خواطر دعوية: العادات الخمس

مليكة السيابية -

كلُّ داعية بحاجة مستمرة لشحذ همته وطاقته لأجل عطائه الذي لا ينضب،وبناء إرادة نفسه، وتنمية صبره، في مسيرته الطويلة..

وكونه يدعو الناس إلى التحررّ من رقِّ الشهوة إلى فضاء التزكية.. وتقوية قدرتها على تجاوز لذاتها وشهواتها إلى الاستعلاء والثبات في القرب من الله سبحانه وتعالى، فهو أحوج الناس لرافدٍ يغذي إيمانه ويسمو به..

ولو تأملت أخي الكريم في خطاب الله لنا لوجدت أن المخرج الآمن من كلِّ المآزق هو التقوى؛فهي التي تخرجنا من حلق الضيق إلى أوسع الطريق.. «ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيثُ لا يحتسب».. ولو قلنا أن الجانب الروحي في حياة المرء أصله وعماده التقوى لكفى ذلك تعريفًا للجانب الروحي في حياة المرء..

نداء الله :

فكثيرًا ما يهتف بنا نداء الله ويشدُّنا للتقوى، فالتقوى هي رافد الدعاة، ومعينهم الذي لا ينضب، فإليه يوردون ويصدرون.يقول تعالى:

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم”.

فقربهم الشديد من المولى عزَّ وجل، من خلال التأمُّل في كونه وخلقه، والنظر والتدبر في كتابه وقوله، والعيش بسنة نبيه عليه الصلاة والسلام قولاً وعملاً… هو سبيلهم للوصول إلى أسمى درجات التقوى،التي تظهر في أفعالهم وعاداتهم وعبادتهم،التي تجدد هذا المعين الصافي باستمرار..

مجاهدة مستمرة:

يظل الداعية في جهاد دائم لنفسه بين هواها السفلي، وآفاق طموحاتها العليا، فهي تدرك النعيم المقيم، وتهوى الدعة والراحة والسكون… وفي علوّه عن استرضائها بما تهوى،وركوبه مشاقّ الصبر على الطاعة ينال عظيم الأجر والثواب… «وأمَّا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى»…

وهذا الفضاء الروحي الذي يعيشه الداعية هو ما يمدُّه بالقوة النفسية لتحمل جميع العقبات والابتلاءات في مسيرته، وهو لا يزال يعاهد نفسه على إتمامها،والاستمرار بممارستها لتصبح عادات محببة إلى نفسه يستمتع بها..

ومن تكن العلياء همَّة نفسه

فكل الذي يلقاهُ فيها محببُ


فما السبيل للوصول للمدارج العليا التي نالوها؟

سنجد أنَّ لديهم برنامجًا يوميًا يؤدونه باستمرار، وهو ما يسمى اليوم في العلوم التنموية الإدرايةبالعادات الإيجابية.. تقودهم إلى أن يكونوا مع زمرة المتقين..

1- المعاهدة: وهي أن يخلو المؤمن بنفسه، ليعاهدها ويتعهدها بأن تلتزم العهد مع الله، فتعبد الله كأنها تراه، ويتذكر عهده مع الله في وقفاته اليومية مرددًا.. «إياك نعبد وإياك نستعين»..

وبالتالي تقوده المعاهدة إلى الخطوة التي تليها بطريقة تلقائية..

2- المراقبة: « الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين».. فتكون كل حركات الداعية وسكناته فكرًا وذكرًا، وتعاملاته أدبًا وذوقًا، ودعوته لغيره حبًا وحرصًا..

3- المحاسبة: مراقبة الله في نفسك تدفعك إلى عتابها، فإذا كانت المراقبة قبل العمل وأثنائه فإن المحاسبة تأتي بعد العمل، والمحاسبة لا تعني اللوم والتقريع.. كلا بل تعني التقييم والبحث في نقاط الضعف لتعزيزها، والأخطاء لعدم تكرارها،والانتباه من الوقوع في مقدماتها.. وهذه هي المحاسبة المحمودة..

4- المعاقبة: يحلو للمؤمن أن يلزم نفسه ببرنامجه الخاص به،فالالتزام والانضباط أقوى قواعد النجاح لتحقيق الغايات العليا.. ومعاقبة المؤمن نفسه هي أن يدفعها إلى مراتب الكمال فيتدرج في مدارج التقوى،فنفسه أبية على الهبوط فإن شعرت بما يسحبها عن الصعود، زادت في العلو واستعجلت النهوض. ومثلُ ذلك ما قام به أبو طلحة الأنصاري، حيثُ كان يصلي في حائط له فطار دبسي، فطفق يتردد (يلتمس مخرجا)، فأعجبه ذلك فجعل يتبعه بصره ساعة،ثم رجع إلى صلاته، فإذا هو لا يدري كم صلى،فقال:لقد أصابني في مالي هذا فتنة،فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة،وقال: يا رسول الله هو صدقة لله فضعه حيث شئت .

5- المجاهدة: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا»، فالداعية يجتهد ويجاهده نفسه ليسمو عن رغبات خصائص طبعه الإنساني، ليقوم بتكاليف العبادة، والصبر على الطاعة، والصبر على مهام التبليغ والإرشاد،وهو يقوم بالاستمرار على البقاء في مستوى عال من النقاء الروحي من خلال المداومة على الأذكار، ومصاحبة الأخيار، وتلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار..

