راشد بن ناصر المشيفري -
يعلم الجميع أن الإنسان يمر بأطوار متعددة منذ وجوده كجنين في بطن أمه، إلى أن يخرج للحياة فيمر بالمراحل الأخرى التي أولها مرحلة الطفولة،أو ما توصف بمرحلة انعدام التمييز أو الإدراك. ففترة الحداثة أو الصبا، هي التي تستمر حتى البلوغ، وهذه الفترة نفسها تتفاوت فيها ملكات الحدث وقدراته، فهو منعدم الإدراك في بعضها، وناقص الإدراك في بعضها الآخر، حتى يكتمل الإدراك والعقل بالبلوغ، وبه تبدأ مرحلة جديدة من حيث المسؤولية الجنائية.
والقاعدة العامة في الفقه الإسلامي والمتعلقة بالمسئولية، كما وضحها محمد الشحات الجندي في كتابه «جرائم الأحداث في الشريعة الإسلامية» أنها تتدرج تبعا للسن في مرحلة الصبا أو الحداثة، ومن هنا تبدو أهمية التفرقة بين انعدام الإدراك وضعفه تبعا لعدم بلوغ الحدث سنا معينة أو تخطيه لهذه السن».فمرحلة انعدام التمييز في الفقه الإسلامي، تبدأ من الولادة إلى سن التمييز، ومعناه : الحدث غير المميز، ويكون عمره سبع سنوات، وهو فاقد لأهلية الأداء لأن أساس هذه الأهلية كما ذكر محمد أبو زهرة في كتابه «الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي» أنه التمييز والعقل. فالحدث في هذه الفترة لا يدرك حقيقة ونتائج الجرم وما ينتجه.
وقد اعتمد الفقهاء في تحديد مرحلة الطفولة بسن السابعة على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحديد بداية تعلم الصلاة، وهي سن السابعة حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع». وهذا من باب أن الغالب في الصغار أن يبدأ التمييز عندهم في هذا السن. وما قبله يعد الحدث غير مميز. والهدف من تحديد العلماء لمراحل التمييز بالسن حتى يكون الحكم واحد للجميع.. وهذا التحديد يعين القضاء فهو ضروري لمنع تفاوت أواضطراب الأحكام، سواء كان في التصرفات المالية وغيرها وكيفية التعاطي معها، أو العبادات وضرورة التدريب عليها.وهذا المعنى هو الذي نبه إليه العلماء.
وما سبق ذكره كان في الفقه الإسلامي أما معنى (عديم التمييز) في القانون فهو : انعدام قدرته على فهم ماهية عمل الإجرام الذي يقوم به والنتائج التي تتمخض عنه. وهذا الذي أشار إليه فاضل نصر الله عوض، في دراسة في معاملة الأحداث المنحرفين وفقا لقانون الأحداث رقم (3) لعام 1983م،
وهو طور يتسم بعدم قدرته على الإدراك والإرادة لذلك يحدد القانون العماني سناً للتمييز يخرجه من دائرة المساءلة الجنائية القانونية ويبدأ من الولادة إلى سن التاسعة كما هو منصوص عليه المادة (104) من قانون الجزاء العماني 1974م، فعلى كل حال فالطفل في زمن الطفولة، لا عقل له ولا إدراك ولا يتمتع بأهلية أداء لأنه عديم التمييز، فلا تترتب عليه أثار شرعية، وعلى هذا فأقواله وأفعاله، وتصرفاته وعقوده باطلة .
غاية الأمر كما أشار عبد الوهاب خلاف في أصول الفقه إذا جنى الصبي على نفس أو مال يؤاخذ مالياً لا بدنياً، فإذا قتـل الطفل أوأتلف مال غيره ضمن دية القتيل أو ما أتلفه ولكن لا يقتص منه. إذن خلاصة أثر انعدام أهلية الحدث سواء كان في الفقه الإسلامي أوفي القانون العماني أوالأردني هو : التوافق في حكم تصرفات الحدث قبل سن التمييز، وهو عدم صحة تصرفاته وأنها باطلة .وهو الذي أشارت إليه المادة (144) من قانون الأحوال الشخصية العُماني. والمادة (44) و(117) رقم 43 لسنة 1976 من القانون المدني الأردني.


