أبرز المكونات الثقافية العمانية وقدم رسالة الإخاء والسلام والتسامح –
بروناي دار السلام- محمد الحضرمي –
اختتمت أمس في بروناي دار السلام فعاليات الأيام الثقافية العمانية، وسط حفاوة رسمية وإقبال جماهيري من الشعب البروناوي والجاليات العربية والمقيمة فيها، بعد تواصل استمر خمسة أيام، وتفاعل ثقافي وفني، أبرز المكونات الثقافية العمانية التي قدمتها الأيام، ناشرا رسالة الإخاء والمحبة والسلام والتسامح، وباسطا يد العلاقة الأخوية بين البلدين، والتي بدأت منذ 30 عاما، وفاتحا من جديد فصلا من تاريخ التعاون المشترك، مؤكدا على ما شهدته السنوات الماضية من تعاون في مجال الاستثمار والتجارة والاقتصاد، وزيادة في التبادلات الثقافية والبرامج التدريبية، وحفاظها على النمو المتسارع في العلاقات الثنائية، لتكون هذه الأيام التي ترأس وفدها الثقافي والفني معالي د. عبدالله بن ناصر الحراصي رئيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، هي خير مثال على المستويات التي وصلت إليها العلاقة بين البلدين، وهذا ما أكده سعادة الشيخ حمد بن هلال المعمري وكيل وزارة التراث والثقافة للشؤون الثقافية، حيث قال: جاء تنفيذ هذه الأيام الثقافية بناءً على مذكرة تفاهم بين السلطنة وبروناي، التي تنص على التبادل الثقافي.
الكتاب العماني في بروناي
وأضاف أيضا: نوجه الشكر لسفارة السلطنة في بروناي، على التسهيلات التي قدمتها، والخدمات والتعاون التي بذلت لإنجاح هذه الأيام الثقافية، ونشيد بالجهد الذي قامت به وزارة الثقافة والشباب والرياضة في بروناي دار السلام، وتسهيلهم إنجاح الأيام، وكلمة شكر أيضا نوجهها لكل المؤسسات العمانية المشاركة، وجميع الزملاء الذين بذلوا جهدا من أجل تحقيق الأهداف التي سعت إليها الأيام.
وقال سعادته أيضا: بعد أشهر قادمة ستكون لنا مشاركة في معرض كتاب بروناي دار السلام، وذلك بعد نجاح تجربة مشاركتنا الأولى في هذا المعرض، والتي كانت خلال شهر ابريل من هذا العام، وبلا شك فإن مشاركتنا القادمة سنستفيد فيها من اللوائح والبوسترات والديكورات التي شاركنا بها في هذه الأيام، على أمل أن ننظم في معرض كتاب بروناي جناحا متميزا للسلطنة، وهي أول دولة عربية تشارك بصفة رسمية في هذا المعرض.
أيام وأهداف متحققة
ومن جهته قال سعادة الشيخ أحمد بن هاشل المسكري سفير السلطنة في بروناي: لقد أوصلت الأيام الثقافية العمانية في بروناي دار السلام، الإرث الثقافي العماني ورسالة عمان المعاصرة إلى هذا البلد الصديق، رسالة تدعو الى التسامح واحترام التنوع الثقافي لدى الآخرين، ومن الواضح أن الشعب البروناوي المسلم شغوف بمعرفة مكونات الثقافة العمانية، وتاريخ عمان العريق، ونهضتها الحديثة، يكنُّ هذا البلد كثيرا من التقدير للسلطنة قيادة وشعبا، وهناك كثيرا من السمات المشتركة، التي تربط البلدين الصديقين، والدليل الجلي إلى ذلك ما نسمعه في كل محفل عن عمان من تقدير وإطراء، وتعلقهم بكل جديد يتعرفوا عليه عن عمان.
اتسمت العلاقات بين البلدين بالاستقرار والأمن والطمأنينة والتحاب، وكان ذلك واضحا من خلال ما الصفات المشتركة بين الشعبين، والعلاقات القائمة منذ زمن طويل، وهو ما انعكس على الاهتمام الكبير من قبل زوار المعرض، على ما قدمه المشاركين من منتجات ومعارض مختلفة وفنون شعبية جميلة.
