خلق الله الإنسان في الحياة الدنيا، ليقيم في دارها ويتنقل في رحاها، فليس لمخلوق فضل في منح هذا الحق للإنسان. فالتنقل في الحياة من الحقوق الفطرية للإنسان، وهو أيسر من الإقامة أو الاستيطان ،لأنه عبور مؤقت يعود بعده إلى محل إقامته. ويحتاج إلى استئذان الجهة التي يمر بها إن كانت خاصة بفرد أو أقوام، ولا يحتاج إلى إذن إن كانت تلك الجهة محلا عاما رصدت نفسها لاستقبال المارين بها، لعموم قوله تعالى:{لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} مع قوله تعالى:{ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم}.
يقول الدكتور محمد نجيب أحمد أبو عجوة في كتابه ( المجتمع الإسلامي دعائمه وآدابه في ضوء القرآن والسنة ): حرية الانتقال من الحريات التي ضمنها الإسلام للفرد في المجتمع، وأكد وحث عليها ووضع لها الضوابط حتى تكون في صالح الجماعة بحيث لا تؤذى الآخرين. وسند هذه الحرية قوله تعالى :{ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}سورة الملك الآية 15.
أذن الله المشي في مرتفعاتها وسهولها وبطاحها، فالله سبحانه وتعالى سخر لكم الأرض وذللها لكم، وجعلها سهلة لينة قابلة للاستقرار عليها، لا تميل ولا تضطرب مع وجود الجبال، فسيروا في جوانبها وأقطارها وأرجائها حيث شئتم بحثا عن المكاسب والتجارات والأرزاق وهذا من فضل الله ونعمته على عباده .
ومن أراد أن يكسب لعيشته أو أراد الخروج لدعوة في سبيل الله أو سفر في طلب العلم أباح له الإسلام الحرية في التنقل كيفما شاء ، لكن قد ترد على هذه الحرية بعض القيود لدواعى المصلحة العامة، كأن يكون مرض من الأمراض المتفشية منتشرا في بلد المسافر، فلا خروج حتى لا ينتشر المرض على بلد آخر.لقوله صلى الله عليه وسلم:(إذا ظهر الطاعون في بلد فلا تدخلوا ولا تخرجوا منه). أو أن يكون أهل الشورى في بلد ما يعوزهم الحاكم فلا خروج من هذا البلد.
كما يذكر الدكتور سعد الدين مسعد هلالى أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر في كتابه «حقوق الإنسان في الإسلام» بأن التنقل كله فوائد طالما كان المتنقل بعيدا عن الشر، وما أعظم شأنه إن كان فاعلا للخير، وحسبنا ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «سافروا تصحوا وتنعموا». وفي رواية عند الطبراني عن أبي هريرة رضى الله عنه، مرفوعا:( تصحوا وتسلموا) قال الشافعي: (هذا دلالة لا حتما أن يسافر لطلب صحة ورزق). ومن أهم فوائد التنقل التي أمر الإسلام بتحصيلها : أولا، النظر في ملكوت الله للاهتداء إليه : ذلك أن الحقيقة التي يدركها الإنسان هى إنه مخلوق، فكان عليه معرفة خالقه، والسبيل إلى ذلك هذا الكون الفسيح بما يمتلئ من آيات، قال تعالى :{ أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده، إن ذلك على الله يسير، قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير} سورة العنكبوت الآيتان 19-20.
ثانيا ، النظر في أخبار السابقين للاعتبار: يقول ابن كثير:( قال بعض الحكماء :احي قلبك بالمواعظ، ونوره بالتفكير، وموته بالزهد، وقوه باليقين، وذلله بالموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام، وأعرض عليه أخبار الماضين،وذكره ما أصاب من كان قلبه ، وسيره في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا، وأين حلوا وعم انقلبوا). وقد أمر الله بهذا النظر في أكثر من آية، من ذلك قوله تعالى:{ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون} سورة يوسف الآية 109.
ثالثا، النظر في الطبيعة لاكتشاف مكنوناتها : ذلك أن الله تعالى خلق الإنسان من الأرض واستعمره فيها، كما قال سبحانه:{ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها } سورة هود الآية61 فكل ما في الأرض مسخر للإنسان. رابعا، السعى للبحث عن الرزق وتوسعته: قال تعالى:{ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور } سورة الملك الآية ! 15أى فسافروا حيث شئتم من أقطارها ،وترددوا في أقاليمها، وأرجائها في أنواع المكاٍسب والتجارات واعلموا أن السعي في السبب لا ينافي التوكل.
خامسا، السياحة :ويدل على مشروعيتها قول الله تعالى :{ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق قل هي للذّين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة}سورة الأعراف الآية 32 .
وسياحة المسلم جهاد، لأن فيها مكابدة للشيطان الذي يغوى المسافر للشر، فقد ورد فيما أخرجه أبو داود والحاكم وصححه، عن أبي أمامة، أن رجلا قال : يا رسول الله، إئذن لي في السياحة. قال:(إن سياحة أمتى الجهاد في سبيل الله) سنن أبي داود.ولذلك ورد استحباب الرفقة في السفر لتأمين المسافر وإعانته على الحق، فقد أخرج الترمذى وصححه، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( لو أن الناس يعلمون ما أعلم من الوحدة ما سرى راكب بليل) سنن الترمذى يعنى وحده.
ومن الأحكام التيسيرية للمسافرين قصر الصلاة الرباعية أجمع الفقهاء على مشروعية قصر الصلاة الرباعية (الظهر والعصر والعشاء) في السفر، فيصليها المسافر ركعتين على سبيل الوجوب عند الحنفية وقول للمالكية، أو على سبيل السنة المؤكدة عند المالكية في المشهور، أو على سبيل الجواز والترخص عند كل من الشافعية والحنابلة.ويؤكد هذا ما أخرجه مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال :(إن الله عز وجل فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعا، وفي الخوف ركعة).
كما ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة :إلى أن السفر من الأعذار المبيحة لجمع صلاتي الظهر والعصر في وقت أحدهما، وصلاتي المغرب والعشاء في وقت أحدهما ، تقديما أو تأخيرا. وأخرج مسلم عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق).
وأخيرا يمكن القول إن الإسلام كفل للإنسان حرية التنقل داخل وخارج البلد ، ما دام ذلك في حدود الأوامر والنواهي والنظام العام للمجتمع، فإذا تعارضت هذه الحرية مع تلك الضوابط قيدت بالقدر المناسب لها.


