الإسلام يحب الوئام ويكره التباغض والخصام بين اتباعه -
متابعة – سيف بن ناصر الخروصي -
اكد الشيخ أحمد محمد خشبه إمام وخطيب جامع ذو النورين على اننا اليوم في فسحةٍ من آجالنا وإنما تَفيدُ من طولِ العُمر الأعمال الصالحات، وما نحن بعد الموت إلا حسناتٌ وسيئات.
وقال: من كثرت حسناته نجا ومن زادت سيئاته فحالهُ في الآخرة عسير. واوضح أن الإسلام يحب لأتباعه الجماعة والوئام ويكره لهم التباغض والخصام.
وبين ان الله تعالى يريد منا أن نأتي إليه جماعةً متآلفين ولا يريد منا أن نأتي إليه أفراداً متخاصمين.
واشار الى ان صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، وصوم رمضان دعوة إلى الجماعة. وقال: إن الإسلام دين مثالي واقعي، فهو يدعو إلى ترك الخصومات وعدم إحداثها أصلاً.
واوضح ان الله تعالى مطلع الآن، وستعاد الخصومة أمامه يوم القيامة.
وبين ان الاعتدال في الخصومة وعدم الإغراق بها، وتركْ موضع للصلح فيها امر مطلوب وعلى الخصم ان لا يأخذ في الخصومة غير حقه، ولو حَكمَ له به مَنْ حكم وعليه ان رُدَّ الزيادة.
وأوضح ان كلا من الكتاب والسنة اثبتا أنَّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يُحلُّ حراماً هو حرام، ولا يحرم حلالاً وهو حلال وإن للحاكم أجره وعلى المحتال وزرُه.
وأوضح ان للخصومة خمسة آداب في الإسلام تتجلى في مراقبة الله تعالى في الخصومة والاحتكام فيها للشرع والاعتدال فيها وعدم الإغراق بها ولا تأخذ في الخصومة غير حقك وضبط اللسان فيها.
وإلى نص ما قاله في محاضرته القيمة تحت عنوان (أدب الخصومة في الإسلام)..
يقول الشيخ أحمد محمد خشبه إمام وخطيب جامع ذو النورين: نحن اليوم في فسحةٍ من آجالنا وإنما تَفيدُ من طولِ العُمر الأعمال الصالحات، وما نحن بعد الموت إلا حسناتٌ وسيئات، من كثرت حسناته نجا ومن زادت سيئاته فحالهُ في الآخرة عسير (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) فالنستفتح بالذي هو خير قال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ( دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ وهِي الْحَالِقَةُ أما إني لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) وقال رسول الله( صلى الله عليه وسلم) أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى قَالَ: (صلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِي الْحَالِقَةُ،لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا) إن الإسلام يحب لأتباعه الجماعة والوئام ويكره لهم التباغض والخصام، ولو قرأتم نصوص القرآن كلَّها لوجدتموها تدعوكم إلى الجماعة والأُلفة وتنفركم من البغضاء والفرقة وحسبكم بسورة الفاتحة التي تقرؤونها كلَّ يوم سبع عشرة مرة على أقل تقدير (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فلو أن امرئاً كان يصلي في الليل وحده، في غرفته الخاصة ولا يعلم به إلا ربه، وأراد أن يقرأ سورة الفاتحة لقال فيها: إياك نعبد وإياك نستعين، مع أنه يصلي وحده، والمتبادر للذهن أن يقول: إياك أعبد وإياك أستعين، ولكنه يقول: إياك نعبد وإياك نستعين، ولو قال إياك أعبد وإياك أستعين لبطلت صلاته ولردها الله تعالى في وجهه ولم يقبلها منه. كأن الله تعالى يريد منا أن نأتي إليه جماعةً متآلفين ولا يريد منا أن نأتي إليه أفراداً متخاصمين ثم تقول: (اهدنا الصراط المستقيم)، ولا تقول اهدني ولو قالها احد لبطلت صلاته والجامع. اسم من أسماء الله تعالى، والمسجد الذي نقيم فيه صلاة الجمعة اسمه جامع، وصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، وصوم رمضان دعوة إلى الجماعة فمليار مسلم ونصف المليار يبدأون توقفهم عن الطعام مجتمعين عند أذان الفجر ويبدأون طعامهم مجتمعين عند أذان المغرب، والحج دعوة إلى الجماعة، فثلاثة ملايين حاج وربما أربعة يجتمعون في ساعة واحدة على صعيد واحد يوم عرفة وفي لباس واحد، في توجه واحد إلى الله. وهكذا: فالإسلام كله دعوة للجماعة ونفرة من الفرقة – الإسلام دين مثالي واقعي، فهو يدعو إلى ترك الخصومات وعدم إحداثها أصلاً -وهذه مثالية – لكنه يؤدب أتباعه بأدب الخصومة فيما لو وقع بين أفرادهم صدام أو خصام، – وهذه واقعية – فما هي آداب الخصومة في الإسلام؟!.
