الحجة ظاهرة في كون السنة النبوية مصدرا للتشريع

15

وقعت بين طرفين متباينين -

الخليلي: نقد متون الأحاديث أولى وأهم من الأسانيد -

متابعة-سيف بن ناصر الخروصي -

14 اكد سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة ان سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام جعلها الله سبحانه وتعالى مع القرآن موضحة لمبهماته ومفصلة لمجملاته.

وقال: إن امتثال ما جاء فيها كامتثال ما جاء في القرآن؛ لأن الكل من عند الله فالقرآن وحي ظاهر والسنة وحي باطن.

وأوضح إن الله سبحانه وتعالى بيّن في كتابه وجوب طاعته -صلى الله عليه وسلم- وانه فيما يصدر عنه من أمر أو نهي ليس كغيره من الناس وقد أمر سبحانه وتعالى بطاعة الرسول مقرونة مع طاعة الله. وأشار إلى أن السنة وقعت بين طرفين متباينين طرف يشكك فيها جميعا، ويحاول أن يدفعها جميعاً وطرف آخر يغالي بحيث يتقبل الروايات بعجرها ووجرها ويعزوها إليه صلوات الله وسلامه عليه من غير تمحيص لها وان كان ثم تمحيص فإنما ذلك التمحيص إنما يتعلق بالسند ولا يتعلق بالمتون.

وأكد أن نقد المتون ليس بأقل أهمية من نقد الأسانيد بل هو أولى من نقد الأسانيد.

وأوضح إن المسلمين عندما كانوا يطبقون الحدود ويحكمون القرآن والسنة النبوية جميعا ولا يفرطون في شيء منهما لم يظهر عليهم اليهود ولا غيرهم.

وقال: إن التوجه إلى بيت المقدس كان تشريعاً ربانياً جاء من عند الله سبحانه وتعالى وكان في هذا اختبار للناس.

وأشار إلى أن التوجه إلى بيت المقدس أراد الله سبحانه وتعالى أن يورث هذه الأمة مواريث النبوة السابقة بطريق الوحي لا بطريق مواريث الجاهلية، وتكون أمينة على المقدسات جميعاً.

وأوضح إن الانصراف عن الاتجاه إلى البيت الحرام كان أمراً كبيراً بالنسبة إلى نفوس العرب إلا من هدى الله سبحانه وتعالى فاستكان لأمر الله وانقاد لحكمه وأذعن لطاعته.

وقال: لا ريب أن الحجة ظاهرة في كون السنة النبوية مصدرا للتشريع كما أن القرآن مصدر للتشريع.جاء ذلك في محاضرته التي ألقاها الإثنين الماضي بجامع الريان بالعذيبة وإلى نص ما قاله الجزء الأول من هذه المحاضرة القيمة التي تحث فيها عن التحديات التي تواجه السنة النبوية المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم:

ويقول سماحته الشيخ الخليلي: إني أحمد الله سبحانه وتعالى على هذا اللقاء الطيب في هذا الجامع الشريف من أجل الانتصار لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي هي الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام والتي جعلها الله سبحانه وتعالى مع القرآن موضحة لمبهماته ومفصلة لمجملاته وجعل الله سبحانه وتعالى امتثال ما جاء فيها كامتثال ما جاء في القرآن؛ لأن الكل من عند الله فالسنة هي من عند الله سبحانه وتعالى إذ هو الذي شرعها فيها، وان كانت ألفاظها صيغت من قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- وألفاظ القرآن كمعانيه هي من عند الله سبحانه وتعالى وحده فالقرآن وحي ظاهر والسنة وحي باطن: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا).

وقد بين الله سبحانه وتعالى في كتابه وجوب طاعته -صلى الله عليه وسلم- وانه عليه أفضل الصلاة والسلام فيما يصدر عنه من أمر أو نهي ليس كغيره من الناس (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

وقد أمر الله سبحانه وتعالى بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مقرونة مع طاعة الله فقد قال عز من قائل: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)، ويقول: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، وقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) كل هذه الأدلة تدل بكل وضوح على أن السنة النبوية التي جاءت من عنده -صلى الله عليه وسلم- وثبتت سواء كانت هذه السنة قولا بلسانه -صلى الله عليه وسلم- أو عملا بجوارحه فإن علينا أن نتبعه إذ الله تعالى يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).

