القدس: فلسطين: التراشق والتوافق

في زاوية أقلام وآراء كتب محمد عبيد مقالا بعنوان: فلسطين: التراشق والتوافق، جاء فيه: لم تشهد القضية الفلسطينية منذ نشوئها، مثل ما مرت به خلال السنوات القليلة الماضية، التي كانت سنوات عجافاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، خصوصاً بعدما غرق الفلسطينيون في الانقسام على الذات، وباتوا كيانين منفصلين تسيطر على كل منهما قوة مناهضة للأخرى . انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني مطلع عام 2006 وما تلاها من فترة قصيرة لم يكمل المجلس خلالها 5 أشهر من ولايته، ومن ثم تفجر الوضع وتحول إلى صراع مرير على نفوذ مفقود وغير ذي معنى أو وزن، تحول إلى واحد من أبشع صور التشظي والتفكك، في ظل الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يوفر الفرصة السانحة، فأخذ يشن العدوان تلو الآخر، إلى أن بلغت هجمته التوسعية ما لم تبلغه على مر العقود الماضية، وباتت القضية الفلسطينية مهددة بالنسف من أسسها. رغم ذلك، ورغم أنه لم تبق عاصمة عربية رئيسية إلا وجمعت الفريقين على طاولة النوايا الحسنة، لعلها تنهي هذه الحالة الشاذة المستعصية، وتصل إلى مرحلة من توافق الحد الأدنى، بدلاً من انغماس الفريقين في حرب التراشق المتواصل والتصعيدي، إلا أن الأوضاع لم تكن تتجه إلى حل وشيك، ثم في مرحلة متأخرة جداً من عمر الانقسام المدمر، أسهمت لحظة تاريخية معينة في توافق الفريقين أخيراً، وتم تشكيل حكومة توافق فلسطينية، لكن الأخيرة ما أن أدت اليمين، حتى أطل مسلسل التراشق مجدداً برأسه، و«عادت حليمة إلى عادتها القديمة»، كما يقول المثل الشعبي. انتقل التراشق إلى مرحلة جديدة، فبعدما كان قائماً على أكثر من أساس، من بينها صراع الشرعية، أصبح مستنداً إلى جوانب مطلبية ومالية، من قبيل إعادة بناء ما دمره عدوان الاحتلال المتعاقب على قطاع غزة على مدى سنين الانقسام الثماني، وصرف رواتب لموظفي القطاع العام هناك، الذي تضخم إلى درجة لا يمكن لعاقل استيعابها، وأخيراً وليس آخراً مسألة المجلس التشريعي الذي اتفق على دعوته إلى الانعقاد، فلم تتم الدعوة، ولم ينعقد . وإذا ما تركنا كل صور التراشق المقيت، وركزنا على الصورة الأخيرة المتمثلة بمسألة انعقاد المجلس التشريعي من عدمه، فإن الواقع يؤكد أمراً واحداً، مفاده أن الفلسطيني في غنى عن هذه المؤسسة التي تفتقر إلى أي شرعية قانونية، خصوصاً وأن مدتها انتهت منذ أكثر من 4 أعوام، ما يعني أن الوضع لو كان طبيعياً، فإن الدعوة إلى انتخابات تشريعية ستكون متأخرة بما يوازي ولاية تشريعية ثانية ممتدة إلى مطلع العام الحالي، وبالتالي فإن المفترض أن يكون مجلس ثالث الآن على رأس السلطة التشريعية. على كل حال، فالوضع ليس «طبيعياً»، وللأسف يصر البعض على إبقائه كذلك، وكأنه يرى مصلحة حيوية في استمرار التراشق وتغييب التوافق، ولا مستفيد حقيقة من هذا الوضع، إلا الجانب الإسرائيلي الذي بات قاب قوسين أو أدنى من تثبيت مرحلة جديدة من احتلاله التهويدي، ويأمل لو تمتد الأوضاع على حالها أعواماً أخرى، وفي المحصلة النهائية لم يكن التوافق الأخير المعلن، إلا نقطة انطلاق جديدة لمزيد من التراشق والاتهامات المتبادلة، وإثباتاً لاستمرار حالة الانقسام، فإلى أين تتجه الأمور يا ترى؟