د. عبدالعاطي محمد –
إلى أن تقتنع أطراف الأزمات العربية بأن(خيار التعطيل) لن يفيدها بل يضرها، تظل هذه الأزمات محشورة بين التشبث بأسباب الصراع والخلاف وبين الالتزام بضرورات الحل.
الأول يشير إلى رواسب الماضي الاجتماعية والسياسية والثقافية وتصادم المصالح، والثاني يشير إلى ما تتطلبه اعتبارات الضرورة من تجاوز الماضي والنظر للمستقبل لبناء حياة أفضل للشعوب بناء على تقارب المصالح والمصير المشترك. اعتبارات الضرورة تمنع استفحال الأزمات أي امتدادها لنطاق أوسع، وتفتح الباب للحل، بينما التعطيل يؤدي إلى عكس ذلك تماما، وأما تعليق مصير الأزمات بين هذا وذاك فهو أقرب إلى الانتحار السياسي!.
بنظرة سريعة لا تحتاج إلى عناء الجهد والفكر على واقع المشهد العربي من المحيط إلى الخليج كفيلة بالوقوف عند ملاحظة عامة هي أنه مع اندلاع كل أزمة تتحرك الهمم نحو البحث عن حل فيسود الشعور بالتفاؤل وتمنى الأنفس بقرب زوال الأزمة، وعند الدخول فى التفاصيل أو تفعيل ما يقضي به حل ما تتباعد المواقف وتطفو على السطح العقبات ويتحول التفاؤل إلى تشاؤم وتعود الأنفس إلى حالة الإحباط. ولأن المشهد يتحول إلى وضع الاستعصاء خاصة مع مرور الوقت دون انفراج، يرسخ في الأذهان خيار واحد يعبر عما ينتهى إليه الوضع ألا وهو أنه لا مفر من القبول بخيار التعطيل!، فذلك وحده أخف الأضرار طالما أن الحل الصحيح غير ممكن. ولكن الأحداث لا تتوقف عند هذا الخيار، فمع وجوده يتواصل مسار تصعيد عوامل الصراع أو الخلاف مما يجعل المشهد أكثر بؤسا، فلا جهد حقيقى يبذل لتجنيب هذه العوامل أو على الأقل تخفيف حدتها، ولا إشارة تبعث على الأمل بأن العزائم اتجهت إلى تجاوز خيار التعطيل، والنتيجة هي الدوران في دائرة تعليق الأزمات وترحيلها لأجيال تلو أجيال مع دفع ثمن باهظ كل يوم مظهره الجلي – في أبسط الصور – حالة التشاحن والفرقة الدائمة.
لم يكن معقولا أن تجرى الدعوات من مجلس النواب اللبناني لاختيار رئيس جديد للبنان لتصل إلى ست عشرة مرة وعلى مدى زمني طويل دون أن يكتمل النصاب عمدا ولا يتم الاتفاق على الرئيس الجديد. ومضى الأمر وكأنه شيء عادي لا يشكل ضررا بمصالح اللبنانيين!. فهناك مرشحون أربعة (من الطائفة المارونية) كل منهم يرى في نفسه الأجدر، ولكن الاختيار ظل متعسرا. أيا منهم له الحق في طرح نفسه على أنه المخلص المنتظر، ولا أحد يستطيع أن يطعن في قدرات أي منهم، ولكن الافتقاد إلى التوافق بين الكتل السياسية جعل المهمة عسيرة بشكل غير مسبوق في تاريخ لبنان المعاصر، إضافة إلى الافتقاد للتوافق الإقليمي والدولي في هذا الصدد، وهو تطور غير مسبوق أيضا. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن أطراف الأزمة فضلوا تعليق الحل على اتخاذه تجنبا لأضرار تترتب على عدم التوافق. كان مخرجا على طريقة الهروب إلى الأمام!.
مثل هذه الأزمات تبدو أكثر حدة ووضوحا في سوريا والعراق وليبيا واليمن. لقد مرت أربع سنوات تقريبا على الأوضاع المأساوية في سوريا دون بارقة أمل في الحل لتبقى الأزمة معلقة محشورة بين رواسب الماضي المعقدة وتضارب المصالح داخليا وخارجيا وبين ضرورات الواقع التي تحتم إغلاق الملف على حل صحيح ودائم.
وعبر خيار التعليق الذى تحول إلى أمر واقع توالت التداعيات الأليمة الواحدة تلو الأخرى. النظام ظل على حاله ولم يسقط، والمعارضة المدنية التي تصدرت المشهد وسعت لاستلام السلطة بديلا لهذا النظام لم تراوح مكانها لا تستطيع أن تغير المعادلة، وقفزت الجماعات المتطرفة إلى صدارة المشهد وسط مسمع ومرأى العالم. وجودها أفاد النظام لأنه أعطى رسالة للسوريين بأن التخلي عن النظام معناه اختيار هذه الجماعات بكل ما تمثله من أخطار. ومع مرور الوقت نجح الأسد في تسويق موقفه بأن ما جرى في بلاده كان مؤامرة وما يواجهها هو الإرهاب وليس أخطاء النظام.
وبمرور الوقت أيضا لم يعد العالم الغربي معنيا بنجاح الثورة السورية من عدمه بقدر ما أصبح معنيا بمواجهة «داعش» ورفاقها. وفي العراق لم تنجح حكومة المالكي فى إنجاز المصالحة الوطنية الحقيقية مما خلق مناخا مواتيا لصعود «داعش» إلى حد فرض سيطرتها على مناطق عدة من العراق، وعندما أفاق وجاءت حكومة العبادي وجدت نفسها أمام مهمة ضخمة قوامها إعادة بناء الدولة وتحقيق المصالحة والقضاء على «داعش». ولأن البلاد عادت إلى نقطة الصفر مع اختيارها لهذه الأهداف التي لا يختلف عليها أحد، فإن المعالجة احتاجت أيضا لتعليق الحل السياسي للأزمة انتظارا للانتهاء من مشكلة «داعش» التي بدت صعبة وتحتاج إلى عدة سنوات. وأما الوضع في ليبيا فإنه لا يقل صعوبة وتعقيدا عن مثيله في سوريا والعراق.
