وقفةٌ على الأطلال

فهد بن إبراهيم العامري -

كمْ كانتْ جميلةً تلكَ الطفولةُ التي عشتها بين أحضانِ الطبيعة، فقد كانتْ طفولةً جميلةً بعيدةً كلَ البعدِ عن مظاهرِ التطورِ والضوضاءِ، إنها الطفولةُ النقيةُ الممزوجةُ بالعفويةِ والبساطةِ حيثُ القريةِ الصغيرةِ الممتلئةِ بالمنازلِ القديمةِ ذاتَ الطابعِ التقليدي الجميلِ التي تحملُ في طياتها كلَ ما هو جميلٌ من بساطةٍ في البناءِ وإبداعٍ في التصميمِ، فسكانها كانوا أناساً طيبين ومتواضعين، يحبون فعلَ الخيرِ ويهرعون لمساعدة الآخرينَ، فقد كانوا أناسا خيرين يعملون بروحِ الأسرةِ الواحدةِ من أجلِ رسمِ البسمةِ على وجوهِ اليائسين، فكانوا كالجسدِ الواحدِ والبنيانِ المرصوصِ، هكذا هم كانوا من يسكنون بالقربِ من منزلنا.

ومع أصدقائي أثناءَ طفولتي فتلكَ هي حكايةٌ أخرى، حيثُ كان لدي أصدقاءٌ عزيزون على قلبي وكانوا لي عوناً عندما تغيبُ بسمتي، فكم لعبنا معاً ألعاباً كثيرةً لا تعدُ ولا تحصى، وكم تشاجرنا أكثرَ من أجلِ لعبةٍ ما، فكنا مشاغبين جداً، ولكن سرعانَ ما نكونُ متسامحيــــن، فلم نعرفْ حينها حزناً ولم يكنْ بيننا حاسدون، ودائماً ما نكونُ مبتسمين مرحين، فقد أكملنا دراستنا بتفوقٍ وتخرجنا وبين أيدينا أعلى الشهاداتِ التي كانت فخراً لأهلنا.

وبيئةِ قريتي الريفيةً الجميلةً حيثُ الخضرةِ والبساتين التي تتخللها جداولُ المياهِ العذبةِ، وكانتْ الجبالُ الشامخةُ من حولها سراً للجمال، فيما زالَ عشقي هناك حيثَ وُلدتُ، وحيثُ تربيتُ؛ وكما قال أبو تمام:

” نقلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوى …. ما الحبُ إلا للحبيبِ الأولِ

كم منزلٍ في الأرضِ يألفه الفتى …. وحنينه أبداً لأولِ منــزلِ”"