هاجس الغرب من انتشار الإرهاب في بلادهم –
القاهرة – (اينا): اختلف الغرب كثيراً على إيجاد تعريف محدد لكلمة «الإرهاب» ولكنهم اتفقوا على شيء واحد وهو أن أي إرهابي «يجب أن يكون مسلم»، وأن الدين الذي في مجمله يدعو إلى التسامح والإخاء والتعايش السلمي أصبح من وجهة نظرهم هو السبب في أعمال الإرهاب والتطرف، متجاهلين حقيقة أن الدول العربية الإسلامية هي أكثر الدول التي تعاني من الإرهاب والتطرف، وأنها الضحية الأولى لأعمال الإرهاب.الدكتور سالم عبدالجليل وكيل أول وزارة اﻷوقاف اﻷسبق وأستاذ الثقافة اﻹسلامية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا يوضح في حواره مع وكالة (إينا) أن الآلة الإعلامية اليهودية تستغل الأعمال الإرهابية لتشوية صورة الإسلام، مسلطا الضوء على أهمية المواجهة الفكرية للإرهابيين، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الوقت الحالي يحتاج إلى القوة نظرا للتوغل الكبير للعناصر الإرهابية.
وكشف الدكتور عبدالجليل عن غياب دور المؤسسات التعليمية والدينية واعتبره من فتح الطريق أمام انتشار الفكر الإرهابي، متهما الغرب بأنهم المتهم الرئيسي في ظهور المنظمات الإرهابية، رافضاً تحميل الربيع العربي مسؤولية ظهور الجماعات الإرهابية كما يردد البعض.
الإسلام مليء بالعديد من الظواهر التي تؤكد على نبذ العنف والتطرف والإرهاب واحترام حقوق الآخرين.
في وجهة نظر فضيلتكم لماذا دائما يتم ربط الإرهاب بالإسلام؟
النصوص الواردة في نبذ العنف كثيرة سواء في القرآن الكريم أم في السنة المطهرة.. ويكفي قول الله تعالى : «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» وقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ما كان الرفق في شيء إﻻ زانه، وما نزع من شيء إﻻ شانه) وسماحة النبي -صلى الله عليه وسلم- ورفقه ظاهر في مواقف أكثر من أن تحصى ويكفي موقفه من مشركي مكة، وقد فتحها الله عليه، ومكنه من رقابهم فقال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء، ومع ذلك يحلو للكثيرين ربط العنف باﻹسلام.. كأن اﻹسلام دين إرهاب!والسبب في ذلك هو خوف ساسة الغرب من انتشار اﻹسلام وتغير المعادلة في بلادهم… ومنحت تصرفات بعض المنتسبين إلى اﻹسلام ساسة الغرب فرصة ذهبية للترويج لفكرة ارتباط العنف باﻹسلام.. وانطلقت آﻻتهم اﻹعلامية لتروج لهذا بقوة وتسلط الضوء على أعمال إجرامية يقوم بها بعض الجهال من المسلمين وينسبونها إلى الدين.. إضافة لهذا فإن احتلال اليهود للقدس وارتكاب مجازر بحق الشعب الفلسطيني.. وعدم وجود حريات بالقدر الكافي وعدم ممارسة الديمقراطية في الكثير من البلاد اﻹسلامية، وعدم وجود عدالة اجتماعية، كل هذه اﻷشياء يستغلها المغرضون لتجنيد شباب للقيام بأعمال عنف ويلبسونها بلباس الدين (ظلماً وعدواناً) لتكون لها قدسية.
هل نحتاج إلى جولات تثقيفية بالدول الأوروبية لتوضيح مبادئ الإسلام السمحة؟
الجوﻻت التثقيفية في الغرب لتوضيح مفهوم اﻹسلام الصحيح مهمة، ويجب أن تكون مستمرة وبتنسيقٍ دائمٍ بين المؤسسات الدينية المختلفة، كاﻷزهر الشريف ورابطة العالم اﻹسلامي… إلخ، لكن ﻻ جدوى منها مع وجود منظمات إرهابية تقتل وتذبح باسم اﻹسلام؛ لأن اﻵلة الإعلامية اليهودية والعالمية تسلط الضوء على العمليات الإرهابية وتعطيها مساحة كبيرة، في حين لا تعطي أية مساحة للصوت الذي يستنكرها..بل يبدو لكل عاقل أن الغرب هو المتهم الرئيسي في إيجاد وصناعة هذه المنظمات لتحقيق أهداف دينية وسياسية واقتصادية.