إن اول آداب الخصومة هو مراقبة الله تعالى فيها: لأن الله تعالى مطلع الآن، وستعاد الخصومة أمامه يوم القيامة، روى الترمذي عن الزبير رضي الله عنه قال: لما نزلت (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)، قال الزبير: (يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة يوم القيامة، بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال: نعم، قال إن الأمر إذاً لشديد) فمهما أردت أن تقول في الخصومة فقل، لكن اعلم أن الله يراقبك، وستُعرض عليه الخصومة يوم القيامة وسيطلب منك أن تعيد الكلام نفسه الذي قلته في الدنيا، فإن كان حقاً نجوت وإن كان باطلاً خُصِمت. مهما أردت أن تكتب في مذكرة الادعاء أو في مذكرة الدفاع اكتب، لكن اعلم أن الأوراق نَفسها ستُعرض يوم القيامة على محكمة قاضيها رب العالمين- وعند الله تجتمع الخصوم -، فإن كان ما كتبت حقاً نجوت وإن كان باطلاً خُصِمت….. مهما أردت أن تزور توقيعاً أو أن تغيّر تاريخ عقدٍ أو أن تبدل اسماً مكان اسم – افعل ما شئت ولكن كما تدين تُدان -، واعلم أن الخصومة ستعاد يوم القيامة أمام الله –.
أورد السيوطي في تفسيرها(ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) يؤخذ للمظلوم من الظالم، وللمملوك من المالك، وللضعيف من الشديد، ولّلجماء من القرناء حتى يؤدى إلى كل ذي حقٍ حقه وهذا هو أول أدب من آداب الخصومة (مراقبة الله تعالى في الخصومة).
.أما الأدب الثاني فهو الاحتكام في الخصومة للشرع والنزول على قوله، قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) وفي هذا الصدد اقم مثالا (تشارك شابان في تجارة أجهزةٍ تستخدم في طب الأسنان، وقعت بينهما خصومة أودت بهما إلى حل الشركة، تقاسما المال وما بقي من البضاعة، وبقيت بقية ٌ من مالٍ وأجهزة واختلفا لمن الحق فيها، فأرادا الاحتكام للشرع. ذهبا إلى واحدٍ من العلماء يثقان به، وطلب الشيخ أن يكون معه تاجر محكِّم آخر مختص بهذا النوع من التجارات. يقول الشيخ عنهما: مما أثلج صدري أن كلَّ واحدٍ قال له على انفراد: نريد حكم الشرع في المسألة ومهما حكم الشرع لي أو علي فأنا نازلٌ على حكمه. الله أكبر هذا تفسير عملي لقوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).. ظنَّ الشيخ أن كلا منهما مجاملا للآخر، لكن لما بيّن لهما مع المُحَكَّم الآخر حكمهما في المسألة: يأخذ أحدهما الأجهزة ويترتب عليه دفع مبلغٍ مالي قارب الخمسين ألف ريال، فوجئ بسرعة امتثالهما للحكم، قام الشاب إلى غرفةٍ مجاورة في بيته ليعود ومعه هذه الخمسين ليؤديها لشريكه القديم. دعا الشيخ والحكم للطرفين وأثنى عليهما وشكر لهما امتثالهما للحكم وانتهت الخصومة)….. لكنك مهما امتثلت أمر الله فإن الله سيكافئك ومهما أطعته سيثيبك. (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) بعد شهرٍ يتصل هذا الشاب الذي دفع المبلغ، ليقول للشيخ إن الله تعالى عوضني عن ذلك المبلغ أضعافه مرات ومرات، فقد كان عندي عقار معروضٌ للبيع في حيٍ راقٍ، لكنه كان جامداً لا يتحرك، جاءني زبون ودفع لي فوق ما كنت اطلبه بثلاثة أضعاف وبعت له العقار، وعكس هذه الصورة، كان يوجد شاب حدث له ولأبيه خصومة في السوق التجاري مع جيرانهم التجار، استطاع الأب بحيلة أن ينال حقاً يظهر أنه ليس له، فراجع الابن عالماً من العلماء يثق بدينه وعلمه وعاد لأبيه ليقول له: أخبرني الشيخ يا أبي أن هذا لا يحل لنا في الشرع. فقال له الأب: وما علاقة الشرع بالسوق التجارية، وما الذي حملك على أن تسأل شيخاً عن قضية تجارية، كان عليك أن تسأل التجار لا الشيوخ. (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) هذا هو الأدب الثاني: الاحتكام في الخصومة للشرع والنزول على حكمه.
