بعبارة أخرى: التاريخ مقلوبًا

د. حسن مدن –

في بداية إحدى رسائله الفلسفية يقول فولتير، إن أحدهم طرح في إحدى الجمعيات الشهيرة المسألة التالية: من هو أهم رجل في التاريخ، هل هو القيصر، أم الإسكندر المقدوني، أم تيمور لنك، أم كرومويل.. الخ؟ وكان الجواب هو: أن أهم شخص في العالم هو إسحاق نيوتن، وليس سواه. والى هذا السؤال عاد الباحث والمترجم هاشم صالح، في كتابه: (مدخل إلى التنوير الأوروبي) في معرض انتصاره للعقل الإنساني.وليست المصادفة وحدها هي التي جعلت الرجل يتوقف، في ثنايا الكتاب، أمام الرسائل الفلسفية لفولتير، التي اقتبس منها السؤال أعلاه عن أهم شخص في العالم، فهذا المؤلف وضعه صاحبه، وكان قد بلغ الأربعين من عمره، حيث ابتدأ انخراطه الفعلي في الشأن الفلسفي، شعورا منه بأهمية خوض معركة التنوير في بلاده، فرنسا. وكانت الفلسفة بالنسبة له تعنى النضال من أجل الحقيقة، وهي الوسيلة الأساسية لتحرير العقول من الأوهام والخزعبلات. في معركة انتهت، كما يعرف تاريخ الفكر والفلسفة العالميين، بانتصار التنوير، الذي فتح لفرنسا ولأوروبا كلها، آفاق التقدم. برأي فولتير أن دماغاً بشرياً بألمعية دماغ نيوتن، وعبقرية مثل عبقريته، لا يجود بها الدهر إلا مرة كل عشرة قرون مثلا، أما رجالات السياسة والفاتحون العسكريون وقادة الجيوش فإنهم موجودون في كل قرن وجيل، وهم في الغالب أشرار ومشاهير، وبالتالي فإن العظمة لا تكون إلا للفكر وللروح. العظمة، حسب تعبير المؤلف، هي لمن يمتلك قوة الحقيقة، وليست لأولئك الذين يهيمنون على الناس عن طريق العنف والقوة المحضة، ثم يحولونهم إلى عبيد، لذا فإن الاحترام والتقدير يجب أن يتوجهان نحو من يسعى لاكتشاف أسرار الكون ، لا إلى أولئك الذين يريدون تدمير العالم أو تخريبه.لذا فإن المعركة التي خاضها فولتير ضد التعصب والجمود، كانت معركة من أجل انتصار النور والعلم، وتبديد الجهل، من خلال نقل أفكار فرانسيس بيكون وجون لوك وإسحاق نيوتن ونظام الجاذبية، وبقية الأفكار الفلسفية والعقلانية، ذلك أن من يربح المعركة الفكرية هو من يربح المعركة السياسية عندما تنضج ظروفها، وليس العكس. وفكرة دراسة تاريخ التنوير الأوروبي تحمل، في طياتها، مضموناً معاصراً يعنينا نحن معشر العرب، لا برغبة نسخها، فذلك أمر محال، لأن لكل مجتمع سياقه التاريخي والثقافي والحضاري الخاص به، وإنما للتذكير بأن للفكر النهضوي تراثاً في تاريخنا الحديث، وعلى خلاف أوروبا، فإن مشروعنا النهضوي قد انتكس في أكثر مفاصله التاريخية أهمية وحساسية، مما جعلنا نراوح في دائرة مغلقة لا نقوى على كسرها بسبب حال العجز والهوان التي نحن فيها، كأن الأمر يستدعي وجود مفكرين شجعان عظام بوزن رواد النهضة العرب الذين شقوا طرقاً جديدة وسلكوا دروباً غير مطروقة من قبل، لكن مشروعهم انكسر في منتصف الطريق.