وإنما السنة وقعت بين طرفين متباينين طرف يشكك فيها جميعاً ويحاول أن يدفعها جميعاً وطرف آخر أيضاً يغالي بحيث يتقبل الروايات بعجرها ووجرها ويعزوها إليه -صلوات الله وسلامه عليه- من غير تمحيص لها وإن كان ثم تمحيص فإنما ذلك التمحيص إنما يتعلق بالسند، ولا يتعلق بالمتون على أن نقد المتون ليس بأقل أهمية من نقد الأسانيد بل هو أولى من نقد الأسانيد.

أما الفريق الأول فإنه كما هو معلوم خرج عن الجادة وبدأ ينفصل عن جادة الحق إلى المتاهات الكثيرة، وهذا ما نشاهده الآن في الفئة التي تنتسب إلى العقل والعقل منها بريء فئة تزعم أنها تحكم عقولها مع أنها ليست من العقل في شيء وان لم تتب وترجع الى الله سبحانه وتعالى فانها ستقول كما يقول غيرها ممن كان على نهجها (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ).

هذه الفئة أخذت تبتعد عن الإسلام شيئا فشيئا بدءاً بإنكار سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم تدرجت بعد ذلك في مدارج الضلال حتى انتهت إلى ما انتهت إليه.

وقد كنت أسمع من جماعات من هذه الفئة ما سمعته منذ سنين من أحد رواد هذا الفكر الضال في مؤتمر انعقد بالجمهورية الجزائرية وكان يتعلق بالبحث في القرآن الكريم، وهو الملتقى الخامس عشر للفكر الإسلامي الذي انعقد في عاصمة الجزائر في عام 1401هـ 1981م حضر رجل كان قد شغل الناس في فترة من الفترات بأطروحة طرحها حول إعجاز القرآن بحيث زعم بانه توصل إلى كشف نوع من أنواع الإعجاز لم يتوصل إليه أحد من قبل، وهو الإعجاز الرقمي، وقد راقت هذه الفكرة لكثير من الناس وأعجبوا بهذا الرجل، وهو ينطوي إلى ما ينطوي عليه من حقد على الإسلام ومؤامرة على هذا الدين الحنيف، وقد تصدى في ذلك المؤتمر لتسفيه سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وزعم أن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يكون لها في التشريع أثر قط وإنما التشريع حسبما يزعم للقرآن الكريم، وقد بدأ يدغدغ أحلام الناس، ويحرك عواطفهم ومشاعرهم بما يرجو به أن يتوصل من خلاله إلى إبعادهم عن الحق بدأ أولا يذكر ما وصل إليه المسلمون من الضعف وتمكن اليهود منهم مع قلة اليهود وكثرة المسلمين مع أن الآيات الكثيرة تدل على ان الله سبحانه وتعالى ناصر من ينصره ثم قال لماذا هذا كله انما هذا كله بسبب ان المسلمين كفروا بالقرآن قال: نعم هم كفروا بالقرآن بحيث أضافوا أحكاما لم يأت بها القرآن الكريم وكذبوا ما جاء في القرآن الكريم والله تعالى يقول: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

يقول هي سورة منزلة محكمة وان الله تعالى انزل فيها آيات بينات لكن المسلمين قالوا: إن الآيات التي فيها ليست آيات بينات بحيث تلا هذا حكم الزنا، وقد قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ولم يقل ارجموهما لم يأمر برجم أحد من الزناة فأضاف المسلمون إلى هذا حكم الرجم، وقالوا: إنه مخصص بهذا العموم القرآن يقول هذه سورة منزلة ومبينة وفيها آيات بينات والمسلمون يقولون بخلاف ذلك لو أن أهل الأرض جميعا قالوا بخلاف القرآن من تتبعون هل تتبعون أهل الأرض أو تتبعون القرآن كان هكذا يدغدغ أحلامهم، ويحرك عواطفهم بمثل هذه الكلمات الخادعة ثم اتبع ذلك أن ما يزعمونه من كون التوجه إلى بيت المقدس قبل السنة الثانية من هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان تشريعا من أمر الله سبحانه وتعالى ثبت بالسنة ليس بشيء وإنما كان هذا اجتهاداً من النبي -صلوات الله وسلامه عليه- وانه لم يقر على هذا الاجتهاد، وقد أراد بهذا الاجتهاد أن يتألف اليهود ونزل القرآن بخلاف هذا.