وأضاف سعادته: بمناسبة ختام الأيام الثقافية العمانية في بروناي دار السلام، أغتنم الفرصة لأتقدم بالشكر الجزيل إلى وزارة التراث والثقافة، وكافة المؤسسات الحكومية والأهلية في السلطنة، التي ساهمت في إنجاح هذه التظاهرة الثقافية المتميزة، وحققت أهدافها المرجوة من إقامتها ولله الحمد والشكر، خاصة وأن الثقافة تمثل الرسالة الحقيقية والبارزة لأي بلد.
استراتيجية عمل ثقافية
وتحدث يوسف بن ابراهيم البلوشي مدير عام المنظمات والعلاقات الثقافية بوزارة التراث والثقافة، بمناسبة ختام هذه الأيام حيث قال: لقد انتهت بنجاح، وساهمت عدة عناصر في تحقيقه، أبرزها عمق الثقافة العمانية، فهي أينما حلت تعطي انطباعا، وتثري المكان الذي تتواجد فيه، ونحن في وزارة الثقافة حاولنا أن نختزل وجود أهم المفردات الثقافية التي تمثل الحراك الثقافي العماني، لنقيمها ونقدمها خلال هذه الأيام، وأتصور أن الفعاليات التي كونت البرنامج كانت موفقة إلى حد كبير، فقد تلمست وتابعت بنفسي إشادة من كثير من المسؤولين، ومن الجمهور الذي كان يأتي إلى مقر فعاليات الأيام، بهدف التعرف عليها والتعايش معها، فالحمد لله فقد حققت أيامنا هدفها المنشود.
وأضاف أيضا: نناظر باهتمام أن نمضي قدما لتحقيق أهداف الأيام إلى ما بعد مدة إقامتها، مع التركيز على استراتيجيتها القادمة وآلية العمل، نحن سنركز على التفاعل الحيوي لما بعد مدة هذه الأيام، التي تعتبر جسرا موصلا إلى المرحلة القادمة، وهي مهمة في عملية فتح النوافذ الثقافية مع الجانب البروناوي، الآن وضعنا خطوطا واضحة، واستراتيجية عمل مع الجانب الرسمي في وزارة الثقافة البروناوية، لكي نستمر في برنامج تنفيذي، ستشهده المرحلة القادمة، منها تبادل الزيارات، وإقامة المعارض في كلا البلدين، وثمة مشاريع خاصة تتعلق بالبنى الأساسية، حيث سنستفيد من التجارب البروناوية في إدارة المسارح والسينما، ولديهم خبرة في ترميم المعالم الأثرية، بالإضافة إلى ذلك فإن الجانب البروناوي يرغب في الاستفادة من تجربة السلطنة، التي لها تجربة ثرية في مجال الترميم، وحفظ المخطوطات ومجال تنظيم المتاحف والمعارض.
كما تحدث عن تجربة الأيام الثقافية القادمة، والتي ستقام في البرازيل، مؤكدا على شمولية المعارض وتنوعها، كما سنركز على الثقافة البصرية والسمعية والأدائية والنشاط الفكري، وسيكون للسينما والمسرح نشاطا بارزا، وتقديم أمسيات أدبية، مع مصاحبة فرقة للفنون التقليدية، ومعارض حية مباشرة، لتكون خير من يبرز ثقافتنا العمانية.
