طلال أبو غزالة في حديث لـ« عمان »: المستقبل لمن يصنع المعرفة والثروة الحقيقية في الاختراعات الرقمية

حوار- نوال بنت بدر الصمصامية –


أكد سعادة الدكتور طلال أبو غزالة رئيس المنظمة العربية لشبكات البحث والتعليم وضمان الجودة أن التحول إلى المعرفة هو الطريق الوحيد في المستقبل لصنع الثروة ورفاهية وأمن شعوبنا العربية.

وقال أبو غزالة في حوار مع «عمان»: «إنني لا بالغ إذا قلت: إن المعرفة يجب أن تكون ركنا أساسيا في استراتيجية الأمن القومي العربي فهي ليست فقط الطريق إلى الثروة وإلى الرفاهية بل هي الجدار المانع والسلاح الأقوى في وجه الإرهاب والتطرف».

مشيرا إلى أن الحركات الارهابية تدرك قيمة المعرفة وأهميتها في حياة الشعوب ولذلك فهي تسعى إلى منع المعرفة وحجبها عن الناس.

وفي رده على سؤال حول إمكانية عزل الجامعات أو تسويرها في أماكن خاصة منعزلة عن المدن. ذكر أبو غزالة أنه لحظة دخوله إلى جامعة هارفارد الأمريكية لإلقاء محاضرة حينها كان يبحث عن مدخل الجامعة، حيث لا مدخل خاص لها ولا أمن يراقب الطلبة الداخلين والخارجين كما أن الجامعة وسط مبان كبيرة.

وأوضح أنه من خلال هذا الموقف أدرك ضرورة هدم أسوار الجامعات وحذف ما يسمى «بالحرم الجامعي» أي أنه إذا كان الهدف من السور هو حماية الطلبة من المجتمع الخارجي فما يطالب به هو العكس حتى تصبح الجامعة جزءا من المجتمع الخارجي.

وأكد أبو غزالة أن إلغاء كلمة «سور» أو «حرم» هي بداية الخروج من الانعزال عن المجتمع أو العالم ويجب أن تجمع الجامعات من خلال الربط التقني، كما أن الجامعة هي جزء من المجتمع ويجب أن تبقى كذلك أما إذا كان الموضوع أمنيا فأنا لا أفهم كيف الجامعة هي أهم من البنك المركزي الذي ليس له حرم فبالتالي نظرية الحرم هي أصلا غير ضرورية كما أن استعمال كلمة الحرم هل يمكن أن تصح في هذا الموضع؟ لأنه ليس هناك حرمة. وإلغاء كلمة «سور» أو «حرمة» هي بداية الخروج من الانعزال عن المجتمع أو العالم ويجب أن تجمع الجامعات من خلال الربط التقني.


بداية الربط التقني


وعن بداية الربط التقني، قال رئيس المنظمة العربية لشبكات البحث والتعليم وضمان الجودة: الربط التقني بدأ منذ 10 سنوات عندما استدعاني الاتحاد الأوروبي لألقي محاضرة حول البنية الأساسية للبحث العلمي واشتكى ممثلو الاتحاد الأوروبي بأنهم منذ سنوات وهم يتحاورون مع الدول العربية الوسطى وأنه لم يتحقق نجاح مرض فكان جوابي لهم: إن الأسلوب الذي تعامل به الاتحاد الأوروبي خاطئ لأنه كان يريد أن يربط كل دولة أو جامعات كل دولة مع الجامعات الموجودة في أوروبا فقلت لهم لماذا لا تتعاملون معنا كما تتعاملون مع بعضكم كاتحاد أوروبي؟ ان في الاتحاد الأوروبي شبكة في الجامعات الأوروبية وأنا ارى ان الاسلوب الصحيح هو إنشاء شبكة للبحث العلمي تربط المؤسسات العلمية وهذه الشبكة بدورها تتعامل معكم في الاتحاد الأوروبي اي شبكة تجاه شبكة. فقالوا له: هل أنت مستعد ان تتعاون معنا على هذا الأساس؟ فقلت: لست مستعدا بل متحمسا لأنه بالنسبة لي الوطن العربي ليس فقط دول البحر المتوسط بل دول الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون فأنا أريد أن نقيم هذا المشروع على اساس اقليمي عربي وتعريف الاقليم العربي هو الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، وبالتالي وقعنا اتفاقية نحن مجموعة طلال ابو غزالة مع المفوضية الأوروبية لتحقيق هذا الهدف وبدأنا نعمل بتمويل مشترك من الاتحاد الأوروبي ومن مجموعة طلال ابو غزالة، والحمد لله وصلنا الآن الى مرحلة أننا انجزنا خط البنية الأساسية للبحث اللازمة في ذلك قمنا بشراء خط انترنت مباشر ليربط المنطقة بنقطة الاتصال في لندن ومنها نرتبط مع مراكز الأبحاث في أوروبا وأمريكا.

