الضبط الاجتماعي وشراكة التنمية

د. رجب بن علي العويسي –

rajab.2020@hotmail.com –

نظرا لتزايد مسؤوليات الدولة في توفير برامج التنمية لتأمين سبل العيش الكريم للمواطنين وتحقيق الأمن والاستقرار وفي وقت تتسع فيه التحديات الناتجة عن التجاذبات الحاصلة بين الإمكانيات والمتطلبات والطموحات، يأتي الضبط الاجتماعي كأحد محددات السلوك المجتمعي القائم على تعزيز روح التآخي والتكامل بين أبناء المجتمع في طريقة معالجة لمشكلاتهم الداخلية ومساندة مؤسسات الدولة في القيام بمهمة التوعية والتثقيف بما يمكن الفرد من المشاركة في إيجاد حلول للمشكلات والسلوكيات والتوجهات التي باتت تميز المشهد الاجتماعي العالمي، ويبرز الضبط الاجتماعي اليوم كإحدى استراتيجيات نظم الادارة الحديثة ودولة المؤسسات في سبيل تحقيق الأمن والاستقرار وسيادة القانون واحترامه وفق أطر وضوابط تستجيب للتحولات الحاصلة بأدوات مقننة وآليات محددة وأنظمة عمل مرنة تعمل على تعزيز روح الانسجام بين القانون ومنظومة العادات والتقاليد الأصيلة بالمجتمع بالإعلاء من قيمة التناصح والضبط الذاتي لمعالجة الإخفاقات في السلوك البشري. وبالتالي التحول بمنظور الضبط الاجتماعي بشكل يتفاعل مع المعطيات والمستجدات ويستجيب لتطلعات الشباب وطموحاته في عالم بات فيه نجاح دور الدولة في سياساتها وخططها وبرامجها مرتبط بمستوى وعي المجتمع وثقافته وقناعاته وقبوله للتغييرات.

وعليه فإن الضبط الاجتماعي في إطار شراكة التنمية يستدعي قراءة متوازنة لمنظومة العمل الاجتماعي ذاته وما فيها من تفاعلات وأسس تحتكم إليها واستقراء لموجهات الضبط القائمة في تصحيح المسار ومستوى توفر مناخات تعزز استجابة المجتمع بكل فئاته للتشريعات والقوانين النافذة بشكل يتيح للدولة ومؤسساتها رصد نجاحات هذا العمل ودراسة اخفاقاته في إطار نمط واضح من المتابعة والرصد والتقييم الدوري، وهو ما يستدعي حسن اختيار الكفاءات الوطنية القادرة على صياغة هذا التحول في دور الضبط المجتمعي وتفعيل مشاركة الشباب والمثقفين وحكماء المجتمع بشكل يتفاعل وينسجم مع القوانين وأنظمة العمل والتشريعات المؤسسية في كل ما من شأنه ضبط سلوك أبنائه يظهر ذلك في ما تقوم به الأسرة والمجتمع والعائلة من موجهات تعديل السلوك وتبصير الشباب بالعادات المقبولة ومساندة المدرسة في تعلم الأبناء ومعالجة السلوك الطلابي، ودعم الأجهزة الأمنية في مراقبة الجناة والقبض على مروجي المخدرات أو المعتدين على الحق العام أو ممن ينشرون الخوف بين أبناء المجتمع أو ما يتعلق بسلوك الأيدي العاملة الوافدة والدخول غير المشروع لبعضهم لأراضي السلطنة أو تأمين المدعو منهم للجهات المختصة وإخفائه عن الأنظار وغيرها، وبالتالي إيجاد آليات شعبية تقدم الدعم والمبادرة وتعزز أواصر المحبة والتعاون بين الأسر والأزواج وبين أبناء المجتمع في تعاملهم مع الازمات والأنواء المناخية والحالات الطارئة بما يؤصل لثقافة الاستجابة الفورية والوقاية المجتمعية. وبالتالي يتوقع أن يؤدي دورا محوريا مكملا لدور المؤسسات في عمق ارتباطه بأحداث المجتمع وقدرته على تشخيص واقع الممارسة التي باتت تتطلب جهدا مجتمعيا يقوم على الشراكة في رؤية المعالجة. فإن قدرة منظومة العادات والتقاليد والمبادئ الوطنية على الوفاء بالتزاماتها مرهون باستنادها إلى معايير مجتمعية متفق عليها وموجهات دقيقة تحتكم إليها منعا من الاجتهاد مع ما يرتبط بتنفيذها من كفاءات وجاهزية تُعلي من قيمة التناصح المجتمعي والشعور بوحدة المسؤولية وتفعيل دور الأسرة، فإن ما اتخذته الدولة في سبيل توظيف هذا الرصيد القيمي والعادات والتقاليد العمانية الأصيلة لتعزيز الرقي في السلوك الاجتماعي والتي يأتي من بينها لجان التوفيق والمصالحة ليستدعي امتدادا يتسع لكل الجوانب ذات العلاقة بضبط سلوك الافراد وتحقيق الامن والأمان بالمجتمع بما يوفر على الجهات المعنية فرص التقييم والمتابعة والرصد لتعديل السلوك وضبط متغيراته.

وعليه فإن الحاجة إلى إعادة صياغة جديدة لتوظيف الضبط الاجتماعي يأتي في إطار ما يمكن أن يعززه من قيم الحوار ويرسخه من ثقة بين أفراد المجتمع، وبات العمل على توظيف العادات الأصيلة والقيم الحضارية للإنسان العماني كآليات وموجهات لعمل ضبطي مستدام أهميتها في برامج التنمية الوطنية والشراكات المؤسسية. كما أن النزول به في واقع العمل الوطني يستدعي إنشاء حاضنات فكرية ومراكز للرصد والمتابعة ولجان العمل والجمعيات وغيرها لتقوم بدورها في التوجيه والتناصح وجمع الشمل الأسري ونشر مظلة الأمن والآمان المجتمعي على مستوى الولايات والمحافظات والقرى البعيدة، ليقف المواطن جنبا إلى جنب مع كل الخطط التي تستهدف نشر مظلة الأمن والاستقرار وبناء أرضيات رصينة لشراكات مجتمعية فاعلة.