مرتضى بن حسن بن علي –
murtadha45@yahoo.com –
الانخفاض الحاد لأسعار النفط، والمتوقع حسب تحليل أحداث الماضي؛ لكونه سلعة استراتيجية تختلف عن السلع الأخرى، وأسعاره خاضعة لعوامل عديدة، سياسية واقتصادية، ما زال الحدث الأهم الذي يثير الاهتمام المتزايد.
وقد شهدت عمان مرات عديدة انخفاضا في أسعاره، ومع ذلك ربطت تنميتها وانفاقها وتعيين الموظفين وزيادة أجورهم على الايرادات المتأتية أصلا من تسييل اصل ناضب. لذلك هناك اهتمام غير مسبوق في عمان، كما في الخليج المعتمدان بشكل مفرط على إيراداته، وذلك الاهتمام من الظواهر الملفتة للنظر؛ ففي كل ركن من عمان مناقشة، وفي كل محفل منها حوار، وفي كل موقع من المواقع الاجتماعية نقاش، وعلى كل وجه نوع من القلق والوجوم. ورغم كل خططنا الخمسية الطموحة، بدءا من الخطة الخمسية الاولى 1976-1980 ومرورا بما رددناه في أعوام هبوط أسعار النفط في 1986 و1988 و1990 و1993 وغيرها ووصولا الى وضع وثيقة – عمان 2020- فان الفروقات بقت كبيرة بين ما كان مخططا وما تحقق.
و بقت كل الاشياء معتمدة على الانفاق الحكومي وليس المحركات الوطنية الذاتية، وتنويع مصادر الدخل وبناء القوة البشرية العمانية.
والانفاق الحكومي ما زال يعتمد بشكل أساسي على ايرادات النفط التي تشكل واقعيا نحو 90% من ايرادات الحكومة، و كل هذه الخطط ابتداء من الخطة الخمسية الاولى: 1976-1980- كانت تستهدف الآتي:
أ- العمل على تنمية مصادر جديدة للدخل القومي تقف الى جوار الإيرادات النفطية، وتحل محلها في المستقبل.
ب- زيادة نسبة الاستثمارات الموجهة الى المشروعات المغلة للدخل والموفرة لفرص العمل، وعلى وجه الخصوص في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والأسماك والسياحة.
ج- دعم النشاط التجاري المحلي وازالة صعوبات التخزين والنقل ومختلف العوائق التي تنتقص من اكتمال الاسواق التجارية، وذلك بهدف زيادة النشاط التنافسي فيها وكفالة مستوى معقول من الأسعار.
د- استكمال مقومات اقتصاد وطني حر يرتكز على نشاط القطاع الخاص على أساس المنافسة الحرة البعيدة عن الاحتكار، وذلك عن طريق تعزيز الحوافز والاعفاءات الضريبية المناسبة، وعن طريق تقديم القروض للمشروعات الإنتاجية المغلة للدخل والموفرة لفرص العمل، بشروط معقولة، وبما يتناسب والموارد العامة المتاحة للدولة.
و- إيجاد جيل جديد من العمانيين ليقوموا بواجبهم في بناء البلد والإحلال محل الأيدي العاملة الوافدة، وذلك عن طريق تاسيس منظومات تعليمية وتدريبية وتشريعية متطورة وقادرة ان تتغير مع تغير الاطراف والاحداث و الزمن.
و رغم الانجازات الضخمة التي تحققت خلال العقود الأربعة الماضية والتي يستوجب من الجميع المحافظه عليها، فإن القلق الذي يساورنا جميعا يشير الى الاخطاء والمشاكل التي تولدت ايضا. وكثير من المحاولات السابقة لدراسة الاوضاع المستقبلية او في تحقيق الاهداف الموضوعة قد واجهت مشاكل وعثرات في وضع الخطط والسياسات والاستراتيجيات المؤدية لبلوغ الأهداف.
ويبدو واضحا أننا أهدرنا وقتا عند التوجه الى التطبيق الفعلي، اي ترجمة النصوص والآمال الى اجراءات تنفيذية. ولم يعد سرا اننا لم نتوجه ضمن خطة واقعية، ناهيك عن الخلل الظاهر في امر الاختصاص، كما لم نستعن بأصحاب الكفاءات ولم نطبق ما قالوه. لم تكن هناك خطة لمراقبة المسار وتصحيحه كلما لاح اي انحراف، وكلما ارتفعت اسعار النفط نسىينا ما خططناه وما قلناه وانحرفنا عن الأهداف، التي وضعناها وزادت معها شهية الانفاق.
