العمانيون أسهموا في ركب الحضارة بنشر الدعوة الإسلامية وحركتهم العلمية ونشاطهم التجاري

إضاءات بارزة عن «ندوة الدور الحضاري والتاريخي العماني» ببهلا –

تابع الندوة: محمد بن سليمان الحضرمي –

نظمت مكتبة الندوة الأهلية ببهلا مساء الخميس الماضي ندوة «الدور الحضاري والتاريخي العماني»، حيث أقيمت في الساحة الداخلية لحصن بهلا، ورعاها صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد وزير التراث والثقافة، قدمت إضاءات بارزة عن هذا الدور، وذلك من خلال خمس ورقات بحثية، تناولت الورقة الأولى جوانب من معالم التاريخ العماني، وتناولت الثانية الدور العماني في المنطقة، وبحثت الورقة الثالثة البعد الحضاري للثقافة العمانية، وقدمت الورقة الرابعة قيم التلاحم العماني، وتحدثت الخامسة عن الروح الوطنية للعمانيين ولاءً وانتماءً على مر العصور، حضرت الندوة شخصيات رسمية واحتشد لها جمهور غفير من أهالي بهلا، أبانت عن شغف الحضور بالفعاليات الثقافية، بعد أن هيئت ساحة الحصن لتكون قاعة محاضرات مفتوحة على السماء.

وفي الكلمة التي ألقاها خميس بن راشد العدوي، رئيس مجلس المؤسسين لمكتبة الندوة الأهلية العامة، المنظمة لهذه الفعالية، قال فيها: إن بهلا تعيش يوما من أجمل أيامها، حيث تحتفل بالعيد الوطني الرابع والأربعين المجيد، وبخطاب مولانا صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله وأدام سؤدده-، وتتشرف بزيارة صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد وزير التراث والثقافة، تحتفي بكل ذلك بإضاءة مشعل للعلم والمعرفة، حيث تقيم مكتبة الندوة العامة، وهي صرح بهلا الثقافي، هذه الأمسية.


ركن خاص بصاحب الجلالة


وتحدث في كلمته عن توسع مكتبة الندوة العامة في أداء رسالتها، بإنشاء ركن خاص بصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- ليعنى بخطابات جلالته، وبالدراسات والمؤلفات والأبحاث التي اهتمت بفكره في بناء الدولة والمجتمع العُماني. وتحدث عن اقتراب اكتمال مشروع غرفة الطفل، والتي ستعنى بتثقيف أبناء هذه الولاية، ولتساهم كذلك في مسيرة السلطنة المستقبلية، في هذه المكتبة التي تقلدت شرف حمل المركز الأول لجائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي لعام 2012م.

وأضاف في كلمته: إن الأمم العظيمة تقاس بنتاجها الحضاري على طول تاريخها، وإن كانت بعض الحضارات قد قامت ثم بادت، فإن حضارتنا العمانية التي نشهد الآن أحد أبهى تجلياتها، تمتد إلى عمق التاريخ، إنها تشكّل حصيلة ما يربو على خمسة آلاف عام، قامت على أرضها حضارات أسهمت في البناء الإنساني، منذ أن تطور على يد العمانيين الخط والكتابة، حتى مشاركتهم في العلوم العربية والإسلامية، ثم إسهامهم في نشر الثقافة العربية والإسلامية في كثير من أصقاع العالم، وحتى اليوم، حيث أصبحت السلطنة معلم السلام العالمي.

وقال أيضا: هناك تجليات كثيرة جدا للأدوار الحضارية العمانية، وقد اخترنا بعض أهم وجوه هذه الحضارة لنقدمها نجوماً متلألئة في هذه الليلة من خلال ندوة «الدور الحضاري والتاريخي العُماني». حيث سيلقي أساتذة مخضرمون في العلم والثقافة أوراقاً تفتح لنا أبوابا باتجاه دراسة واعية لتاريخنا، وإدراك لحاضرنا، واستشراف موضوعي لمستقبلنا.


التاريخ نشاط البشر


ابتدأت الندوة بتقديم الورقة الأولى قدمها د. سعيد بن محمد الهاشمي أستاذ مساعد بقسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة السلطان قابوس، قدم فيها إضاءات في التاريخ العماني الحديث، متحدثا عن التاريخ باعتباره علما وفنا، فهو علم في حد ذاته، لأنه بُني على أسس علمية في التمحيص والتحليل وعلم الدراية والإحاطة المكانية وزمانية وليس هو حكاية تروى أو علم لا ينتفع، وفن في تصفيف عباراته وترتيب منهجه اللغوي وترابط فقراته وجمله.