وتابع أبو غزالة قائلا: إننا في الوطن العربي بحاجة ماسة إلى موضوع البحث العلمي وأقول بكل أسف إن نسبة الاستثمار في البحث العلمي في الدول العربية هي الأدنى في العالم وفي أي منطقة في الدنيا وهذا ما لا يليق في أي أمة عظيمة وعريقة كانت في أساس العلوم والأبحاث وانتجت الأسس والحضارة والتطور في العالم وبالتي نحن نسعى من خلال هذا المشروع الى تشجيع البحث العلمي. ودعيني انتهز هذه الفرصة واقول: نحن الآن في حوار مع الاتحاد الأوروبي لننتقل الى المرحلة الثانية، حيث تمثلت المرحلة الاولى في وضع الاسس والبنية الأساسية الاتصالية والبحثية في اجتماعنا مع ممثلي الاتحاد الأوروبي في السلطنة، واتفقنا أن يكون برنامجنا للسنوات العشر القادمة عمل برنامج لتوجيه البحث العلمي إلى الاختراعات الرقمية او المعرفية، المستقبل هو لصنع الثروة من خلال صنع المعرفة.


أثمن العلامات المعرفية


وحول أثمن العلامات المعرفية والتجارية قال أبو غزالة: إن أغلى وأثمن أسماء او علامات تجارية في العالم اليوم هي العلامات المعرفية مثل جوجل وعلي بابا وياهو وفي مقدمتها أبل التي هي اعلى قيمة لإسم تجاري في العالم وتقدر قيمة العلامة للاسم التجاري فقط وليس لشركة ابل بــ120 مليار دولار وقد حلت هذه بدلا من الشركات الصناعية والتجارية والمالية التي كانت اغلى واثمن العلامات التجارية في العالم. أما اكبر الشركات التجارية في العالم فهي جوجل.

وأضاف أبو غزالة: إن أغلى وأثمن المؤسسات او الشركات لم يعد بنكا ولا شركة نفط ولا شركة صناعية وهذا يدل على ان المستقبل لمن يصنع المعرفة وان الثروة الحقيقة هي من خلال صنع المعرفة والاختراعات المعرفية مثل «الفيس بوك» و«السكايبي» و«الويندوز» و«ياهو» وغيرها وهذه الاختراعات هي الأثمن في العالم الآن وبالتالي فخطتنا الحالية ان نجعل السنوات العشر القادمة عقد اختراع المعرفة الرقمية اي اختراعات من امثال ما ذكرت من قبل مخترعين عرب وان يكون استثمارنا المشترك موجها لتشجيع الشباب كأمثالهم من الشباب في العالم المبدعين والمخترعين ليصبح موطننا في الوطن العربي موطنا لاختراعات المعرفة وهذا يجعل منا دولا غنية وشعوبا منفتحة.

وقال رئيس المنظمة العربية لشبكات البحث والتعليم وضمان الجودة: اود ان اعطي مثالا على ما اقول فنلندا عدد سكانها حوالي 7 ملايين انسان وهي ليست فيها اي موارد طبيعية او نفطية او اي نوع مهم في هذا العصر ومع ذلك اذا قارناها بدول عربية من عدد السكان نفسه او قريب من هذا العدد نجد المفارقة الكبرى بأن دولة عربية بظروف وعدد سكان فنلندا نفسها ناتجها القومي او المحلي فيها لا يزيد عن 30 مليار دولار سنويا في حين ان الناتج المحلي بفنلندا التي هي في مواصفات مشابهة للسكان والثروة الطبيعية نجد ان الدخل المحلي فيها هو 170 مليار دولار لماذا؟ لأن فنلندا فيها مجتمع يصنع المعرفة ويخترع ويبيع المعرفة إلى منطقتنا التي حتى الان لم تتحول الى مجتمعات رقمية وتصدر المعرفة بالشكل الذي يليق بقدراتنا الكامنة.