ان عملية تحويل النص والحلم الى خطوات اجرائية عملية ليست عملية جهد فكري وجدلي عبر الطاولات، كما انها اكبر من معالجة يجتهد البعض لها عبر اللجوء الى جلسات جانبية في غرفة هنا او غرفة هناك.
إنها اوسع مجالا من ذلك بكثير. لأنها ينبغي أن تكون محصلة عمل وطني تستعين بكفاءات وطنية ودولية لكي تعطي المحصلة معطيات قوية التأثير.
و لكن بدون الدخول الآن في أسباب اخفاقنا في ذلك، فمن المهم ان نعرف الآثار المترتبة على انخفاض أسعار النفط والتداعيات المحتملة لكي نقدر أن نفكر بهدوء في سبل ووسائل العلاج.
الأثر الاول: انخفاض حاد في ايرادات الدولة والذي سوف ينشأ عنه عجز كبير في الميزانية العامة للدولة.
وكلما نزلت أسعار النفط اكثر يكون هناك عجز اكبر والتداعيات العامة اكبر بكثير مما يتصورها بَعضُنَا.
الأثر الثاني: يتمثل في العجز الكبير في ميزان المدفوعات، نتيجة تفاقم العجز التجاري فيها والتحويلات الخارجية والارتفاع المتوقع في معدل خدمة الديون.
الأثر الثالث: اضطرار الدولة الى السحب الكبير من صناديق الاحتياط في ظروف قد لا تكون مناسبة، علما بأن هذه الصناديق من المفترض انها انشئت اساسا لكي تكون صناديق للاجيال المستقبلية.
الأثر الرابع: اضطرار الدولة الى الاقتراض من البنوك المحلية والدولية، والاقتراض من البنوك المحلية سوف يقلل السيولة النقدية لدى البنوك؛ مما قد يدفع أسعار الفائدة الى الارتفاع ،والذي سيؤدي بدوره الى التضخم والى تضاؤل قدرة البنوك على تقديم القروض والتسهيلات. وكل ذلك سيؤدي الى ضغوطات على الريال العُماني، لانه كلما انخفضت حصيلة الدولة من الدولارات بسبب انخفاض أسعار النفط المقيمة بالدولار، وازداد الطلب على الدولارات من الحكومة والبنوك والشركات والأفراد لتسديد مستحقاتهم في الخارج، فان كل ذلك قد يؤدي الى نوع من المضاربة بالريال، مما قد ينتج عنه انخفاض غير منظم في سعر صرفه. وعندئذ اما ان يتدخل البنك المركزي بقوة لحماية الريال ولكن بعد تكبده خسائر كبيرة، او يتم النظر بشكل او بآخر في امكانية تعديل سعر صرف الريال وما قديترتب على ذلك من اثارفي حالة الأخذ به.
الأثر الخامس: ركود اقتصادي كبير، وهو من أخطر الآثار. اذ سينتج عنه بطء شديد في التجارة وهبوط في أسعار العقارات والأسهم، وربما سلسلة من الاعسارات قد تؤدي الى بعض الإفلاسات، والتي بدورها قد تؤثر على الوضع المصرفي.
كما أن الركود الاقتصادي سينتج عنه، ليس فقط عدم قدرة الشركات على استيعاب المزيد من المواطنين فحسب، وإنما ستؤدي ايضا الى تسريح اعداد كبيرة منهم، الامر الذي من شأنه ان يؤدي الى زيادة مشكلة الباحثين عن عمل، ولا سيما أن الشركات والمؤسسات تعاني أصلا من فائض في اعداد موظفيها اضافة الى ضعف في إنتاجيتهم. والأجهزة الحكومية هي الأخرى تعاني من تضخم كبير في اعداد الموظفين، وهو جزء من أسباب الترهل في الجهاز الوظيفي الرسمي، الذي أشار اليه معالي يوسف بن علوي بن عبد الله، الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية.
اذا كانت تلك بعض الآثار المترتبة، فما هي وسائل العلاج وما هي الخيارات المتاحة؟؟


