توازن إسلامي: الحقوق السيادية

الحضارة هي مظاهر الرقي العلمي والفني والاجتماعي في الحضر،وقد أثمر التقدم الذي نعيشه في هذا العصر عن ثروة حضارية كبيرة يجب أن يتساوى الناس في إتاحة الفرصة لهم للقيام بها،والانتفاع بثمارها، ومن أهم مظاهر تلك الحضارة: الحقوق السيادية التي يعرفها الدكتور سعد الدين مسعد هلالي أستاذ الفقه المقارن جامعة الأزهر في كتابه «حقوق الإنسان في الإسلام»: بأنها تلك الحقوق الذاتية الناشئة عن الولاية العامة بين جماعة معينة من الناس،وهي حق الاستقلال واكتساب الجنسية،وحق طاعة الحاكم وتأمين المحكوم .

وعن حق استقلال الدولة واكتساب رعاياها الجنسية فإنه يتساوى الناس في أصل خلقتهم ،غير أن كثرتهم وتفرقهم في البلاد مع طول الأعصار أدى إلى تصنيفهم شعوبا وقبائل، كما قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}.

وهذا التصنيف الطبيعي يستلزم الاعتراف به حتى لا تتناحر الشعوب ويهلك بعضهم بعضا . ويستحق هذا الشعب الذي ملك مقومات التكامل بالاستقلال دون أن ينقطع عن سائر الشعوب بالتعاون لصالح الإنسانية.


دليل استقلال الدولة في الإسلام


لم يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من إعلان مكة دولة إسلامية بمجرد أن أوحى الله تعالى إليه بالإسلام،وصار نبيا مرسلا لقومه وللناس كافة؛نظرا لتعنت أهلها ، ورفضها الدين الجديد،فتركهم وما يدينون، وهاجر إلى المدينة المنورة بطلب أهلها وفرحهم بقدومه صلى الله عليه وسلم. فأصلح ذات بين الأنصار من الأوس والخزرج، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، وتعاهد مع يهود المدينة على النصرة، فتأهل المجتمع إلى الاستقلال والسيادة،فصارت دولة مستقلة، وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم سيادته في وثيقة مكتوبة تحمي نسيجها الاجتماعي من التفرق. حيث أخرج البيهقي وغيره، عن عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس ابن شريق، قال :أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب كان مقرونا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين والمؤمنين من قريش ويثرب(المدينة المنورة) ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم،أنهم أمة واحدة دون الناس،المهاجرون من قريش على ربعتهم،يتعاقلون بينهم،وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى،وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ثم ذكر على هذا النسق بني حارث، ثم بني ساعدة، ثم بني جشم، ثم بني النجار، ثم بني عمرو بن عوف، ثم بني النبيت، ثم بني الأوس، ثم قال :وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا منهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.

صفة الجنسية لأهل الدولة الواحدة

بعد إعلان الدولة بالمدينة المنورة لم يعد هناك خزرجي أو أوسي أو مهاجري،وإنما صار الجميع مدنيا، كما كان يطلق على من كان من أهل مكة مكي،ومن كان من أهل اليمن يمني؛فهذه النسبة هي ما اصطلح على تسميتها في العصر الحاضر بالجنسية، مع تقنين تنظيمها وحقوقها،وهي كما هو ظاهر حق طبيعي يعني انتساب الإنسان إلى موطن. غير أنه لم يظهر مصطلح الجنسية بمفهومه المعاصر إلا حديثا في القانون الفرنسي سنة 1735م، ويعرفها البعض بأنها تطلق في القانون الدولي على: «تلك العلاقة المحددة بين فرد ودولة،والتي تعطي للدولة حقا دائما وغير مشروط في حماية الفرد نفسه وماله في مواجهة الدول الأخرى،وتفرض على الدولة ذاتها في علاقتها بالدول الأخرى واجب إدخاله في إقليمها».

ويقول الدكتور رشيد حمد العنزي في دراسة للنظرية العامة للجنسية وللمرسوم الأميري: من المتفق عليه بين المتخصصين في القانون الدولي أن الجنسية تتميز بخصائص ثلاث هي :أن الجنسية علاقة بين فرد ودولة، وأن القانون الدولي هو الذي ينظم أحكامها، وأن لها آثارا دولية في مواجهة الدول الأخرى. كما يؤكد الدكتور الشافعي محمد بشير في كتابه «قانون حقوق الإنسان» على أن ثبوت الجنسية للفرد يعني تمتعه بحقوق المواطنة،كالحق في الإقامة وتولي الوظائف العامة،والمشاركة في العمل السياسي، والحق في العمل، والتعليم، وباختصار فإن الجنسية هي كما قيل: نقطة البداية الحتمية للحياة القانونية للفرد والتي لا كيان له بدونها .

والشريعة الإسلامية لا تمانع فكرة الجنسية من جهة المبدأ،بل كان هذا هو المعمول به في ابتعاث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى أهل اليمن، وابتعاث النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح على البحرين يأتي بجزيتها،وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي. غير أن الجنسية في الفقه الإسلامي لا تمنع حقا أثبته الإسلام كالتوارث ولا تجيز شيئا نهى عنه الإسلام كالمشاركة في قتل المسلمين بغير حق.

ولا يعني استقلال الدولة انعزالها عن سائر أهل الأرض،وإنما يمنح الاستقلال أهل الدولة حكمها وتسيير أمورها،وهم في الوقت نفسه يتعاونون مع سائر الدول لصالح الإنسان في صورة مبادلات تجارية وتعليمية وغيرها مما يحتاجه الناس ولا يعد تدخل في الشئون الداخلية للدولة الأخرى،إذ تقوم العلاقة بين الدول بحسب الأصل على التعايش السلمي.


حق طاعة الحكام وتأمين المحكوم


ومن الحقوق السيادية طاعة الحاكم لأنها تحفظ مهابة الحكم،كما أن تأمين المحكوم تظهر نجاح الحاكم وقيامه بواجبه. يقول الدكتور هلالي طاعة الحاكم ورد الأمر بها نص في أكثر من موضع، من ذلك قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر}. وهذه عامة في كل أولى الأمر من الأمراء والعلماء. وتعم الطاعة كل أمر ما لم يكن إثما،فإن كان الأمر بمعصية لله تعالى فلا طاعة،لفساد الأمر.

فأخرج الترمذى وصححه، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية،فإن أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة».