عطر : لن أكون وقود قصيدتك

رندة صادق -

الشعر ملكة من ملكات التمييز يخص بها الله من يشاء من عبيده، وهي موهبة تسري في الروح لتكون نبض المشاعر تغوص في عمق النفس البشرية فترحل في عوالم الخيال وتمزجه بعالم الواقع وتلامسه. قد يحمل الشعر كل قضايانا الإنسانية وكل تناقضاتنا، انّه عالم ابداعي من نوع خاص جدا يرتقي بأحاسيسنا ويفتح لنا نوافذ على أحاسيس فريدة، كل احساس هو شعر ولكن ليس كل جملة هي جملة شعرية والتمييز الذي يميز انسانا عن انسان هو قدرة الشاعر على ترجمة الأحاسيس ونقشها في نصوص تثير الدهشسة فكأنك تسمع لحنا يعزف على اوتار أحاسيسك فتنتشي وتصرخ :الله!

وفي بحثي في تاريخ الشعر الإنساني أدهشتني بعض المعلومات فهناك من يؤكد أن أول من قال الشعر هو أبونا آدم عندما قتل قابيل هابيل وأن ابليس رد عليه بالشعر، وهناك من يؤكد أن بدايته مع المصريين، لكن معظم الدراسات ترد الأمر للشعر اليوناني الملحمي الذي كان أول شكل من أشكال الأدب الإغريقي. وكان هوميروس أبرز شعراء الإغريق، فقد نظم قصيدتين ملحميتين شهيرتين هما الإلياذة والأوديسة. ومن الشعر الملحمي الى الشعر الغنائي الذي كان يغنى بمصاحبة القيثارة. وقد عرف العرب الشعر وبرعوا فيه ويُعدُّ الشعر وثيقة يمكن الاعتماد عليها في التعرُّف على أحوال العرب وبيئاتهم وثقافتهم وتاريخهم، ويلخص ذلك قولهم: الشعر ديوان العرب وقد عرف العرب أشكالا عديدة من الشعر من المعلقات والمفضليات الى الأصمعيات الخ… الى النبطي وصولا الى الشعر الحر المنثور. وأنا أبحث في الشعر فكرت كيف كتب الشعراء القدامى كل هذه العظمة التي تركوها خلفهم؟ من كان محركهم ومن عمق تجاربهم، وهل كانوا يصنعون الشعر أم يفيض الشعر من روحهم؟ أفكر دائما بمحركهم ودافعهم وأقيس الأمر على الفكرة الملهمة التي يحتاجها الشاعر المعاصر ليكتب قصيدة، فنراه يمتهن اصطياد الفكرة في اسم أنثى ويحولها الى قصيدة. هل بات الشعر طريقة من طرق اصطياد الغافلات؟ كلما قابلت شاعرا قال انّه يحتاج ملهمات ليكتب فأستغرب كيف كتب قيس؟ وكيف فعل هميروس؟ ومن مصدر ابداع شكسبير؟.. الخ من تاريخ الشعر. المخجل ان تجد شاعرا لا يرتقي ليكون شاعرا مبدعا يصر على أن يحوّل أي امرأة تصادفه الى نص فلا ينصف عابرة قصيدته ولا ينصف الشعر. نعم يحتاج الشاعر الى موضوع يتفاعل معه يثريه ويثرى به ولكن ليس بالضرورة أن تكون امرأة يُحييها في بداية القصيدة ويُميتها في آخرها فيوهمها أنّها بطلة شعره وملهمة شيطان الشعر في رأسه حتى بات الشعر طعم يرميه للمضللات يفرحن بجمل تقتلهن كنوع مبتكر من الاستغلال يطلق عليه (ملهمات) فما قصة ملهماتكم اللواتي توؤدوهن في القصيدة ؟ الشيء المؤكد هو أن أي امرأة عليها ان ترفض أن تكون وقود القصيدة، لأنها حتما ستحترق ليضيء فكرته تماما كالفراشة التي تعاند النار رغبة في الاحتراق، نعم هناك حبيبات جسدتهم قصائد وخلدتهم ولعلي لا أنسى قصيدة نزار القباني لزوجته التي قتلت في انفجار القاعدة الأمريكية في بيروت فكتب لها قصيدة رثاها فيها واسماها” بلقيس” على اسم زوجته، ولكن طبعا على كل فتاة أن تدرك أنها ليست ليلى ولا بلقيس ولا اي من نساء أشعلن نار الشعر بحكايتهن، فشعر اليوم يحاكي حياة اليوم قصير النفس سريع الركض فارغ من النتائج فلا تقبلي أن تكوني وجبة يلتهمها شاعر بقصيدة ربما لن يقرأها غيره وتتحولين الى وقود تحترقين ليضيء قصيدته..