وسيلة للتعبير عن الروابط
ومن بين المشاركين يتحدث د. ابراهيم بن حسن البلوشي رئيس التحقيق والحفظ بدائرة المخطوطات بوزارة التراث والثقافة، عن انطباعه حيث قال: إن الأيام الثقافية أفضل وسيلة للتعبير عن الروابط المشتركة بين الدول، وبمداولة ثقافة دولة ما مع دولة أخرى، لقد تعرفنا على أخلاق الشعب البروناوي، وتأكد لنا أن طباعه مشابهة مع الشعب العماني من حيث حسن المعشر وكرم الضيافة، والترحيب بمن يأتيهم من خارج بلدهم، واستفدنا منهم حب الحفاظ على الهوية الإسلامية، ووجدنا منهم العناية الرسمية الكبيرة بحفاظ القرآن الكريم، حتى أن حفلات التخريج ترعاها شخصيات رسمية كبيرة في بروناي. وكذلك لمسنا منهم الحرص على تعلم الثقافات الأخرى، وأخذ المفيد منها، كان بعضهم يسألنا كثيرا عن حاجات كانت خافية عليهم، مثل كيفية استخدام السعف في الصناعات الحرفية، فبالنسبة لهم شيء جديد، ومن المعروف أن بروناي لا ينمو فيها النخيل، ولكن لديهم شجرة النارجيل، لذلك لما أن تعرفوا على الصناعات الحرفية تولدت لديهم ثقافة جديدة في استخدام سعف النخيل.
وفيما يتعلق بالفضيات، لمسنا منهم اعتناءهم بالفضة وحبهم لها، ومن الأمور التي استفدناها أيضا أن تعرفنا على أشخاص جمعوا في الوظيفة بين الدولتين، فهناك من كان يعمل في السلطنة، والآن يعمل في بروناي، وقد استفاد من خبرة العمل في السلطنة، والآن يستفيد من خبرة العمل في بروناوي، هنالك عوامل مشتركة.
ويمكن القول إنهم أحباب عمان، فبعد غياب طويل عن عمان، أتوا إلى المعرض للتعرف على عمان من جديد، ونبش ذكرياتهم الجميلة حين كانوا مقيمين فيها، بل إن بعضهم رأيناه يلبس الزي العماني، فهي إذن دروس كثيرة مستفادة من هذه الأيام.
وقال أيضا: لقد تعرفنا على مدرِّسين ومقرئين للقرآن الكريم بالقراءات القرآنية المختلفة، فقد لفت انتباههم المصحف القرآني الشريف، الذي تشرف برسم حروف آياته الخطاط العماني عبدالله بن بشير الحضرمي من فقهاء القرن 12 الهجري، ناشدوا أن يكون هذا المصحف عالميا، غير محصور أو محتكرا لعمان فقط، فهذا مشروع عالمي، حتى أن بعضهم أبدى اقتراحات بطباعته بطريقة مناسبة، ونشرها في جميع العالم، لأنه يحمل رسالة وهي مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني من الناحية الكتابية والهندسية، لم يتم إبرازها بصفة عالمية، ولدينا بفضل الله نسختين من هذا المصحف الشريف بخط الشيخ بشير، كتب النسخة الأولى في عام 1157هـ وهذه النسخة موجودة في مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، ونسخة أخرى أقدم منها، موجودة لدى محفوظات وزارة التراث والثقافة، وكلاهما بالأسلوب نفسه، لكن الأصح من بينهما ما نسخه الشيخ بشير في عام 1148 للهجرة.
اكتشاف عمان من الوثائق
ويعبر الخليل بن ابراهيم الراشدي، من هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، يقول: إن الإقبال كان جيدا، والعرب المقيمين هنا من الجزائر والسودان والمغرب قد أتوا لزيارة المعرض، واكتشاف عمان، خاصة وأننا عرضنا صورا وخرائط قديمة، توضح عمان في فترات تاريخية مختلفة، بالإضافة إلى الوثائق التي أبرزت علاقات عمان القديمة مع الدول الكبيرة، مثل بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وغيرها.
ويضيف: إن الزوار البروناويين اندهشوا حين تعرفوا على مفرداتنا الثقافية، مثل تطور الوثيقة في عمان، مثل الاجراءات الطبية المستخدمة في السلطنة عام 1927م، والقانون الجمركي عام 1930م، والدليل السياحي الذي يبرز تطور زنجبار في عام 1949م، الذي تم إعداده خلال فترة السلطان خليفة بن حارب البوسعيدي، دليل سياحي يظهر أسماء شوارع زنجبار، وأسماء الشوارع وتفاصيلها.