في ذلك الوقت طلبت التعقيب على هذه الكلمة التي قالها فقلت: إن المسلمين عندما كانوا يطبقون حد الرجم ويطبقون الحدود بأسرها لم يظهر عليهم اليهود ولا غيرهم عندما يحكمون القرآن والسنة النبوية جميعاً ولا يفرطون في شيء من الكتاب ولا يفرطون في شيء من السنة النبوية يجرون كل واحد في مجراه فالعام يحمل على عمومه ما لم يرد المخصص الذي خصصه، وان ورد الخاص أخذ بالخاص وخصص به العموم، كما أن المطلق يجري في مجراه، وهو الإطلاق حتى يرد الدليل المقيد لإطلاقه فيؤخذ بالقيد ويؤخذ بالإطلاق فيما لم يتناوله التقييد في ذلك الوقت لم يظهر اليهود ولا غيرهم.

وكان من ضمن ما قاله: أتحدى أن يأتيني أحد بدليل على أن التوجه إلى بيت المقدس كان بأمر من الله أو بتشريع من الله تعقبت هذا بان التوجه إلى بيت المقدس كان تشريعاً ربانياً جاء من عند الله سبحانه وتعالى ودليل ذلك في كتاب الله بان الله تعالى قال: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ).

ذلك لأن الجعل جعلان إذا جاء في القرآن الكريم في الكلام الذي فيه تشريع للعباد الجعل أما أن يكون جعلا تكوينيا وأما أن يكون جعلا تشريعيا فالجعل التكويني كقول الله سبحانه وتعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) هذا جعل تكويني والجعل التشريعي كما في قول الله سبحانه وتعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) أي مشرع للناس أن تكون إماما لهم وكما في قول الله سبحانه وتعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) أي ما شرع شيئاً من هذه الأحكام كذلك قوله: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا) أي ما شرعنا القبلة الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ كان في هذا اختبار للناس ذلك لأن العرب الفوا تعظيم الكعبة المشرفة البيت الحرام، وذلك مما ورثوه من مواريث النبوة من عهد إبراهيم -عليه السلام- مع طهر ذلك بما دنسوه به من تقديس الأوثان وعبادتها بقي عندهم تعظيم البيت الحرام وكانوا يرثون ذلك كابرا عن كابر وكانوا يحجون هذا البيت ويحترمونه حتى أنهم لو وتر أحد بأبيه أو بولده ووجد واتره هناك حول البيت ما كان يجرؤ أن يسفك دمه هكذا أورثوا تعظيم البيت الحرام، وقد سرى هذا التعظيم في حياة العرب جميعا وأراد الله سبحانه وتعالى أن يورث هذه الأمة هذه المواريث مواريث النبوة السابقة، ولكن على أن يكون ذلك بطريق الوحي لا بطريق مواريث الجاهلية بحث تبعد العصبية الجاهلية والحمية الجاهلية عن هذا الأمر فلذلك صرفوا أولا عن الاتجاه إلى البيت الحرام ليتجهوا إلى بيت المقدس حتى يجتمع لهم أمران أحدهما التمحيص الذي ذكرناه والآخر هو جمع مواريث النبوة جميعاً لهم بحيث تجمع مقدسات النبوات السابقة جميعاً لهذه الأمة حتى تكون وريثة الأمم المتبعة للأنبياء السابقين في مقدساتها، وتكون أمينة على هذه المقدسات جميعاً.

وعندما نجحوا في الاختبار وتعدوا هذه المرحلة ووقر في نفوسهم الإيمان وامتثلوا أمر الله سبحانه، وتعالى ولم يترددوا في امتثاله مع انهم كانوا يتطلعون إلى الاتجاه إلى البيت الحرام، ويرغبون في ذلك لكن بعدما امتثلوا الأمر واستقر كل بشيء وظهر أيمانهم أعيدوا الى الاتجاه الى البيت الحرام بأمر من الله لا من التقاليد التي جاءت من مواريث الجاهلية أو من طرق المواريث الجاهلية فلذلك قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) هذا الأمر وهو الانصراف عن الاتجاه الى البيت الحرام كان امرا كبيرا بالنسبة الى نفوس العرب إلا من هدى الله سبحانه وتعالى فاستكان لأمر الله وانقاد لحكمه واذعن لطاعته متجاوزا كل ما في نفسه من التعلق بالبيت الحرام.

لا ريب ان هذه الحجة ظاهرة في كون السنة النبوية مصدرا للتشريع كما أن القرآن مصدر للتشريع.