هل الدور الذي تقوم به المؤسسات الدينية مثل وزارة الأوقاف والأزهر الشريف قادر على مكافحة الفكر المتطرف؟ وما تقيمكم لهذا الدور؟
بالقطع، هو غير كاف، ﻷسباب عديدة أهمها: الضعف الذي تعاني منه المؤسسة.. فقد أصابها الضعف نتيجة الترهل وضعف اﻹمكانات، ووضح هذا جلياً في ضعف مستوى خريجي اﻷزهر.وعدم قدرة اﻷوقاف على السيطرة على عشرات اﻵﻻف من المساجد، اللهم إلا بسن تشريعات وقوانين لا تنفذ في الغالب إضافة لهذا أن اﻹعلام هو المؤثر اﻷكبر في ثقافة اﻷمة… واﻷزهر ليس لديه آلة إعلامية أو على اﻷقل لم يستغل ما لديه من وسائل إعلامية لنشر الفكر الصحيح في الداخل والخارج.
كيف تمكنت الأفكار الهدامة من الانتشار بهذا الشكل الواسع بالوطن العربي؟
في غيبة دور المؤسسات التعليمية والدينية ﻻ بد أن يملأ الفراغ.. وهذا ما حصل بالضبط، فالتيارات الدينية المختلفة أبدعت في الوجود بين الناس على اﻷرض، تشاركهم في المناسبات، تقف بجوارهم في الملمات، تؤسس ﻹعلام خاص بها دخل كل بيت في كل نجع وقرية ومدينة، بينما كانت المؤسسة الدينية والتعليمية واﻹعلامية الرسمية غائبات عن المشهد.
هل المشاكل الاقتصادية وزيادة نسبة الأمية والبطالة في قطاع الشباب هو ما يزيد من حدة مشكلة التطرف؟ وكيف يمكن حماية الشباب من هذا الفكر المتطرف؟
بالقطع، نعم، فاستغلال حاجة الفقير للمال من جانب وجهله من جانب آخر، وشعوره بالتهميش والظلم من حكوماته، طرق سهلة لبث أية أفكار وإقناعه بها.
هل الحل الأمني فقط هو السبيل الوحيد للقضاء على الإرهاب؟ أم هناك طرق أخرى؟
الواقع أن التطرف نابع من فكر.. والفكر ﻻبد مواجهته بالفكر، لكن ما دمنا تأخرنا في مجابهته بالفكر، حتى تطور وصار حاملاً للسلاح مهدداً للأمن فلابد من مواجهته أمنياً.. على أن تكون المواجهة اﻷمنية لقطع ذراعه التي يقتل بها الناس… فهو مطلب آني… لكن المواجهة الفكرية ﻻبد أن تكون مستمرة.
الكثيرون يحملون ثورات الربيع العربي مسئولية ظهور الجماعات المتطرفة التي تتصدر الأحداث حالياً.. ما وجهة نظركم؟
هذا من وجهة نظري غير صحيح، فوجود الجماعات المتشددة قد مر عليه عشرات السنين، لكن الثورات ساعدت على تغلغله داخل المجتمع.
هل مكافحة الفكر المتطرف والإرهاب تتطلب موارد مادية هائلة، أم ما نشهده حاليا هو نتيجة لسوء التخطيط والإدارة؟
المسألة ليست الموارد التي نحتاجها لمجابهة التطرف ، لكنها في إزالة أسبابه، وقد سبقت اﻹسلامية إليها، وﻻ شك أن إزالة اﻷسباب تتطلب جهوداً كبيرةً من الدولة والمجتمع المدني.
المناطق الفقيرة والحدودية تعتبر من أكثر المناطق التي ينتشر بها الفكر المتطرف.. كيف يمكن احتواء تلك الفئة من المجتمع وضمها إلى النسيج الوطني؟
طبعا، انتشار التطرف في اﻷماكن اﻷكثر فقراً واﻷبعد عن رؤية الدولة واهتمامها أمر ملاحظ ومشاهد؛ ﻷنه يسهل استقطاب الشباب في هذه المناطق لارتكاب أعمال عنف، ويسهل غسل أدمغتهم باسم الدين أو شرائهم بالقليل من المال الذي هم أنس حاجة إليه، خاصة عندما لا يكون لديهم شيئ يخافون على خسارته، وأمامهم بديل للحياة القاسية التي يحيونها بحياة رغدة في الجنة حيث الحور العين، واحتواء هذه الفئة يكون بتكاتف جميع مؤسسات الدولة بلا استثناء لتحقيق حياة الكفاية لكل أبناء المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية وإيجاد فرص عمل للشباب، إلخ مع التأكيد على دور التعليم واﻹعلام في محو اﻷمية ونشر القيم واﻷخلاق النبيلة، التي تحث على التعايش المشترك واحترام المختلف سياسياً أو دينيا.


