ربما – ثقافات

د. يسرية آل جميل –

– مدخلْ:

يختلف مفهوم الثقافة من فردٍ لآخر، فلكلٍ وجهة نظره الخاصة، ولكلٍ رأيه الذي قد يكون مع.. أو ضد، لكن الثقافة التي قد نتفق عليها جميعاً هي:

1/ ثقافة التجاهل:

ثقافة درسناها جميعا في مدرسة الحياة الكبيرة، ثقافة الحياة تتطلب منا أن نتجاهل، نتجاهل كُل ما قد يكون سبباً في إدخال الضيق والنكد إلى مسارِ يومنا الهادئ، تجاهلوا فضولهم، تجاهلوا أسئلتهم التي لا تروق لكم، تجاهلوا كذبهم، تجاهلوا مُبالغتهم الشديدة، تجاهلوا حتى تجاهلهم لكم، وعيشوا حياتكم بهدوءٍ تام.

2/ ثقافة العيب:

للأسف في مُجتمعاتنا أصبحت ثقافة العيب أشد خطرا عليه من ثقافة الحرام، فأصبحنا نخشى فعل الشيء لأنه عيب، ولأن الناس سوف ينتقدونا، ولأن العيب سيلتصق بنا مدى الحياة، نسينا أن الحرام أشدُّ أهميةً من العيبْ، وأن العيب قد يُنجيك من ألسنة الناس والجيران، ومن القيل ومن القال، لكنه لن يُنجيك من ألسنة النار، لكنَّا أصبحنا نخاف من الخَلق أكثر من الخالق، فهل هذا يليق بنا!

3/ ثقافة التواصل:

(كثَّر ألف خيرها) قنوات التواصل الحديثة، لم تترك وسيلة إلا وأوجدتها لتقريب الناس من بعض وربطهم ببعضهم ببعض من أقصى الدنيا إلى أدناها، وهنا أنا لستُ بحاجة إلى تعدادها أو تذكيركم بأسمائها، فما عادت تخفى على أحدْ، لكن التواصل الذي أعنيه تواصل الرِحمْ الحقيقي، قديما في (زمن الطيبين) كما يُشاع على تلك الفترة، كانت القلوب متآلفة قبل الأرواح، الزيارات بين الأسر لا تتوقف، الودِّ والرحمة والألفة فيما بينهم لا مثيل لها، كانت الناس تسأل عن بعضها البعض، عن أحوالها، أحوال أبنائها، كان أبناء الحي الواحد يعرفون أخبار بعضهم البعض، أما اليوم، في بيتٍ واحد ولا أحد يعرف عن الآخر شيئاً، الكُل لاهٍ في عالمه الافتراضي الخاص، نعرف الأخبار من رسالة قصيرة مجانية تأتينا عبر الواتس أب مثلا، أو نقرأها في تغريدةٍ على (تويتر) مثلا، أو الـ(فيس بوك) مثلا.

عاتبتُ صديقة لي ذات عيدْ لماذا لم تبادليني تهنئة العيد، وقد اتصلت بك ولم يأتني ردك؟، فكانت إجابتها: (رسلتلك رسالة تهنئة عبر الواتس أب .. ما وصلتك)!، تألمتُ كثيرا لعلاقاتنا التي أصبحت مقرونة بـ( شويِّة) أزرار ورسالة (فور ورد) نصية.

4/ ثقافة القراءة:

في أحيان كثيرة أراود نفسي للتوقف عن فكرة الكتابة، فلا أشعر بأن أحداً لا يزال يقرأ، وحتى لا أكون ظالمة، فالقراءة الغالبة الآن، دونَ إنكارٍ لحق، هي القراءة الإلكترونية، فالكُل يقرأ من خلال الهواتف الذكية، حتى فكرة (الكمبيوتر) آخذة في التلاشي شيئاً فشيئاً، لكن شيئاً بداخلي يؤكد لي أن القراءة هي القراءة بغضِ النَظرِ عن الوسيلة، ورقية ..إلكترونية، ولكُلٍ مِزاجه الخاص في اختيار الوسيلة التي تُغذِّيه فكرياً، المُهم هوَ أن يستمر العَالمْ في القراءة، فالأمة القارئة خيرٌ وأبقى، وإن كانت تقرأ من خلال (تلفون)!.

5/ ثقافة الحب:

الثقافة التي أتعبت الكثير من البَشر وأوجعت قلوبهم، الثقافة التي كسرت القلوب وهدمت قصوراً من الأماني والأحلام ..والأوهام، الثقافة التي تجمع التناقضات، الضد و نقيضه في آن واحدْ، ثقافة الحُب الذي تلاشى، ولم يعد له مكان في الوجود. قلوبنا ما عادت تتسع لأحد، ننتظر الزلات على بعضنا البعض، حتى نبدأ بالتشهير والإساءة، ألستُم معي أن بعض الرجال يستغلون النساء بـ(اسم الحُب)، ألستم معي أن بعض القلوب ارتدت عباءة أكبر بكثير من حجمها الذي يتسع لها، وأن بعض النساء أيضا الرجل بالنسبة إليهن (بنك) مُتحرك، (جيبٌ) مليء بالفلوس فقط.ألستم معي أن الأخ ما عاد يحتمل أخيه، وأن الزوج ما عاد يحترم زوجته، وأن بعض الأبناء يتنكرون لآبائهم، وأن العكس يحصل تماما أيضاً، ألستم معي أنكم تقضون وقتا طويلا في حماية أنفسكم من مكائد زملاء العمل، وآلاف النماذج المُؤسفة حقاً..

هذا واقعنا الأليم، غير القابل للنكران، أليس الأمر كذلك؟!