وشدد أبو غزالة على اهمية التوعية وتوجيه الأبناء إلى المعرفة والاختراع حيث إن مستقبل الثروة لن يكون الا من خلال المعرفة وتقدمها أساس تقدم أي بلد، والمطلوب منا الآن هو التوعية وتوجيه الأبناء وتوعيتهم نحو المعرفة والاختراع، ذاكرا حكاية الطفلين اللذين درسا وتخرجا من جامعة امريكية وبحثا عن وظيفة ولم يجداها وقررا ان يعملا على جهاز الحاسوب « نظام الياهو» وفي ذاك الوقت لم تمولهما دولة ولا شركة ولكن مولهما عقلهما وانتجا «الياهو» التي قيمتها الان فوق 100 مليار، وهذه رسالة أيضا لشباب اليوم.


«المعرفة» أهم قرارات القمة


وعن قرار القمة العربية بشأن «عقد المعرفة» حيث قررت ان العقد القادم سيكون عقدا للمعرفة، قال أبو غزالة: يجب أن يكون عقد المعرفة العربي من خلال محو الأمية العربية والمقصود بالأمية مسارات ثلاثة الأول اللغة الأبجدية والثاني اللغة الرقمية اي معرفة استعمال الانترنت والحاسوب والثالث المعرفة الثقافية.. وانا أعتقد ان هذا القرار من اهم القرارات التي اتخذتها القمم العربية في تاريخها مما يدل على حكمة قادتنا وحرصهم على مستقبل ابنائهم.

وتابع أبو غزالة حديثه: ومن وحي هذا القرار جاء اقتراحي على الاتحاد الأوروبي أن يكون مشروع تعاوننا للسنوات العشر القادمة مع الاتحاد الأوروبي في مجال البحث العلمي في الوطن العربي مركزا حول المعرفة وصناعة المعرفة كطريق للثروة ونحن في مجموعة طلال ابو غزالة فخورون بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية التي أوكلت اليها القمة لتنفيذ هذا القرار في قيادة أمينها العام معالي الدكتور نبيل العربي، وقدمت لنا دعوة الى الاجتماع التنسيقي الأول لممثلي الحكومات العربية في يناير القادم للمشاركة كمستشارين، ونحن نعكف الآن على تقديم مسودة اقتراح لخطة العمل لصانعي القرار ممثلي الحكومات العربية.وحول ما تمر به منطقتنا العربية من قلق اقتصادي، قال أبو غزالة: انا لا اتعامل بالشأن السياسي ولكنني اعتقد ان كل قرار وكل شأن في العالم هو قرار وشأن اقتصادي ، ومن هنا أقول إن ما تمر به منطقتنا العربية وإن كان في ظاهره صراعات سياسية إلا انه في حقيقته صراع اقتصادي بامتياز فنحن أمام مشروع اقتصادي تتنازعه المصالح بين الدول الفاعلة في العالم وبين المصالح المحلية والاقليمية، بمعنى آخر انا اقول اننا اذا اردنا معالجة الوضع الحالي يجب أن ننظر إليه بمنظار اقتصادي وان ندرك ان ثروة النفط وتتبعها ثروة الغاز القادمة هي في وسط معادلات هذا الصراع وانا شخصيا لا ارى حلولا نهائية الا اذا توصل ما يسمى «المجتمع الدولي» الى صيغة اتفاق حول المصالح المتعلقة بالطاقة وأقول المصالح لأنه ليس بين الدول عواطف او حب أو كره بل ان الدول تتحرك دائما وفقط من خلال مصالحها الاقتصادية وامنها الاقتصادي ولذلك فإننا نتطلع إلى ان تصبح في الأفق رؤية لكيفية إدارة وتوزيع المصالح الاقتصادية على مستوى العالم وبالذات على مستوى الدول الفاعلة والمهيمنة وبما يحقق معادلات مرضية في ما بينها والا فإننا سنبقى ضمن هذا الصراع حتى ما لا نهاية.