وأكد في ورقته أن الوقفات التاريخية كانت في وقتها حدثا بارزا تحدث عنه الناس، وسطرته الأقلام، وبقي في أذهان الناس، تصاغ حوله البطولات والأساطير الفكرية.

وقال أيضا: لا يفهم التاريخ على أنه حدث سياسي أو عسكري فقط، ولكن يفهم بأنه تاريخ نشاط البشر، كالتاريخ الثقافي والتاريخ الاجتماعي والتاريخ الاقتصادي وتاريخ تطور العمران والتاريخ الطبي والأخلاقي.

وأضاف: إن العصر الحديث يبدأ من منتصف القرن الخامس عشر، وفيه تحدث عن أبرز المواقف السياسية في عمان، وأهم المعالم الحضارية والثقافية، وحياة شؤون الناس ونشاطهم اليومي، وما يصيبهم من هول الدنيا كالمرض والموت والأمطار، وجرف الأودية والصواعق، وغيرها من سلوكيات المواطنين وحسن تعاملهم مع بعضهم البعض. كما قدم د. سعيد موجزا عاما عما حدث من ملامح التاريخ العماني الذي يتناوله الكثيرون، ولكنهم يركزون على الجوانب السياسية، ويهملون جوانب من نشاط الإنسان العماني.


أدوار العمانيين عبر التاريخ


فيما تناول الشيخ سيف بن هاشل المسكري مساعد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي لدول الخليج سابقا، في ورقته الدور العماني في المنطقة، من بين ما تطرق إليه حديثه عن واقعة جزيرة سقطرة واستنجاد والي السند، وهذه أحداث تاريخية دونتها كتب التاريخ العماني، كما تحدث عن الأوضاع المتعلقة عن العلاقة العمانية الإيرانية خلال فترة السبعينات الماضية، واستمرارها بعد ذلك، ثم تحدث عن الأوضاع والعلاقات الخليجية والدور العماني في قضايا العلاقات الخارجية.

وقدم صالح بن سليم الربخي خبير في مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، ورقة عن البعد الحضاري للثقافة العمانية، بادئا بمدخل تمهيدي لمعنى الحضارة والمدنية والثقافة التي تتعلق بها، ثم تحدث عن أبعاد وركائز الثقافة الإسلامية (العمانية)، والمساهمات العمانية في خدمة الحضارة الإنسانية، من خلال الحديث عن دور العمانيين المباشر في نشر الدعوة، والحركة العلمية لعلماء عمان، والنشاط التجاري العماني وأثره الحضاري، وأثر الملاحة البحرية الحضاري، ومساهمات العمانيين في الفتوحات الإسلامية.


تعزيز قيم التلاحم الوطني


وقدم ناصر بن علي الخروصي من مكتبة الندوة الورقة الرابعة، بالإنابة عن صاحب الورقة محمد بن سعيد الفطيسي، رئيس تحرير مجلة السياسي، المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، حيث تحدث فيها عن قيم التلاحم العماني، مؤكدا بالقول: إن هناك اعتقادا خاطئا عند كثير من الباحثين الاجتماعيين في حصر القيم الاجتماعية في العلاقات الاجتماعية، التي تكون بين أفراد أمة من الأمم أو شعب من الشعوب، فهذه نظرة ضيقة وقاصرة للقيم الاجتماعية، التي تضم في حقيقتها، وحسب ما يدل عليه وضعها الاجتماعي فإن كل ما ينتجه المجتمع ويفضي إليه الاجتماع وبذلك فإنه لا يمكن فصل القيم الشخصية والقيم الدينية والاقتصادية والسياسية عن القيم الاجتماعية التي تمثل بوتقة تنصهر فيها كل القيم السابقة.

كما تحدث عن أبرز المشاريع التي تعزز قيم التلاحم الوطني العماني، من بينها: دعم المشاريع التنموية بكل أشكالها واتجاهاتها السياسية والاقتصادية والتربوية والتعليمية، والتي تهدف إلى ترسيخ مفاهيم الوحدة الوطنية والتسامح.