دورة في كتابة الخط العربي
وكان لركن الخطاط محمد بن راشد الشعيلي، تفاعلا من قبل الجمهور الذي زار المعرض، كان كل واحد منهم يحرص على أن يخرج بورقة مكتوب فيها اسمه واسم عائلته، وكل يوم يخط الشعيلي ما لا يقل عن 200 ورقة، وأقام الخطاط ورشة تدريبية، قام خلالها بالتعريف بأساسيات الخط الديواني وطريقة إمساك القلم وطريقة البَرْي، والأدوات التي يستخدمها الخطاط في الكتابة. يقول الشعيلي: استفدت من أقلام الجاوي التي حصلت عليها من الخطاطين في بروناي، وهو يصنع من شجرة تنمو في مدينة جاوا بأندونيسيا، وتتميز أعوادها بالصلابة، ويمكن الكتابة بها فترة أطول، ما لو استخدم الخطاط قلما آخر، أما بالنسبة للقلم العماني فهو قلم هش، لا يصلح للمبتدئ، لأنه يحتاج إلى قلم صلب وليس هشا، والبعض جرَّب استخدام قصب شجرة الشريش للكتابة، لكنه يحتاج إلى سنفرة، بالورق الشامي وهو ورق يستخدم لتنعيم حواف الأقلام الخشبية، حتى لا يؤثر على الورق. وأكد أن ثمة تفاعل مع الحضور، فقد كانوا يستفسرون عن الحبر العربي، فهنا الأحبار غير متوفرة لأنها غالية الثمن، وتعرفت على تركيبة أسمائهم، وكما لاحظت فإنها أسماء طويلة، وكتابتها تأخذ وقتا طويلا. ومن وزارة الإعلام عبر راشد بن خميس الراسبي عن أن المعروضات لاقت إقبالا من قبل الاختصاصيين، كالأكاديميين وطلاب المدارس، والعامة من الناس، للتعرف على مجالات التطور في السلطنة، لفت نظرهم انطلاقة التنمية، كانت أسئلة الحضور دائمة ومتواصلة، تبحث عما يجري في عمان. ويشاركه موسى الحسني من وزارة التراث والثقافة بالانطباع ذاته، حيث أكد على تفاعل الزوار مع الأيام الثقافية.
الأيام جاذبة للحضور
جدير بالذكر أن الأيام الثقافية شهدت إقامة العديد من الفعاليات الثقافية، أبرزها الندوة التي أقيمت في جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية، وشارك فيها سعادة السفير الشيخ أحمد المسكري سفير السلطنة المعتمد لدى بروناي، حيث قدم ورقة حول العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، كما قدم الكاتب حسين العبري ورقة حول التسامح في عمان، وقدم نور جزمي وكيل الوزارة للثقافة ببروناي ورقة حول آفاق العلاقات الثقافية بين السلطنة وبروناي دار السلام. وفي المعرض الكبير الذي أقيم في القاعة الكبرى بالمركز الدولي للمعارض والمؤتمرات، أقيمت معارض تشاركت في تنظيمها مؤسسات عمانية، كوزارة التراث والثقافة، ووزارة الإعلام، ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ووزارة السياحة، والهيئة العامة للصناعات الحرفية، وهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، لتقدم أجنحة خاصة بالإصدارات والكتب العمانية، معرفة بالصناعات الفضية والسعفية والأمكنة الثقافية، والمخطوطات العمانية، وغيرها من المفردات الثقافية.
وعلى صعيد الفنون التقليدية قدمت فرقة البشائر التقليدية من ولاية السويق عروضا فنية تقليدية راقصة، أقامتها في مقر إقامة الأيام، وأماكن أخرى متفرقة من العاصمة البروناوية، شدت انتباه الناس، وتعرفوا على بعض الأنماط الموسيقية التقليدية العمانية، وفي هذا الصدد تحدث جمعة بن سالم الحوسني رئيس قسم الفنون التقليدية بوزارة التراث والثقافة، إن القسم استعد لتقديم الفنون التقليدية، وتخاطب مع هذه الفرقة، حيث بذلت جهدها وقدمت أنماطا موسيقية جميلة، أبرزت الثوب النسائي العماني من مختلف محافظات السلطنة.