والأدب الثالث هو الاعتدال في الخصومة وعدم الإغراق بها، وتركْ موضعا للصلح فيها. عن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما» وقال (صلى الله عليه وسلم) كفى بك إثماً ألا تزال مخاصماً» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبغض الرجال إلى الله الأَلَدُّ الخَصِم» أي شديد الخصومة.
وقديماً قالوا صلح خاسر خير من قضية رابحة، وقيل لأحد الصحابة رضوان الله عليهم: ما بلغ بك من الشرف؟ قال: ما خاصمتُ رجلاً إلا جعلتُ للصلح موضعاً. وقال ابن شُبرمة (القاضي الفقيه) من بالغ في الخصومة أَثِم).
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: من كثرت خصومته لم يسلم دينه وقالوا في صفات الأحمق أنه كثير الخصومة، وقال الله تعالى في وصف المنافقين بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ وهذا هو الأدب الثالث الاعتدال في الخصومة وعدم الإغراق بها، واترك للصلح موضعاً.
اما الأدب الرابع فهو: لا تأخذ في الخصومة غير حقك، ولو حَكمَ به مَنْ حكم. فلعلك تقع على محامٍ نِحرير يجلب لك من خصمك حقك وزيادة، فخذ حقك ورُدَّ الزيادة، ولعل خصومتك تصل إلى قاضٍ فيحكمُ لك بحقكَ ويزيدك وفق ما أمامه من الأوراق، فخذ حقك ودع الزيادة. ولعلك ترفع ظُلامتك لشيخ الشيوخ وأتقى الأتقياء فيحكمُ لك، وأنت تعلم علم اليقين أن الأمر عليك لا لك، فلا تأخذ إلا حقك ولا تتوان أن تؤدي لخصمك حقه ولا تقل هكذا حكم لي القاضي أو الشيخ الفلاني فإن ذلك لا يعذرك أمام الله تعالى قال تعالى ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالاثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون أَلْحًنَ بحجته من بعض فأقضي نحو ما أسمع، فَمَنْ قضيتُ له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعةً من النار) قال ابن كثير في تفسيره: دلت هذه الآية وهذا الحديث على أنَّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يُحلُّ في نفس الأمر حراماً هو حرام، ولا يحرم حلالاً وهو حلال…. وإن للحاكم أجره وعلى المحتال وزرُه. قال قتادة: اعلم يا ابن آدم أن قضاء القاضي لا يُحلُّ لك حراماً، ولا يُحقُّ لك باطلاً… واعلموا أن من قُضيَ له بباطلٍ في خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجودَ مما قُضيَ به للمبطل على المحق في الدنيا وللحديث السابق عند الإمام أحمد سبب ففيه: أن رجلين جاءا يختصمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد دَرَسَت، ليس عندهما بينة، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون أَلْحًنَ بحجته من بعض فأقضي نحو ما أسمع، فَمَنْ قضيتُ له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعةً من النار» فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي فقال صلى الله عليه وسلم: أما إذا قلتما، فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما ثم ليُحَلِّل كلُّ واحدٍ منكما صاحبه.
والأدب الخامس هو: ضبط اللسان في الخصومة وفق الشرع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فَجَر، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يَدَعَها» فأكثر ما يقع الخصوم في أعراض بعضهم وفي تنقيص بعضهم وفي سبٍ وفُحشٍ وبذاء وفجور ومعنى فَجَر أي انبعث في المعاصي والمحارم.
هذه هي آداب خمسة للخصومة في الإسلام هي: مراقبة الله تعالى في الخصومة والاحتكام فيها للشرع والاعتدال في الخصومة وعدم الإغراق بها ولا تأخذ في الخصومة غير حقك وضبط اللسان في الخصومة.