ثمار السموّ الروحي:

وهذه العادات الخمس لها ثمارها الغالية في حياة الداعية، فهي سبب سداد رأيه، ومحبة الناس له، وقد عبر عن ذلك الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي في قوله: «إذا تجلى الله عزَّ وجل في قلبك، فإنك تشعر بتفاؤل، وتشحن نفسك بمعنويات عالية جدًا، ويصبح كلامك سديدا، ونظرك خارقًا، وتفكيرك سليمًا،وموقفك جريئًا،لا تهاب في الله أحدًا…»

ولعلك تتعجب من ذكاء أحد العلماء والدعاة القريبين منك،وقدرته على السرعة في الفهم والتحليل،واحتواء الآخر وإقناعه،وكلُّ ذلك سرُّه تقوى الله، فرأس الحكمة مخافة الله ..

وقد بين الله عزَّ وجل ذلك في قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ».

« إنها حقيقة : أن تقوى الله تجعل في القلب فرقانا يكشف له منعرجات الطريق .ولكن هذه الحقيقة – ككل حقائق العقيدة – لا يعرفها إلا من ذاقها فعلا! إن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذوقوها! .

إن الأمور تظل متشابكة في الحس والعقل؛ والطرق تظل متشابكة في النظر والفكر؛ والباطل يظل متلبسا بالحق عند مفارق الطريق! وتظل الحجة تفحم ولكن لا تقنع . وتسكت ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل . ويظل الجدل عبثا والمناقشة جهدا ضائعا.. ذلك ما لم تكن هي التقوى.. فإذا كانت استنار العقل،ووضح الحق،وانكشف الطريق، واطمأن القلب، واستراح الضمير ،واستقرت القدم وثبتت على الطريق!

إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة.. إن هناك اصطلاحا من الفطرة على الحق الذي فطرت عليه؛ والذي خلقت به السماوات والأرض.. ولكنه الهوى هو الذي يحول بين الحق والفطرة.. الهوى هو الذي ينشر الغبش،ويحجب الرؤية ،ويعمي المسالك ويخفي الدروب..والهوى لا تدفعه الحجة،إنما تدفعه التقوى.. تدفعه مخافة الله،ومراقبته في السر والعلن.. ومن ثم هذا الفرقان الذي ينير البصيرة ، ويرفع اللبس،ويكشف الطريق».


يؤتكم فرقانًا..

يفرق لكم بين الحق والباطل.. بين الخطأ والصواب.. الفرقان نورٌ في الفهم وفي الاستنباط..

وخير شاهدٍ على ذلك.. قصة سيدنا عبدالله بن عباس حبر هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه..

ولنسمعه يروي القصة.. «كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْذَنُ لِأَهْلِ بَدْرٍ, وَيَأْذَنُ لِي مَعَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَأْذَنُ لِهَذَا الْفَتَى مَعَنَا, وَمِنْ أَبْنَائِنَا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ, فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ قَالَ: فَأَذِنَ لَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ, وَأَذِنَ لِي مَعَهُمْ, فَسَأَلَهُمْ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَقَالُوا: أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فُتِحَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ وَيَتُوبَ إِلَيْهِ, فَقَالَ لِي: مَا تَقُولُ يَا بْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَيْسَتْ كَذَلِكَ, وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بِحُضُورِ أَجَلِهِ, فَقَالَ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ,وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَذَلِكَ عَلَامَةُ مَوْتِكَ,فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا,فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ تَلُومُونِي عَلَى مَا تَرَوْنَ؟).

وطريق الداعية إلى ذلك تبدأ بالتفكر والتأمل المستمر في القرآن الصامت والكون الناطق، والعيش بسنة المصطفى القرآن الذي يمشي على الأرض..

وأخذ ذلك بقوة في البحث والنظر، والتأمل والتدبر يثمر في قلبه العلم، فإذا أزهر العلم في قلبه وأثمر، أورثه الحال الشعوري والسكينة التي يحيا بها مع الله، وهي التي تدفعه إلى العمل، والصبر على مشاق الطاعة والدعوة والتبليغ..

ظلال القرأن

ومضة:

السكينة شيء لا يوصف.. إذا تجلى الله على عبد بالسكينة كان أقوى الناس، وكان أغنى الناس، وكان أسعد الناس، وأكثرهم صبرًا واطمئنانًا وإقبالاً وتوازنًا..

محمد راتب النابلسي

احد الجوانب المهمة في شخص الداعية هو الجانب الروحي الذي يشحذه همةً وطاقة للعمل الدعوي.

ان الضواغط على التربية الروحية كثيرة ولكن ارادة الانسان المؤمن يجب ان تكون اكبر من الضواغط، واكبر من الحواجز الطبيعية والاجتماعية والنفسية، بيئة المؤمن الاجتماعية، وبيئته الثقافية، وزاده الفكري الذي يتلقاه، ويتفاعل معه، ومشاغله الحياتية، وتربيته الاولى، وطبيعته كانسان له اهواؤه وحسه، كل ذلك لا يشجع على الصلة بالله.. ولكن في هذا ايضاً قيمة الاتصال بالله، وتعميق العلاقة به.. وفي تجاوز المصاعب، والتمرد على القوانين الاجتماعية، والنفسية.. تتبدى (تتجلى) انسانية الانسان، وجوهره الروحي الخلاق. وفي هذا ايضاً ميزة الانسان المسلم الذي يتبنى الاسلام عقيدة، وخلقاً، وسلوكاً، على الانسان المادي