وإصدار الأنظمة والقوانين التي تدعو إلى ترسيخ العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية ومبادئ الوحدة الوطنية بين أفراد المجتمع سواء كانوا مواطنين او وافدين. ودعم الأنشطة التي يشارك فيها كل أفراد المجتمع وخصوصا الشباب والناشئة وتهدف إلى ترسيخ مفاهيم الحوار والنقاش واحترام وتقبل الرأي الآخر، والتشاور بين كل الفاعلين في الحياة الوطنية.

وزيادة جرعة مادة التربية الوطنية والمواد التي تدعم وترسخ المبادئ الفاضلة الكريمة والقيم العمانية الأصيلة بكل أشكالها في مختلف المراحل التعليمية والدراسية.

ودعم العادات والثقافات والتقاليد الوطنية في مواجهة العادات والتقاليد الوافدة والتي قد لا يتلاءم بعضها مع الثقافة الإسلامية والعربية والثقافة العمانية الأصيلة التي أنتجت تجربة وحدوية متميزة بكل المقاييس.

ودعم مبدأ الشراكة بين مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة وأفراد المجتمع بما يعزز مبادئ وقيم التلاحم الوطني. ودعم إصدار المطبوعات التوعوية في مجال ترسيخ وتوثيق الشخصيات الوطنية والمواقف الرائدة في نشر مفاهيم التلاحم الوطني.


الروح الوطنية للعمانيين


واختتمت الندوة بورقة خامسة قدمها الدكتور إسماعيل بن صالح الأغبري، خبير الوعظ والإرشاد بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، تحدث فيها عن الروح الوطنية للعمانيين، ولاءً وانتماءً على مر العصور، حيث قال في ورقته: إن العمانيين عرفوا بالنزعة الاستقلالية، وهذا يتجلى من خلال إعلان دولتهم أيام الإمام الجلندى بن مسعود عام 132هـ ثم ما أن أطاح بها بنو العباس حتى تحينوا الفرصة للخروج من عباءة بني العباس، فاختاروا الإمام محمد بن أبي عفان.

وما أن يتفرق العمانيون في بعض فتراتهم ثم تقع بلادهم في قبضة الغزاة من الفرس والبرتغال حتى يجتمعوا تحت شخصية وطنية، تكون رمز وحدتهم، تقوي من جبهتهم الداخلية ثم تتفرغ للحشد لدحر الغزاة كما كان ذلك أيام الإمام ناصر بن مرشد اليعربي ثم الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي ثم جلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان، ولقد أعاد أولئك اللحمة الوطنية، وعملوا على إنهاء الخلافات القبلية والجهوية، فاشتد عود عمان.

وقال أيضا: إن الالتفاف حول الرمز يعين على الولاء الوطني وإن اتباع الوسائل الشرعية والقانونية في النقد كفيل بتعميق الوطنية من غير صخب أو عنف أو تشدد، كما تحدث عن مقاومة فكر التشدد والتكفير، ودولة اليعاربة وتعميق الروح الوطنية.

كما تحدث عن مشروع المواطنة لدى صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، التي بدت معالمها في إنهاء الانقسام الجهوي بين العمانيين، وتمثل ذلك في إلغاء التسمية الطارئة الدخيلة بالنسبة لعمان.


دقة اختيار ألوان العلم العماني


وتحدث عن دقة اختيار ألوان العلم العماني، حيث اعتمد جلالته سياسة التقريب والدمج بين العمانيين، بتناسي الخلافات السياسية والقبلية، والصفح عما مضى، والالتفات للقادم، وفي سبيل ذلك تم اختيار ألوان العلم العماني بدقة فائقة، فهو مكون من اللون الأبيض، الذي كان رمز (الإماميين) وهي أيدلوجية متأصلة في عمان منذ قرون كثيرة، وكذلك ضم علم عمان اللون الأحمر، وهو شعار السلاطين، ولا تخفى أبعاد اختيار اللونين في العلم العماني، فهو رسالة إلى أن السلطان لن يقصي أحدا بناء على توجهاته ومواقفه السابقة، وأن دولته تتسع لجميع العمانيين، وأنه يمكن بناء عمان معا، وأنه عفا الله عما سلف. وتحدث أيضا عن اتباع جلالته سياسة العفو والصفح، وهو منهج اختاره منذ توليه أمر البلاد، تجلى ذلك من خلال عدة مواقف عاشها الشعب وشهدتها عمان.