نوافـذ: «ولدنا على دين آبائنا»

أحمد بن سالم الفلاحي –

Dreemlife11@yahoo.com –

ينظر إلى القيم الاجتماعية، وخاصة عند كبار السن، على انها محدد مهم للحكم على أخلاقيات الفرد، ومستوى اصله، ومدى تسلسله الهرمي، حيث يقال لك: «هذا من البيت الفلاني»، وهذا «جده فلان»، وهذا «من الأسرة الفلانية»، وهذا «تسقيه رسوم»، وغيرها من المقاييس التي يضعها كبار السن عادة للحكم على ناتج توظيف هذه القيم على الواقع، وهي في مجملها صورة اجتماعية تقليدية، تنحاز اليها أكثر المجتمعات التي تكتوي بلظى التقليدية الممقوتة التي تضع القيود الكثيرة على مختلف الأنشطة المختلفة التي يقوم بها الانسان، ولا تزال هذه الصورة متفاعلة إلى حد كبير في مثل هذه المجتمعات التي ترزأ تحت وطأة هذه التقليدية.

الجيد في توالد وتناسخ هذا التقييم انه يحافظ على صور المجتمع من الانصهار في «مجتمع العولمة»، ولكن السيء الأكثر هو البقاء على الصور النمطية التي تمجد الانسان على أصله، وليس على مقدار ما يعمل، وما ينجز، وما يكسب، وهذه الصورة التقليدية ان أزهرت، واينعت في فترة زمنية – كانت لها ظروفها الاجتماعية – فلن تستساغ الآن في عصر العولمة، وفي عصر السماوات المفتوحة التي تجاوزت أو كادت كل السياجات المحيطة بالأعراف التي يعزف على نغماتها المتوارية ليل نهار، في شيء من السخف في بعض الأحيان.

والمشكلة الأكبر في هذا الجانب عندما يتبنى احتضانها شباب من هذا الجيل لتحقيق مصالح آنية، وخاصة عندما لا يستطيعون أن ينافسوا على القيم الحديثة للوصول إلى المناصب، أو إلى الإنجازات العلمية، على سبيل المثال، وقد سمعت اكثر من واقعة أن هناك من يكرس هذه الصورة الواهنة، في بعض المؤسسات، حيث يسود الاعتبار الاجتماعي على اعتبارات القيم الإدارية التي لا يصل اليها الموظف إلا من خلال مجموعة الجهود التي يبذلها، أما في المجال العلمي، أو في المجال العملي، وهي الجهود التي تعكس حقيقة الهمم، ونبل العمل، وإخلاص الانتماء للوطن بشكل عام، وللوظيفة بشكل خاص.

لعل المخرج المهم من هذه الإشكالية الاجتماعية هو نمو وازدياد الأسر النووية، وهي الاسر التي استطاعت أن تخرج من استحكامات الاسرة التقليدية التي خيمت على مناخات الحياة الاجتماعية ردحا من الزمن، لأن من مميزات هذه الأسر أن عدد افرادها قليلون، وفي بعض الأحيان لا يتجاوز الأب والأم، وهي الاسر السائدة اليوم في المجتمعات المتقدمة، حيث تشير الإحصائيات ان نمو الاسر النووية قابلة للزيادة، وقد بلغت مستوى الزيادة في بعض الدول إلى اكثر من (20%) في خلال فترة زمنية لا تزيد عن عشرين عاما، وهذا مؤشر على درجة كبيرة من الأهمية.

ومفهوم التحلل من استحكامات بعض المفاهيم التقليدية، وخاصة فيما يهم المنجز الإنساني على وجه الخصوص، يبدو حاضرا منذ زمن بعيد، وقول الشاعر: «ليس الفتى من يقول كان أبي: إنما الفتى من يقول ها أنا ذا» يعكس دلالة واضحة على أن الانتصار إلى الجهد الفردي في مختلف مناحي الحياة، وانشطتها المختلفة اكبر حظا، لأن العكس يلغي هذه الفردية، ويجعلها تنصهر، وتذوب في خضم الجماعة، ولا تترك فرصة للتميز، فوق أنها تلغي الحقوق، حيث يضيع جهد الفرد في بوتقة الجماعة، وهذا يناقض حتى نصوص القرآن الكريم التي يقول الله تعالى فيها: (للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن، وأسالوا الله من فضله).