مسؤولية الأحداث: الجرائم ومسؤوليتها الجزائية

راشد بن ناصر المشيفري -

قد يتمادى الإنسان في ارتكاب الجرائم، بسبب العداوة والبغضاء، وقلة الوازع الديني في قلبه، فيتعدى حدود الله، وقد يتجرأ فيؤثر على غيره من الأحداث الصغار فيعلمهم الجرم، فيتفاعل الحدث مع الجريمة العظيمة إما بذاته أو بالتنسيق والتعاون مع غيره، فيستمر حال الحدث على هذا السلوك المشين باختلاطه مع أهل السوء، وأيضا بسبب إهماله وعدم زجره وتأديبه، فينتقل من جريمة إلى جريمة، فيصبح سلوكه خطيراً على المجتمع الّذي يعيش فيه، وقد يؤثر على غيره من الصبيان في الأخلاق السيئة المقيتة، والحدث وإن كان صغير السن وفي الغالب ضعيف البنية، إلاّ أنّه قد يرتكب جرائم متعددة كجناية القتل وما دونها بسبب قلة إدراكه وتصوره للأمور ومن خلال مساعدة الآخرين له، والأصل في الشريعة الإسلامية أنها تحكم بالقصاص على من يتعدى على الروح البشرية، ولتتضح الصورة سنبين معنى القصاص، ومشروعيته بشكل عام .فالقِصاص كما ذكر الرازي، في « مختار الصحاح» هو: القود وفي معجم متن اللغة، لمحمد رضا، «وقد أقص الأمير فلاناً من فلان إذا اقتص له منه فجرحه مثل جرحه أو قتله قوداً ومنه أخذ القصاص » ، وأما القصاص اصطلاحاً : فقد عرفه محمد الطاهر بن عاشور التحرير والتنوير بأنه «اسم لتعويض حق جناية، أو حق غرم على أحد بمثل ذلك، من عند المحقوق إنصافاً وعدلاً وهو يطلق على عقوبة الجاني بمثل ما جنى»

وفي فقه العقوبات في الشريعة الإسلامية، لمحمد شلال العاني، وعيسى العمري عرفا القصاص بأن « يوقع على الجاني مثل ما جنى النفس بالنفس والجرح بالجرح»

فإن قتل قُتل وإن قَطع قُطع وإن جَرح جُرح بلا زيادة أو مبالغة. فالجامع بين التعريفين في اللّغة والاصطلاح هو: المماثلة والمساواة لمن ارتكب ذنباً على النفس أو المال أو الأطراف، وقد ثبتت مشروعية القصاص من القرآن والسنة والإجماع. ففي القرآن الكريم: قول الله سبحانه وتعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ سورة البقرة: الآية 178، 179.

وقوله سبحانه وتعالى: ]وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[سورة المائدة: الآية 45.وهذه الآية كما ذكر علي الماوردي، في « الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي» أنها : جمعت عموم القصاص فيما استحق من الوجوه الثلاثة، وهي القصاص في النفس والقصاص في الأطراف والقصاص في الجروح، ولا قصاص فيما عداها. ومن المعتمد عليه أيضا في إثبات القصاص السنة النبوية حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كتاب الله القصاص» فحكم الله واضح جلي لمن يتعدى على الأنفس ، وروي أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يؤدي، وإما أن يقاد» «أي ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية» كما قال ابن حجر العسقلاني في « فتح الباري» والزيلعي في « تبيين الحقائق» ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» ويقصد النفس بالنفس أن يقتل النفس التي قتلت بغير حق لمقابلة النفس المقتولة. وعلى هذا أجمعت الأمة على ثبوت القصاص على البالغين في قتل الأنفس ولم يخالف في ذلك أحد .