هناك حكومتان وبرلمانان كل منهما يتحدث باسم السلطة الشرعية، وهناك حرب بين ما يسمى بالجيش الوطني مع ميليشيات عديدة مسلحة، وهناك قلق متزايد من دول الجوار وصل إلى حد مطالبة البعض منهم بتدخل دولى لإعادة الأمن والاستقرار.
واللافت أنه منذ اندلاع الأزمة مع سقوط نظام القذافي كانت هناك محاولات عديدة للحوار والبحث عن حل لمستقبل البلاد السياسي وكلها لم تنجح، كما أن دعوات ومحاولات الحوار لم تتوقف حتى في ظل التشاحن الغريب على قيادة البلاد في الوقت الراهن، وهي محاولات جاءت من الأمم المتحدة ومن دول الجوار ولم تكن الجامعة العربية بعيدة عنها، ولكنها بدورها متعثرة وأفقها السياسي بالغ الغموض.
واليمن الذي كان قد نجح فيما فشل فيه الآخرون عندما تمكن من إنجاز وثيقة المؤتمر الوطني التي رسمت خريطة سياسية واضحة للانتقال الديمقراطي بشكل سلمي، انقلب على نفسه سريعا وعاد إلى نقطة الصفر مع اندلاع أزمة الحوثيين وتفاقمها وانقسام المؤتمر الشعبي العام بين أنصار علي عبدالله صالح وأنصار عبد ربه منصور هادي الرئيس الحالي للبلاد وإصرار الحراك الجنوبى على الانفصال.
وأمام هذا الوضع المفاجئ جرى تعليق الأزمة مجددا، فلا أحد يحرك ساكنا لوقف تمدد الحوثيين برغم الثمن الفادح الذي يدفعه اليمنيون كل يوم ولا أحد يعيد الأمور إلى النقطة التي كانت عندها نتائج الحوار الوطني الإيجابية. تعليق الأوضاع على حالها المتردي بدا وكأنه خيار داخلي وخارجي أو كأنه أقل ضررا من التصدى بشجاعة لهذه الأوضاع لتصحيحها. تفسير مثل هذه الأوضاع المأساوية التي يتصدرها عنوان وحيد هو تعليق الأزمات أو حشرها بين عقد ورواسب الماضي وبين ضرورات الواقع يأتي من خلال ثلاث زوايا، الأولى تتعلق بالمناعة السياسية، والثانية بثمن التوافق، والثالثة بالفرص والتحديات.فأما المقصود بالمناعة فهو ينصرف إلى وجود اقتناع لدى أطراف كل أزمة بأنها محصنة من الفشل وقادرة على النجاح، وتلك ملاحظة ربما تكون حكرا على العقل العربي المعاصر دون غيره من الأمم الناهضة!. لقد تحدث الأخضر الإبراهيمي المبعوث الدولي السابق في الأزمة السورية للبي بي سي أخيرا عن خبرته مع تلك الأزمة، وقال ضمن ما قال إنه لمس اقتناعا لدى الرئيس السورى بشار الأسد بأنه سينتصر لا محالة في صراعه مع المعارضة، ومن ثم لم يكن مقتنعا بجدوى المفاوضات معها، وأن وليد المعلم وزير الخارجية ذهب إلى جنيف فى المرة الوحيدة التي جلس النظام مع المعارضة للتفاوض ليس لكي يتفاوض وإنما ليقول للحاضرين علنا من هؤلاء الذين تريدوننا نتفاوض معهم!!، وبالمثل يقول الإبراهيمي إن المعارضة من جانبها كانت تعبر عن ثقتها بأن الأمريكان قادمون لإسقاط النظام وكان يستمع إلى ذلك بغرابة متعجبا من هذه الثقة التي لم يكن هناك مؤشر عليها إلا عند المعارضة!. نفس الملاحظة تنطبق على أطراف الأزمات الأخرى، أي الثقة المفرطة في الذات ومن ثم رفض التنازل عن الحد الأقصى للمطالب.
وأما ما يتعلق بالتوافق فالقصد منه أنه مخرج يحتم دائما أن يكون له ثمن، بمعنى أن من يقبل به عليه أن يدرك منذ البداية أنه لابد أن يدفع ثمنا، أي لابد أن يقدم بعض التنازلات. في الحالات العربية ليس واردا هذا التصور، على خلاف كل ما يجري بين الشعوب الأخرى عند العمل على إيجاد حل لأزماتها.
وأما من حيث عامل الفرص، فيقصد به أنه طالما هناك فرصة واعدة لدى طرف ما من الأطراف لتحقيق كل مطالبه مرة واحدة، فلا أمل في أن يغير موقفه إذا ما اضطر للتفاوض.
وفي حالة الأزمات العربية لا يزال هذا الأمر موجودا، حيث تتعدد الفرص أمام كل طرف للخروج من الضغوط وقلب المائدة على من في مواجهته!. وهكذا لن يتغير المشهد المأساوي إلا عندما تكون كل الأطراف معرضة للأذى من استمرار الأزمة (ليس لها مناعة منها)، وعندما يقتنع كل طرف بضرورة أن يدفع ثمنا في حالة قبوله بخيار التوافق.


