حوار: العبد الصالح مع موسى

عبدالله بن علي العليان -

في بعض الروايات «عن أبي بن كعب (رضي الله عنه) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى ـ عليه السلام ـ سأل ربه فقال: يا رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه. فقال له ـ سبحانه ـ: نعم في عبادي من هو أعلم منك. ثم وصف له مكانه وأذن له في لقائه. وأعد موسى ـ عليه السلام ـ عدته للسفر إلى المكان الذي فيه الخضر، وأخذ معه في سفره صاحبه يوشع بن نون، الذي كان ملازماً له ليأخذ عنه العلم، وبعد رحلة شاقة وصل موسى وفتاه إلى العبد الصالح الخضر « فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً».

وقد دار الحوار بين العبد الصالح وموسى ـ عليه السلام ـ كما جاء في سورة الكهف في قوله تعالى (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا، فلّما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا، فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، قال أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً ،قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا ، فوجداً عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لدنا علما ، قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علّمت رشدا ، قال إنك لن تستطيع معي صبرا ، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ، قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمرا ، قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيءٍ حتى أحدث لك منه ذكرا ، فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمرا ، قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا، قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ، فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكيةً بغير نفس لقد جئت شيئاً نكرا ،قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ، قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا ، قال هذا فراقُ بيني وبينك سأنبئُك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا).

وتنتهي القصة بافتراق العبد الصالح عن النبي موسى ـ عليه السلام ـ بعد ما دار بينهما من حوار .. والاستنتاج الذي يمكن أخذه من هذا الحوار ـ مجال بحثنا ـ هو كيفية الصبر والتحمل على الحوار وتبعاته ومنغصاته ـ إن كان له منغصات ـ وهذا ما تجسد في هذا اللقاء بين هذا النبي ـ عليه السلام ـ والعبد الصالح .

وفي القرآن الكريم الكثير من صور الحوارات التي لا يتسع المقام للتوقف عندها والاستشهاد بها ، وذلك لحدود البحث ومجاله ، لكننا سنعرج على بعض الحوارات التي وردت في القرآن الكريم منها ما تتعلق بالأدلة والبراهين على خلق الله للإنسان وبعثه يوم القيامة: (و قالوا أءذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً، قل كونوا حجارةً أو حديداً، أو خلقاً مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغصون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً ) الإسراء الآيات 49 ـ 51.

وفي آيات أخرى يأتي الرد الإلهي على المكذبين باليوم الآخر في شكل حوار: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون، قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ، سيقولون لله قل فأنى تسحرون ، بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون).

يقول الإمام الطبري في تفسيره « يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالآخرة من قومك: لمن الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها ؟ ثم أعلمه أنهم سيقرّون بأنها لله ملكاً دون سائر الأشياء غيره ، فقل لهم إذا أجابوك بذلك كذلك: أفلا تتذكرون، فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداءً، فهو قادر على إحيائهم بعد مماتهم وإعادتهم خلقاً سوياً بعد فنائهم؟.

أيضاً القرآن الكريم أفرد الكثير من الآيات البيّنات تخاطب الملحدين الذين زاغوا عن الحق، فلذا نجد القرآن يرسم الصورة الإيجابية للتفكير الصحيح فبدأ أولاً « بالدعوة إلى التفكير في الكون كله، بما فيه من ظواهر ومخلوقات، من أجل البحث عن أسراره وعن القوانين الطبيعية، التي تحكمه وتوجهه في حركته. وأراد من الإنسان أن يرجع إلى صفاء فطرته وهو يتعامل ، وإلى هدوء عقله وهو يفكر .. لأن الفطرة الصافية والعقل الهادئ، إذا انطلقا في كيان الإنسان المنفتح على كتاب الكون المفتوح الذي يقرأ فيه ببصره وبصيرته، استطاعا أن يقوداه إلى النتيجة الحاسمة ، وهي أنه لابد للكون من مدبر حكيم قدير. ومن الآيات التي خاطبت وحاورت هؤلاء سورة الأنعام : (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحيّ من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنّى تؤفكون، فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم، وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البّر والبحر قد فصلّنا الآيات لقوم يعلمون ، وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلّنا الآيات لقوم يفقهون ، وهو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به نبات كل شيءٍ فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوانٌ دانيةٌ وجناّت من أعنابٍ والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إنّ في ذلكم لآياتٍ لقوم ٍ يؤمنون).

و كذلك آية الرعد: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخّر الشمس والقمر كلٌ يجري لأجلٍ مسمّى يدبّر الأمر يفصّل الآيات لعلكم بلقاء ربّكم توقنون، وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كلّ الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النّهار إنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفّكرون، وفي الأرض قطعٌ متجاورات وجنّات من أعنابٍ وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغير صنوانٍ يسقى بماءٍ واحدٍ ونفضّل بعضها على بعضٍ في الأكل إنّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون).