أحمد بن سالم الفلاحي -
عندما يكون المحدد الجغرافي لمفهوم الوطن هو الذي يحتكم اليه في تقييم البشرية كمجموعة، وفي تحييد الوطنية كفرد عندها يكون لهذا الجزء الصغير، وان كبر، اكبر الاثر في مفهوم البقاء، والاستمرار، والاستقرار، وايما فرد، او مجموعة افراد فقدوا هذا المكون الاساسي في حياتهم الانسانية، حيث اللجوء والتشرد، عدهم الآخرون بأنهم عالة، ورأوا هم في انفسهم انهم لا حاجة لهم في حياة لا ينجزها لهم وطن، ولا تحتويهم جغرافية معينة، وعلى امتداد الكرة الارضية اليوم هناك نماذج كثيرة لهذه الانواع كلها، يموتون في اليوم الف مرة لانهم يفتقدون هذا المكون، وآخرون يحيون الف مرة لأنهم يعيشون الوطن بكل تفاصيله الرائعة.
ولذلك فالذين يتحقق لهم مفهوم الوطن، وحقيقته عليهم ان يعضوا عليه بالنواجذ، ان يتشربوه معنى رائعا من معاني حياتهم الحقيقية، وان يتشربوه مفهوما خالدا لا يمكن التفريط فيه، فالأوطان لا تتكرر ان سحبت نفسها من بساط التحقق، ولذلك تشكل اللحمة الوطنية اهم مؤسس وطني ينظر اليه في تقييم مدى تماسك الجبهة الداخلية لأي دولة، وينظر الى المواطن حينها على انه الوحيد الذي ينجز هذا المتحقق الوطني الذي تسخر له كل الامكانيات، والبرامج للوصول الى غاية الاستقرار، والبقاء، والاستمرار، ومتى تحقق هذا الهدف في أي وطن كان له فضل السبق من بين الاوطان ليحتل السمعة الطيبة، والتميز الحسن، وايما اوطان خرجت عن هذه الغاية المأمولة اعطت نفسها تاريخا أقرب للانتهاء، وليس هناك عقلاء تحقق لهم وطن ان يفرطوا فيه مهما كان المقابل مجزيا في لحظة ما.
وفي عالمنا اليوم نماذج كثيرة من مختلف الانواع من الاوطان، منها المستقر أبدا، ومنها الذي تفوح فيه القلاقل والاضطرابات، وتموج عبر مكوناته الصراعات، والحروب، والنزاعات، ولذلك فأن له ان تمتد فيه ميادين الأمن والاستقرار، وأن لهذا الانسان الذي يعيش فيه ان يأمن على نفسه و أسرته، وأن تتحقق له سبل المواطنة، وأن لولي الأمر فيه ان يصيغ له برامج تنميته، وعوامل امنه واستقراره، وهناك اوطان تراوح مكانها بين هذين النموذجين، حيث تعيش في حالتي الشد والارتخاء، وهي تظل غير جالبة للاستقرار، بقدر ما هي منفرة عن العيش فيها، وهنا يكون الدور على ابنائها اكبر لأن يعيدوا مساره نحو مسارات الاوطان الحقيقية.
هناك اوطان تعيش صراخا مستمرا، قد يكون صراخا متعمدا الهدف منه لفت الانتباه، ومحاولة وضع موطئ قدم في هذا العالم الذي تسوده المصالح المتضاربة، على الرغم من صغر حجمها، وقلة امكانياتها، وصغر عدد سكانها، وهناك أخرى تفرض هيبتها بفعل القوة التي تمتلكها، وبتعداد سكانها الكثر، لتظل في مقدمة الركب ابدا، بغض النظر عن ما يتقاطع او يتعارض ذلك مع مصالح الدول، والشعوب في أماكن عدة، فالقوة الجبارة التي تمتلكها من العتاد والسلاح، وسلطة الرأي في مؤسسات المجتمع الدولي يمكنها من فرض ذلك، حيث تظل بقية الشعوب دون ذلك المستوى من مكونات هذه القوة، وهناك نموذج ثالث يحتكم الى الخلق الرفيع، حيث النأي بعيدا عن مختلف الصراعات والمحن، ولعله الأبقى ودا، والاقرب نفعا، وعليه يعول الكثير في ردء الصراعات، وفي التئام الجروح، وفي تقريب وجهات النظر، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
هذه الصور للأوطان المختلفة صورا معايشة، ومعروفة، وعلى امتداد البشرية منذ تكوينها الأولى تعيش هذه المفارقات التكوينية للمجتمعات في اوطانها، وليس هناك من جديد في هذه الصورة العامة، ولكن الجديد هو التحول الفكري والخبرة التراكمية طوال هذه الدهور منذ ذلك الزمن البعيد وحتى اليوم والتي لم تغير الكثير من التفكير السلطوي والزج بالأوطان بما فيها من تجمعات بشرية في أتون الحروب والتشرد والهلاك، وكأن البشرية للتو تبدأ خطواتها الأولى نحو المعرفة، وكل التجارب والمواقف التي مرت بها الشعوب لم تؤثر شيئا في فكر هذا الانسان حيث لا يزال يقتات على آخر ما تبقى من فتات العنصرية، والعنجهية، وفرض الامر الواقع على من دونه، وكأن البشرية – كتكوين انساني – تعيش هي الأخرى مفارقات النشأة، والتكون، وكأنها البشرية – كمكون اجتماعي – تعيش في جزر معزولة لا تتأثر بعضها ببعض، ولا تؤثر بعضها في بعض، وكأنها للتو تعيش حياتها الأولى، وكأن الجميع للتو ينزل من كواكب مختلفة ليس بينها رابط، ولا تشترك فيما بينها في خبرة ما من خبرات الحياة.
هذه الصور التي ترواح نفسها منذ ذلك الزمن البعيد، وحتى اليوم لم تؤثر فيها كل التطورات الفكرية، او الصناعية، وانما اوهبها كل ذلك الوصول الى ادوات اكثر فتكا، ودمارا، واكثر قسوة في تدمير المكون الانساني، وفي تقطيع اية اواصر اجتماعية بين البشرية كلها، وهي في النهاية يدفع فاتورة ضريبتها الوطن المحدد بالمساحة الجغرافية والذي يضم مجموعة من البشر، اوجدهم الزمن في فترة ما مكونين له تاريخا، وحضارة انسانية، ومؤرخين له على مرور الزمن الكثير من المواقف، والقصص، وعلى هؤلاء جلهم ان يتلقوا المأزق الحاصل بين مكونهم الجغرافي الذي نشأوا فيه، وبين مختلف القوى والمطامع التي تدور من حولهم، اما طمعا فيهم، او حسدا، او انعكاسا لما جبل عليه الانسان من تسلط على كل ما هو دونه، وما هو اضعف منه، حيث تتجلى الغريزة الاستعمارية بين جوانبه المختلفة، خاصة اذا لم يحكم ذلك اخلاق تربوية عالية تحجم فيه الطمع والتسلط.
والبشرية على امتداد تاريخها الانساني تعيش السلوك نفسه، ولم نقرأ، عبر ما قرأناه، ان هناك فترة زمنية عايشتها البشرية كانت ميزتها الاستقرار، والهدوء والبعد عن منغصات الأيام، وهذا مؤشر واضح للذين يتتبعون السلوك الانساني عبر مساره التاريخي، فهذا الانسان بقدر ماهو الباحث دائما عن استقراره وهدوئه، هو الثائر ايضا على هدوئه واستقراره، وتسيئه دائما حالة الاستقرار التي تمر عليه، حيث يرى فيها الرتابة والملل، وفي خضم البحث عن مستوى افضل للحياة يدخل نفسه في معترك القلق الذي يجره الى الدخول في ميادين الصدام مع من حوله بغض النظر عن ما سوف ينتج عن ذلك من مآسي يدفع ضريبتها الشعوب الضعيفة، وتتصدع فيها اركان الاوطان الاقل حظا من القوة والجبروت، ولو جئت لتحلل الغاية من كل هذا العناء لن تجد اكثر من الحصول على فتات لا يستحق كل هذا العناء، وكل هذه المآسي التي يدفع ضريبتها سكان الوطن المغلوب على امره، انه الجشع، والطمع، والغرور، والتسلط، وغياب الرادع الانساني والقانون، في بعض الاحيان، الذي يلجم كل ذلك.
في عالمنا اليوم هناك اوطان تئن من سوء تصرفات قادتها، ومن تخبط سياساتها الداخلية او الخارجية، خاصة عندما تشرع هذه السياسات في التفكير في الخارج المحيط، اكثر منه التفكير في الداخل المهم، حيث تنزع قيادات هذه الاوطان الى البحث عن سمعة، وعن شهرة، وعن ابراز عضلات متجاوزة قدراتها البشرية، والمادية، ومغالبة قواها الفكرية التي يتميز بها ابناؤها، يحدث هذا اليوم بعد ان وصلت البشرية من مرتقى من الفكر، والمعرفة يعفي من يريد من الوقوع في مطاب المهالك، ويعين من يريد الى الارتقاء الرائع للانسانية، ويتيح لها المسالك الكثيرة للبحث لأبنائها البرامج التنموية، والسياسات الاجتماعية المختلفة، ويرتقي بها نحو الكمال والتميز، لكي تعيش في مساحاتها الجغرافية آمنة مستقرة، جادة في البحث عن المزيد من عوامل الامن والاستقرار لابنائها، الذين اغلبهم يتوقون الى ذلك، ولكنها الفردية البغيظة المخضبة بالطمع والجشع، عندما تتحكم في عقلية البعض تذهب به بعيدا حيث الهلاك، ومن ثم التبعية، وقد تورده، بعد الحين، موارد الذل والاستسلام، والخضوع لقوى اكبر، ولأطماع اكثر قسوة، ولو ادرك من يتلبسون بهذا كله النتائج الختامية لذلك، يقينا، لما اوغلوا في المهالك.
ان البشرية اليوم مطالبة اكثر من اي وقت مضى لأن تبحث لنفسها عن طرق للأمان، وعن وسائل للأمن والاستقرار، وعن برامج للتنمية والارتقاء، وان تنزع من مكونها الانساني مجمل الاطماع، لأن في كل ذلك هو مناخات البقاء والاستقرار، والتحقق الانساني المطلوب، ولأن في ذلك الخروج من مأزق الوقوع في كل ما من شأنه ان يقوض المكتسبات الانسانية المهمة في حياة الشعوب التي تناضل لأن تصل اليها.


