نوافـذ – الأوطان بأهلها ومعالمها

Mohammed

محمد الحضرمي -

Fuyodh2@yahoo.com -


كلما نظرت إلى قلعة نزوى، وسَرَّحْتُ بصري إليها من بعيد، يَسْرَحُ عقلي في مبناها الدائري العملاق، والذي يعد أضخم مبنى أثري أسطواني الشكل في عُمان، بل هي أضخم من غيرها من المباني الحديثة، والأغرب من ذلك هو تقبُّل الناس حينها لهذا المبنى المهيب والضخم، الناس التي تميل إلى الزُّهد في الملبس والمسكن، والتي اعتادت أن تعيش في بيوت صغيرة وضيقة، ومهما علت في البنيان، فلن تصل أعلاها ثلاثة أدوار أو أربعة، ومع ذلك فتلك البيوت لا تزال قزمة أمام هذه القلعة الضخمة، تحفة الأجداد المعمارية.

الناس بسطاء في الحياة، يبنون بيتا من دور أو دورين، كانوا وما يزالون بنفس التفكير، بيوتنا المعمارية لا تزال بحجم أصغر بكثير من القلاع التي شيدت قبل أربعمائة سنة، ليست قلعة نزوى فحسب بل أكثر القلاع شيدت بضخامة لا متناهية، قياسا بتفكير ذلك الوقت وقدراتهم المعمارية، حيث لم تكن تتوفر رافعات عملاقة، أو حفارات تغوص في أعماق الأرض، أو أجهزة حساسة تحسب التفاصيل الدقيقة في الانحناءات والاستدارات، وما يترتب عليها من توزيع دقيق هو الآخر للضوء والظلال، حيث تنعدم الفوانيس، وما سوى الشمس الفانوس الكبير، تضيئ أكثر الحجرات، ويتسلل ضوؤها إلى داخل أروقة هذه المعالم العملاقة.

لدينا في محافظة الداخلية الكثير من هذه التحف المعمارية، كما هي في بقية المحافظات العمانية، وإلى جانب قلعة نزوى التي ذكرتها سابقا، يوجد أيضا حصن جبرين التحفة العجيبة، وقلعة بهلا المدينة العملاقة، وقلعة الفيقين بولاية منح والتي تبدو من بعيد أشبه بكائن عملاق يتوسط ضواحي النخيل، وقلعة سمائل بامتدادها الرحب بين الوادي والجبل، وغيرها كثير في صحار والرستاق والحزم وأينما نولي بوجوهنا في أرجاء عمان، إذن كيف استطاع العمانيون أن يشيدوا مثل هذه المعالم في فترة قياسية، ومن أين لهم بتلك القياسات الهندسية الدقيقة، التي تجعلهم يشيدون معلما عملاقا فلا ينهار بتقادم الزمان، مع أن أولئك المهندسين يعيشون في بيوت متواضعة جدا، فمن يزور الحارة المجاورة لقلعة نزوى، وهي حارة العقر الأثر، فسيجد فيها بيوتا متواضعة في المعمار، قياسا بمعمار القلعة الشامخة، والتي تشرف بعلوها على كل أرجاء المدينة، ويمكن لمن يصعد سلالمها إلى فردوسها العلوي، أن يشاهد أفقا لا متناهي الأبعاد، وتتضح أمامه امتدادات المدينة الخضراء، ولا يحد رؤيته سوى الجبل المتاخم للمدينة من جهة الشرق، وهو ما يعرف بجبل الحوراء، وسيفاجأ أن كليهما بسحنة لونية واحدة، القلعة تشبه الجبل في لونه وشموخه، وكأنهما توأمان.

هذه لفتة عجيبة، من الأحرى بها أن تدرَس وتدرَّس، وتبنى عليها أفكار مماثلة، تصوروا أن قلعة نزوى شيدت خلال اثني عشر عاما، ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء، ورحنا نتصور خطة البناء لهذا المعلم الشاهق، لرأينا مئات البنائين يتدلون من حبال معلقة، على ارتفاع 24 مترا، لطلاء القلعة بالجص من الخارج، والجص هو الطين المحروق، حيث يحمل إلى ذلك الارتفاع الشاهق، لقد تخيلت المشهد وتعجبت من قدرة الناس على البناء، في زمن لا توجد فيه أبنية أخرى بهذا العلو والسمو، وفي وقت لا تتوفر فيه رافعات وكاسرات وحفارات، ولا أجهزة ربط حديثة، ما سوى أخشاب متماسكة بحبال من مسد، تصنع من لحاء الأشجار.

لا أشك أن قدرات الأجداد إبداعية، في كل جانب من جوانب الحياة، فهم من رفع مثل هذه القلاع بلا عمد، وهم من غاص في أعماق الأرض لشق الأفلاج، وهم من مخر البحار وقاوم عبابها الغاضب، بسفن عملاقة ذات ألواح ودسر، وليس في بعضها مسمار من حديد، وما تزال مثل هذه السفن تصنع اليوم في مدينة صور العمانية الجميلة.

العمانيون الأوائل أبدعوا، وما أنجزوه يلوح رأي العين وأمام الأنظار، فهل سيحتذي الأحفاد بما كان يفعله الأجداد؟، لا شك في ذلك ما أتيحت الفرصة، وما فُتحت المجالات للإبداع، وما بقيت الكفاءات تؤمن بالإخلاص والإبداع في العمل، ولنا في الأوائل أروع الأمثلة، ومثلما يقال: إن الأوطان بأهلها، يقال أيضا: إن الأوطان بمعالمها.