في الفترة بين القرنين الثامن والتاسع الميلاديين كتب الجاحظ في «البيان والتبيين» مفرقاً بين الأمم المتحضرة التي هي برأيه: العرب والفرس والهنود والروم «بيزنطة» وبين الهمج، كما كان يطلق عليهم. بعده أتى كاتب أندلسي ففرق بين الأمم النابهة والأمم الخاملة، فوضع اليونان والرومان والهنود والفرس والكلدانيين وأهل مصر والعرب بين الأمم النابهة، ووضع سكان الأقاليم الشمالية موضع الجهل والعصيان والعدوان والظلم.

هذا التقسيم الذي أورده بدري يونس في مؤلفه «مزالق العولمة الحديثة» انعكس اليوم. بات النابهون خاملين والخاملون نابهين، إذا ما أخذنا من ترتيب القوى الدولية المعاصرة معياراً. ولكن في هذا التقسيم المتحول عبرة لمن يريد أن يعتبر، ذلك بأنه ما من ثوابت في هذه الحياة، فالأمم، حتى لو تعثرت، قادرة على النهوض من جديد أن توافرت لديها إرادة النهوض، لكن من الملائم التأمل في الطريقة التي تعاملت بها الحضارات النابهة أيام الجاحظ إزاء من هم دونها «نباهة» إذا ما استعرنا تعبيره، وبين الطريقة التي يتعامل بها الغرب «النابه» اليوم مع الشرق الخامل، لا بل مع تلك البلدان التي جرى تصنيفها ضمن ما كان يعرف ب «العالم الثالث»، مع أن العالم كف ومنذ أكثر من عقود ثلاثة عن أن يكون ثلاثة عوالم. إنه عالم يتكون من مركز يتمتع بفيض الثراء ومن قارات واسعة تضج بالبشر وبالفقر وبالمشكلات، والغرب المزهو بنفسه اليوم ينسى أنه في النهاية نتاج لحضارة الإنسانية في شرقها وغربها، في شمالها وجنوبها، ليست أوروبا وحدها من صنع حضارة اليوم، ولا الولايات المتحدة. كان الباكستاني عبدالسلام حامل جائزة نوبل للفيزياء قد لاحظ ذلك وعبّر عنه بدقة، حيث لفت النظر، وهو الفيزيائي ابن باكستان الآسيوية، المسلمة، المنتسبة لما كنا نطلق عليه العالم الثالث، الى أن العلم والتكنولوجيا إرث مشترك للإنسانية كلها، كل الشعوب أسهمت في تكوينهما في الماضي، والأمل أن يستمر الأمر كذلك في المستقبل، لتصبح الجهود المشتركة في ميادين العلم قوة توحيد لمختلف شعوب هذا الكوكب.لكن الغرب، وقوته الرئيسية اليوم أي الولايات المتحدة تتصرف بذهنية مالك الحقيقة الأوحد، الذي عهدت إليه العناية الإلهية مهمة إنقاذ هذا العالم الخامل، كما يبشر بذلك منظرو المحافظين الجدد، لكن على طريقة شهد شاهد من أهلها سنسوق قولاً لهنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق ورد في أحد مقالاته التي يقيّم فيها السياسة الراهنة لبلاده، حيث يلاحظ ان هيمنة الولايات المتحدة على العالم لا يحكمها برنامج استراتيجي وإنما سلسلة من القرارات التي لا رابط بينها، وهو إذ يقر بأنه لم يسبق لبلد واحد منفرد أن حقق صعوداً كهذا على المستوى العالمي، إلا أنه يلاحظ أن هذا الصعود محكوم بقرارات تتخذ كردات فعل على أزمات معينة. قرارات مدفوعة بالتجاوب مع رغبات مجموعات الضغط المحلي (لوبي) أكثر من كونها نابعة من تصور شامل وبعيد النظر. يقول كيسنجر: أن الامبراطورية الرومانية، بل حتى الامبراطورية البريطانية في عز مجدها، استطاعت أن تحول جبروتها الى إجماع وتحول مبادئها الناظمة الى معايير مقبولة على نطاق واسع، لكن ما تفعله الولايات المتحدة اليوم منتشية بخروجها الظافر من الحرب الباردة هو فرض توجهاتها قسراً ومن طرف واحد على العالم، غير آبهة بردود فعل الأمم والأقوام والدول والشعوب الأخرى، ولا بالاستنفارات التي يستحثها هذا النهج في الثقافات الأخرى التي لا يمكن أن تستسلم أمام مسعى لفرض ثقافة واحدة على عالم يعج بالتنوع والتعدد وحتى التناقض، وهي تفعل ذلك حتى مع أقرب الحلفاء اليها، لا في الشرق البعيد، وإما أيضاً في أوروبا القريبة.يروي التاريخ الحكاية التالية: في عام 196 قبل الميلاد حارب الرومان الطاغية فيليب الخامس وأجبروه على التنازل عن كل ممتلكاته في اليونان. كان أهل اليونان عرضة طيلة قرن ونصف القرن لاضطهاد ملوك مقدونيا، وها هم الرومان قد خاضوا الحرب ضد هؤلاء الطغاة من أجل «حرية» اليونان، لكن كل التجارب تشير إلى أنه تم فقط استبدال سيد بآخر.

