الحضور الثقافي العماني في المشهد التونسي

mohammed

محمد الشحري -


حضرت منذ أيام عدة مناسبات ولقاءات ثقافية في تونس، كنت مشاركا فيها للحديث عن أعمالي الأدبية أو لتناول حضور الثقافة العمانية في تونس أو العكس، فقد حللت ضيفا على دار الثقافة ابن خلدون، والاذاعة الوطنية التونسية، واتحاد الكتاب التونسيين، وسأجمل في هذا المقال عدة نقاط استوقفتني من خلال أحاديث الزملاء الكتاب والنشطين الثقافيين والصحفيين والمشاركين عن الثقافة العمانية كما يراها المثقف التونسي، ففي دار الثقافة ابن خلدون بالعاصمة تونس، خصص الكاتب والروائي كمال الرياحي حلقة خاصة عن أدب الرحلة المعاصرة تحت عنوان غرفة ابن فضلان في مختبر السرد الذي يشرف عليه ويتبنى فيه حلقات أدبية تتناول عدة مواضيع في الكتابة السردية، ففي الحلقة التي خصصت للرحلة المعاصرة وبعد أن قدمني الروائي كمال الرياحي للجمهور، قرأ الشاعر شوقي البرنوصي ما كتبه عن اصداري الطرف المرتحل ومما قاله: ” تعد عُمان موطئ واحد من أشهر الملاحين والرحالة والجغرافيين العرب ألا وهو أحمد بن ماجد الذي ارتبط اسمه بفاسكودي جاما مكتشف الطريق البحري إلى الهند، هذا التراث الذي ميّز ويميز العرب وعُمان بالتحديد نظرا إلى موقعها الجغرافي، لا يثير استغرابنا حين نرى كاتبا عُمانيا يتوغل في هكذا مغامرات”.

بعد استعراضي لبعض المواقف والطرائف في الرحلات التي دونتها وجمعتها في الطرف المرتحل، طرح الجمهور الكثير من الأسئلة عن أدب الرحلة، ثم تركزت الاسئلة على المشهد الثقافي العُماني، الذي لا يصلهم منه شيء إلا مجلة نزوى الثقافية، كما تردد السؤال الذي يكاد يلاحق الكاتب العُماني أينما حضر – والذي طُرح علي في أكثر من عاصمة عربية – هو ما موقع المثقف العُماني في الساحة الثقافية العربية؟، وكان الجواب كالعادة: إننا موجودون كأسماء واصدارات وحضور هنا وهناك، لكن السؤال المباغت والذي ينتظر منا جمعيا الإجابات، كان عن حضور المثقف العُماني كمؤثر وفاعل في الثقافة العربية وليس كمشارك.

أما في الإذاعة الوطنية فقد استضافني الدكتور محمد الحاج سالم في برنامج (وجادلهم) وتحدثنا لمدة ساعتين عن المشهد الثقافي العُماني، إذ اشاد مقدم البرنامج بالمجلة العُمانية تفاهم المعروفة سابقا بتسامح وكذلك مجلة نزوى، كما أُعجب بالكتب المعروضة في الأجنحة العُمانية في معرض الكتاب بتونس، وعبّر عن أسفه لوجود كتب مهمة تكاد تكون من أمهات الكتب، لكنها غير معروفة للجمهور والقراء، وقال الدكتور محمد إن الكتاب العُماني بحاجة إلى الترويج وتعريف القارئ العربي به، وذكّرني أنه تعرف على عُمان ثقافة وتراثا في المعرض الطلابي الذي أشرفنا على تنظيمه نحن الطلبة العمانيين في تونس في العام 2007، واستضافته جامعة المنار والذي يعود بالفضل في انجاحه إلى الدكتورة سميرة الهاشمية التي تعد آنذاك لأطروحة الدكتوراه، اضافة الى العديد من الزملاء، وبما أن السياسة تتوغل في الأحاديث الثقافية فقد جرتنا إلى التطرق إلى الموقف السياسي العُماني من الاتحاد الخليجي وحيادية عُمان عن الدخول في الشؤون الداخلية للدول، ودعمها لجهود السلام في المنطقة التي تشهد تجاذبات طائفية، وهو موقف أشاد به الدكتور محمد الحاج سالم الباحث في المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، تخللت الحلقة الاذاعية عدة فقرات من الموسيقى التقليدية العمانية، وأحاديث عن المؤسسات الثقافية في السلطنة مثل دار الأوبرا السلطانية والمتاحف وجانب من اهم الإصدارات الروائية أذكر منها رواية ابن سولع للروائي المرحوم علي المعمري، ورواية امرأة من ظفار للروائي أحمد الزبيدي، كما تطرقنا إلى الحديث عن الفنون التشكيلية والدعم الذي يتحصل عليه الفنان العماني من جمعية الفنون التشكيلية.

واختتمت لقاءاتي في مقر اتحاد الكتاب التونسيين بالكاتب الصحفي الحبيب بن فضيلة الذي زار السلطنة في نهاية شهر نوفمبر الماضي أثناء انعقاد اجتماع المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكُتاب العرب، وقد أعجبته عُمان وأهلها، وقرأ لي قصيدة كتبها في حب مسقط، وأجرى معي مقابلة عن اصداراتي وأعمالي القادمة، وموقفي من الجمعية العمانية للكتاب والأدباء.

خرجت من هذه اللقاءات التي نُظمت لي بصفة شخصية وبعلاقاتي مع الوسط الثقافي التونسي منذ اقامتي هناك في العام 2005 أثناء دراستي للعلوم الثقافية، بعدة ملاحظات أرى أنها تخدم المشهد الثقافي العُماني، منها أقترح لوزارة الإعلام ووزارة التراث والثقافة، بإشراك الكاتب العُماني في أجنحة السلطنة التي تشارك في معارض الكتب السنوية والتي تنتقل بين أكثر من مدينة عربية، للتعريف بالكتب العُمانية وأهم الاصدارات، وأقترح أيضا على مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم استغلال المعارض الدولية للكتاب للتعريف بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، واقترح أن تقوم دار الأوبرا السلطانية بجولات فنية في العواصم العربية لاطلاع المتلقي العربي على اسهامات السلطنة ليس في الثقافة العربية فحسب بل في الثقافة الانسانية واستقطابها لأهم الفنون الموسيقية الاوبرالية، كما اقترح على الجهات المنظمة للأيام الثقافية العُمانية أن تقترب من المواطن في المدن التي تقام فيها الفعاليات وعدم اقتصارها على النخبة المثقفة، حيث حضرت الأيام الثقافية العُمانية في تونس في عام 2006، والحقيقة أنها كانت بعيدة عن المواطن وعن وجود الكثافة السكانية في شارع الحبيب بورقيبة وفي المسرح البلدي والقاعات الأخرى القريبة منه، حيث يستطيع الباحث والطالب والمهتم الوصول إليها بيسر وسهولة، وقد تكرر الخطأ نفسه العام الماضي في مناسبة ثقافية عمانية حينما أقيمت في صالة فندق في العاصمة مسقط، أما بالنسبة للمجلات العمانية التي تجد صداها في أكثر من مكان وهما مجلتا نزوى والتفاهم، وبعد شكر القائمين عليها، فإننا نتمنى أن تحظى بالدعم المادي والمعنوي للاستمرار إلى الأفضل.