قد أثبتوا جدارتهم في العمل في تلك الشركات. فيعتبر كثرة استقطاب السلطنة لمثل هذه الشركات والمصانع الكبيرة سيكون له الأثر الكبير في ايجاد فرص عمل كثيرة جداً ويجب النظر في توزيعها الجغرافي لتشمل معظم أنحاء السلطنة لترغب الباحثين عن عمل بالعمل فيها بصورة أكبر لان العمل في نفس المحافظة يقلل المصاريف على القوى الوطنية العاملة كالمسكن ويضمن لها الاستقرار. فواجب وطني على المستثمرين الاستثمار في مختلف المحافظات استثمارات يكون منها جدوى لتلك المحافظة من حيث الخدمات وتوفير شواغر العمل للباحثين عن العمل. وقد توجهت السلطنة لتوفير مناطق صناعية كبيرة وقامت بتسهيل استثمارها للمستثمرين وبحوافز ممتازة ولكن ما زالت هناك قلة في عدد الاستثمارات الموجودة فيها في بعض المحافظات.
اما التحدي الرابع الذي يواجه التعمين فهو الذي يسهل حله وسيوفر آلاف الوظائف العليا التي فيها حوافز مميزة ورواتب مناسبة وقد تكون مغرية وهي تعمين المهن التي يكثر عليها الطلب في سوق العمل في الوقت الراهن بصورة كبيرة جداً ومن أبرز هذه المهن المدرسين الأكاديميين بالجامعات والكليات والأطباء والمهندسين والفنيين وبعض التخصصات التي مخرجاتها تعتبر قليلة جداً بالنسبة للطلب عليها من سوق العمل. حيث يوجد في السلطنة أكثر من 58 مؤسسة تعليم عالي وتستقبل الآلاف من الدارسين سنوياً في ظل تركيز السلطنة على تدريس أكبر فئة ممكنة من مخرجات الدبلوم العام. حيث يعمل في هذا المؤسسات الآلاف من القوى العاملة الوافدة برواتب مغرية وحوافز ممتازة. وكذلك بالنسبة للمؤسسات الصحية كالمستشفيات الحكومية والخاصة والمجمعات الطبية والعيادات والتي تشكل فيها القوى العاملة الوطنية نسبة قليلة جداً في ظل عدم وجود كادر مؤهل لشغل هذه المهن وهذا ينطبق على الكثير من المهن والتخصصات كالهندسة وغيرها ويمكن إيجاد حلول لهذا التحدي لأنه لا شك أن تم حله فسيتم إيجاد آلاف الشواغر للباحثين عن عمل ويكمن الحل في المواءمة بين التدريس والتأهيل والتدريب وبين متطلبات سوق العمل حيث من المفترض أن يتم تدريس وتأهيل عدد كبير من مخرجات التعليم العالي في المجالات التي يحتاجها سوق العمل وابتعاثهم للخارج أو فتح المجال للجامعات والكليات في تدريس مثل هذه التخصصات بالسلطنة مع مراعاة أن هذه المهن بحاجة لتأهيل وتطوير وتدريب يتناسب مع حجمها. حيث في الواقع نجد بعض الشواغر يتقدم لها آلاف للمنافسة على ذلك الشاغر الوظيفي المتوفر بينما هناك شواغر لا يتقدم لشغلها أحد أو عدد قليل جداً لعدم وجود باحثين عن عمل في تلك التخصصات. وهنا نجد من الواجب إيجاد حلول لتك التحديات التي ليست بمعضلة وإنما حلولها بسيطة وممكنة بالحوافز التشجيعية المناسبة للقوى العاملة الوطنية وشعور أصحاب العمل بواجبهم الوطني تجاه الوطن في تشغيل الباحثين عن عمل وكذلك على القوى العاملة الوطنية الانضباط في العمل والتفاني. وعلى أصحاب العمل والمستثمرين زيادة الاستثمارات في المشاريع الكبيرة والتي توفر عددا كبيرا من الشواغر. وأخيراً التدريس والتأهيل ومواءمة التدريس مع متطلبات سوق العمل لتعمين عدد كبير من المهن الممتازة التي تتوفر بها الشواغر بنسب كبيرة وتقليل الاعتماد على القوى العاملة الوافدة وإحلال القوى العاملة الوطنية كبديل عنها. ويجب أن تتضافر الجهود بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقوى العاملة الوطنية ليتحقق الهدف المنشود وهو إيجاد الشواغر للباحثين عن العمل والذي بدوره يحقق الاستقرار والعيش الكريم.
تخصصي إعلام بالقوى العاملة بجنوب الشرقية


