الدراسات الاستراتيجية الأمنية في الميزان

د. رجب بن علي العويسي –

Rajab.2020@hotmail.com

يأتي تناولنا لهذا الموضوع في ظل قراءة للتحولات الحاصلة في المنظور الفكري للمسألة الأمنية والحديث عن إنسانية الأمن في أبعادها ومعطياتها وعلاقتها بمنظومة الوعي الاجتماعي، في وقت يظهر فيه تشعب دور مؤسسات الأمن واتساع نطاق عملها وتزايد القضايا التي تبحث فيها لتتجاوز إطار عملها المعتاد المتمثل في حماية حدود الدولة وترسيخ النظام وإشاعة الأمن والأمان في المجتمع إلى أن اتخذت أبعادا أكثر واقعية ونماذج عمل ذات صلة بالسلوك اليومي للأفراد وأنماط التفاعل الحاصلة، وبمعطيات تنموية مختلفة تتعلق بالمواطنة ومنظومة الحقوق والواجبات والتشغيل وتوفير فرص العمل والالتزام المهني والاهتمام بالكفاءة الوطنية والتدريب وترسيخ أساليب جديدة في التنمية وتشجيع قيام شراكات راقية للعمل الوطني وتوفير منابر الحوار والتواصل مع الشباب وتمكينه من مواجهة اشكاليات الجريمة وتحديات الأمن الاجتماعي، والتعاطي مع قضايا الأمن الفكري والمعلوماتي والالكتروني – التي باتت الوجه الأبرز عالميا وتلقي بظلالها على دور المؤسسات الأمنية-، وتعزيز مفاهيم الإيجابية وتأطير حرية التعبير ومواجهة الفكر السلبي وتحجيم نشاطاته ومراقبته ومتابعة نمط التوجيه والخطاب الموجه للأجيال عبر وسائط التواصل الاجتماعي وغيرها.هذا التشعب في طبيعة عمل المنظومة الأمنية أوجد العديد من الفرص التي تستدعي الاستجابة لها وفق أدوات جديدة وثقافة عصرية تتواكب مع متطلبات الحالة بحيث تصل إلى المستهدفين وتتفاعل مع قضاياهم وطموحاتهم بشكل أكثر قدرة على ترسيخ معيار الثقة وحشد الشعور بمسؤوليتها واحترام ما تقوم بها من أجل التنمية والإنسان، وبالتالي الحاجة إلى تبني مداخل مبتكرة في المعالجة وأنماط جديدة في التفكير تجمع بين الشمولية والدقة والتأثير ونجاعة التطبيق، وبما يتيح فرص أقوى في التغيير الذاتي وتعديل السلوك برغبة واقتناع، وضمان قدرتها على التعامل مع التفاصيل الدقيقة الحاصلة في محيط البشر وفق أطر عمل ومحددات أداء ومدخلات تقييم وتطوير ورصد علمية مقننة ومنهجيات دقيقة ومؤشرات تنسجم مع المفاهيم الحضارية للأمن وارتباطه باستراتيجيات التنمية المستدامة وتهيئ للمجتمع فرص الاستجابة المتزنة لها في ظل وعي وثقافة راقية قادرة على إدارة التحول الحاصل في سلوك أجياله.

من هنا تأتي أهمية الاستفادة من معطيات البحث العلمي في دراسة قضايا الأمن الإنساني بما يوفر فرصا أكبر لاستدامة برامج المعالجة وفاعليتها في تشخيص الحالة الوطنية والاستجابة لمتغيراتها. ويتيح للمؤسسات الأخرى بالدولة فرص تحديد نوعية البرامج التي يتطلبها الواقع وفق اختصاصاتها، نظرا لما يرتبط بطبيعة العمل الأمني ذاته وما تتمتع به المؤسسة من سيادة في القرار وما تمتلكه من إحصاءات ومؤشرات رصد وتقييم للسلوك الاجتماعي، واستراتيجياتها القائمة على ترقية منظومتي الوقاية والعلاج بما تمثلانه من بعد استباقي ينهض بثقافة الوقاية ويترجمها في سلوك المجتمع وأبنائه، والحالة الضبطية المتوازنة التي تضع الأمور في نصابها وتحكمها بمعايير أداء وأطر عمل وقوانين وجزاءات لا يصح تجاوزها دفعا للمضرة.

وعليه فإن ما تشهده المؤسسة الأمنية الوطنية من تطور وتقدم في كل أجهزتها وتشكيلاتها وقدراتها وإمكاناتها وما توفر لها من مؤسسات أكاديمية ومراكز بحثية، معنية اليوم بترسيخ منهجيات عالمية في البحث العلمي والدراسات الاستراتيجية بمختلف مناهجها ومداخلها بما يسهم في خدمة قضايا التنمية ورصد السلوك اليومي لأفراد المجتمع ويتيح لمؤسسات الدولة مناخات أفضل في طريقة استشراف المستقبل واستخلاص سياسات تنموية أكثر استدامة وواقعية ترقى بالإنسان وتستجيب لاحتياجاته بشكل منظم وفق سياقات تتكيف مع طبيعة الحالة المجتمعية وخصوصيتها الزمانية والمكانية، فإن تأكيدنا على أهمية إنشاء كرسي وطني للبحوث الأمنية سوف يشكل منطلقا مهما يضع البحث الاستراتيجي المحك الرئيسي في بناء أي معالجة مستدامة على قواعد صلبة قادرة على تكوين بدائل ورسم سيناريوهات مستقبلية فاعلة وليس لمجرد تكهنات تقتصر على التعامل الوقتي مع الحالات الطارئة أو الجزئية، إن من شأن هذا التوجه ترسيخ ثقافة أمنية عالية نحو التعامل الإيجابي مع كل المتغيرات والتحديات، تتعاطى مع الفرص كمنهجيات عمل تستثمر لصالح البناء والتطوير وتضع الوعي الاجتماعي كمرحلة استحقاق لقياس المنجز الفكري لدى الانسان يتفاعل من خلالها مع خطط التطوير وموجهات العمل الوطنية والتطورات المعاصرة بروح متزنة وفكر مستنير واحترام للسلوك الوطني وترقيته في ذاته.