إلى هذه الحكاية عاد مؤرخ ألماني مخضرم، اسمه بيتر بندر، بهدف إسقاط التاريخ على الحاضر، وهو يقرأ علاقة الولايات المتحدة بالعالم، وليعقد مقارنة بين اتحاد الإغريق والرومان ضد القوى العظمى المتمثلة يومذاك في المقدونيين، وبين اتحاد أمريكا وأوروبا الغربية ضد الاتحاد السوفييتي، يوم كان هذا الأخير ما زال قوياً وعلى قيد الحياة. لكن ما من أمر أو أحد يضاهي التاريخ في المكر، وفي رحابة الدلالات.

أيكون هذا ما ذهب إليه ابن خلدون في «المقدمة» من «إن التاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبار سياسية عن الدول والسوابق من القرون الأُول، تنمو في الأقوال وتضرب فيها الأمثال، إلا أنه في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل، في الحكمة عريق، وجديد بأن يُعد في علومها وخليق».

لذا يظل التاريخ بحاجة دائمة لإعادة قراءة، وبالتالي لإعادة كتابة، وهي عبارة أخرى لإعادة تأويل. ربما لا يدور الخلاف حول أن هذه الواقعة التاريخية تمت أو لم تتم، وإنما يدور في درجة أساسية حول الملابسات التي أحاطت بهذه الواقعة، يذكرنا ذلك بالفارق الجوهري بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، ومن ضمن هذه الأخيرة التاريخ.

كثيراً ما تردد المقولة التي لا أعرف لم تنسب من «أن التاريخ لم يقع، والمؤرخ لم يكن هناك»، لكن أياً كان الأمر فإن التاريخ قد وقع، لكن المؤرخ فعلاً لم يكن هناك، لم يكن موجوداً وقت الحادثة، إنه أشبه برجل المرور الذي أتى متأخراً للتحقيق في حادثة مرورية بعد أن تمَّ كل شيء، وأعدَّ روايته لما حدث نقلاً عن الشهود، والشهود ليسوا مجردين من الأهواء، ثم إن محضر التحقيق تضمن في خلاصته ما ظنه المحقق صحيحاً، أي ما اقتنع به هو من شهادة هذا الشاهد، لا ذاك، وليس بوسع أحد أن يجزم، في صورة مطلقة إن هذه الشهادة بالذات هي الحقيقة الناجزة، فالعناصر التي اختارها المحقق من أقوال الشهود جميعاً ليتبناها هو ليست هي بالضرورة العناصر الأخرى التي أهملها وظنها غير دقيقة أو صائبة.