محمد بن أحمد الشيزاوي –
shfafiah@yahoo.com –
قبل أقل من سنتين كانت هناك تصريحات متفائلة باستقرار أسعار النفط فوق مستوى الـ 100 دولار للبرميل، وفي ذلك الوقت ظهر لنا كثير من الخبراء الذين يجزمون بأن أسعار النفط لن تهبط دون ذلك وإنما هي مرشحة للصعود فوق مستوى الـ 120 دولارا للبرميل، واليوم منذ أن تراجعت أسعار النفط دون الـ 80 دولارا للبرميل خرج لنا الخبراء بتوقعات متشائمة يتم تخفيضها كلما اقتربت الأسعار من سقف محدد حتى وجدنا من يقول إن الأسعار سوف تهبط إلى ما دون الـ 40 دولارا، ومثلما رسم أولئك مستقبلا ورديا لأسعار النفط حتى تناسينا وضع خطة واضحة لتنويع مصادر الدخل يرسم لنا هؤلاء مستقبلا قاتما ومتشائما وضبابيا وهو ما ظهر جليا منذ مناقشات مجلس الشورى للموازنة العامة للدولة للعام المقبل وانعكس بشكل واضح على سوق مسقط للأوراق المالية التي خسرت (1.5) مليار ريال عماني من قيمتها السوقية خلال أقل من شهر وهو ما يعني تكبّد الكثير من المستثمرين الأفراد والصناديق والشركات الاستثمارية والشركات المدرجة خسائر كبيرة مع هبوط الأسعار دون مستوياتها قبل عام وهذه الخسائر سوف تؤثر – دون شك – على استثمارات هذه الشركات وأولئك الأفراد في الاقتصاد الحقيقي.
ورغم أن تراجع أسعار النفط يعد السبب الرئيسي في الهبوط الذي شهدته أسعار الأسهم وفي موجة التحليلات لاتجاهات الأسعار وانعكاساتها على اقتصاد السلطنة التي يمثّل النفط حوالي (76%) من إجمالي إيراداتها (وفقا للحساب الختامي للدولة لعام 2013م) إلا أنه كان يمكن تقليل حجم التأثيرات السلبية على سوق مسقط للأوراق المالية من جهة وعلى توجهات المستثمرين للاستثمار في السلطنة من جهة ثانية إذا وثقنا بقدراتنا على مواجهة تحدي تراجع أسعار النفط بثقة أكبر مما حدث، أما عندما نعتقد أننا في “وضع صعب” وأننا في “أزمة حقيقية” فإن هذا الاعتقاد هو المشكلة الحقيقية التي علينا مواجهتها، ولا يخفى على أحد أنه عندما تهبط الأسواق نكون أكثرها هبوطا وعندما ترتد صعودا نكون أدناها في الصعود، وهو ما يفسر من وجهة نظرنا أن الخطوات التي نتخذها لمواجهة تراجع أسعار النفط دون مستوى الطموح.
وعندما نمعن النظر في التصريحات والبيانات الصحفية التي صدرت منذ مناقشة مجلس الشورى للموازنة العامة للدولة وحتى قبيل تصريح صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء يوم الأحد فإننا نجد تركيزا كبيرا على تقليص الإنفاق دون النظر إلى أن المهم هو زيادة الإيرادات حتى تستطيع السلطنة تحقيق النمو الذي تنشده في مختلف القطاعات. صحيح أن بعض بنود الإنفاق غير ضرورية وأن بعض المشروعات لا داعي لها وأن المصروفات الجارية تستنزف الكثير من الدخل إلا أن هذا لا يعني أن تقتصر معالجتنا للتراجع المتوقع في أسعار النفط على تخفيض الإنفاق الحكومي حتى يصل الحال لدى البعض إلى المطالبة بإيقاف التوظيف في القطاع الحكومي وتقليص الإنفاق على قطاعات حيوية كالتعليم والصحة وفرض ضرائب جديدة وتقليص الدعم للسلع الأساسية والكهرباء والمياه والوقود، مع أن هناك الكثير من الحلول التي تجعل اقتصادنا أكثر قدرة على مواجهة تحديات تراجع أسعار النفط وأكثر قدرة على توفير فرص العمل أمام الشباب وذلك لا يمكن أن يتحقق إلا عندما نتيح لاقتصادنا أن ينمو دون معوقات ودون اشتراطات وعندما تعمل مختلف الجهات الحكومية وفقا لهدف واحد ورؤية مشتركة.
إن ما تشهده أسعار النفط من تراجع ليس هو الأول الذي تواجهه السلطنة، وقد تمكنّا في السابق من تجاوز الكثير من التحديات والصعوبات، ونعتقد أنه من واجب المسؤولين بثّ روح العزيمة في المجتمع وتحديد هدف واضح ورؤية مشتركة للمرحلة المقبلة تنطلق من الثوابت التي وضعها جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه وأعاده إلينا موفور الصحة والعافية – منذ خطابه الأول إلى الشعب في 23 يوليو 1970م عندما قال: “كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة وإن عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى”، هذه هي الرؤية التي نعتقد أن علينا أن نستشعرها ونحن نحدد أهدافنا ورؤيتنا لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
ونعتقد أن تصريح صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد أمس الأحد أن “الإجراءات التي ستتخذها السلطنة لمواجهة تراجع أسعار النفط روعي فيها عدم التأثير على التعمين والتوظيف ومستحقات الموظفين والجوانب الحياتية للمواطنين” سوف تعيد التوازن الذي نحتاج إليه خلال المرحلة المقبلة كما يمكن اعتبارها بداية مرحلة جديدة في تنويع مصادر الدخل الوطني.


