تكتيكات التنفيذ

آن بنت سعيد الكندية –

Twitter : @AnnAlkindi –

ليست هذه هي المرة الأولى التي يهبط فيها سعر النفط ولن تكون الأخيرة فالنفط سلعة ، وسوق السلع الخام يتأثر بعوامل سياسية وتتحكم فيه المضاربة إلى حد ليس ببسيط إلى جانب عاملي العرض والطلب. ناهيك عن ما تكشف في الشهور الأخيرة عن حركة تهريب واسعة النطاق لنفط الشرق الأوسط لا تسجل جانب الطلب على النفط.

في كل مرة ينخفض سعر النفط نبدأ بالتشاؤم وإلقاء اللوم، التشاؤم هروب نفسي من واقع الحياة في حين أن قانون الحياة يتطلب فهم ما يدور حولنا ورسم استراتيجيات لمواجهة ذلك، إلا أننا وبمجرد أن تعاود أسعار النفط بالارتفاع تستمر عجلة الحياة الاقتصادية بوتيرتها الاعتيادية. وبعيدا عن الدعوة للتنويع الاقتصادي الذي طالما وضعناه في خططنا السابقة وكان أحد مرتكزات رؤية 2020 ، إلا أن تكتيكات التنفيذ لهذه الأجندة تستدعي أكثر من مجرد خطة تنفيذية محددة الوقت وإنما دعمها بمؤشرات كمية لقياس الأداء.

إن الخطة التنفيذية تعني آلية التنفيذ فنحن اليوم بحاجة إلى فكر تنفيذي عملي يتمثل في تكليف مهني بأجندة محددة مع إعطاء المنصب التنفيذي رتبة وزارية دون الدخول في معترك السياسة وصراعاتها بل يمكن بمنحه صلاحيات الوزير للتنفيذ مع فريق عمل مصغر. يُسمى هذا الوزير في بعض الدول وزير الدولة ويكلف بملف أو أجندة تنفيذية..

على سبيل المثال – أن يكون التكليف بملف الاستثمارات الخارجية بعيدا عن حقائب متعددة تثقل كاهل الوزير وتمنعه من التركيز على أجندة واحدة. فنحن عندما نتحدث عن تركز مهام كثيرة في يد وزير واحد ومن ثم نتساءل عن سوء الأداء فنحن نغالط أنفسنا وندور في نفس الحلقة، ومما يتنافى مع مبدأ إشراك الشباب وتوزيع المهام. وحتى لا ندخل في ذكر أمثلة كثيرة تناولتها عدة أقلام عن تعدد المناصب الحكومية فإنني أقول أن النهوض بقطاع الطيران على سبيل المثال وليس الحصر لا يمكن أن يكون إلا بتفرغ تام من رئيس مجلس إدارته لأن الطيران العماني بلا شك ماضٍ في تحديث شامل لأسطوله وهيكله الإداري.


وهناك جدل طويل بين ضرورة فصل التنفيذ عن التخطيط ، نعم يمكن ذلك طالما أن هناك جهة مركزية للتخطيط ، وبوجود جهات تنفيذية بعيدة عن الصفة الحكومية التشريعية. لكن الواقع ما زال لا يعكس هذا التوجه والتنسيق آليته تكاد تكون من الصعوبة بمكان في ضوء الهيكلة الحكومية المتعددة والمتداخلة.

إن للتنفيذ تكتيكات تتطرق إلى تغيير هيكلي منهجي كوجود وحدة حكومية تعنى بتقييم التنفيذ ، حيث تهدف هذه الوحدة لتقييم معايير مقاييس الأداء التي يجب أن ترتبط جميعها بشاشة واحدة تسمى في علم إدارة المعلومات ب(dashboard)، لتقييم الأداء الحكومي بشكل فوري وليس سنويا ، مما يسهل من سرعة عملية اتخاذ القرار.

وإذا ما أردنا تنفيذ أجندة واحدة من التنوع الاقتصادي فلنأخذ السياحة على سبيل المثال فالسياحة صناعة تصنعها شركات متخصصة وليست دوائر حكومية مهمتها تشريعية وليست تنفيذية. فالشركات تعيش عالما ديناميكيا لا تستطيع الدوائر الحكومية مواكبته إلا أنها تقوم بالتشريع عبر هيئة صغيرة. إن صناعة السياحة تبدأ من خروج السائح من باب الطائرة لذا أجندة السياحة مرتبطة ارتباطا مباشرا بصناعة الطيران فهي منظومة متكاملة إذا ما تجزأت تبعثرت الجهود. وإذا ما طبقنا من المحاسن التي توجد لدينا فوزارة النفط والغاز مثال جيد، فهذه الوزارة تقوم بدور تشريعي وليس تنفيذي فهناك شركات تقوم بمهمة استكشاف واستخراج النفط، إلا أن وزارة النفط والغاز كغيرها من الوحدات الحكومية خسرت كوادرها المميزة ، والخوف أن لا يبقى فيها سوى خريجين جدد، أو من تحاول أن تنتدبهم الوزارة من شركات النفط بعد ما خسرتهم.

إن المصطلحات الإدارية اليوم أخاذة جذابة في مسمياتها لأنها بلغت درجة كبيرة من التقدم والتخصصية منها إدارة الأزمات ، وإدارة التغيير إلا أن ما يهمنا اليوم هو إدارة المواهب البشرية Talent management فأرض الواقع اليوم تقول لدينا فن إدارة المجاملات. في حين أن هذه المجاملات ليست ظالمة لمن اُخذ حقه في ذلك المنصب فحسب، بل هي للشخص نفسه الذي حظي بها لأنه وضع في مكان حُكم عليه بالفشل.

علينا أن نلتفت إلى حقيقة أن الشعب العماني اليوم شعب شاب ، حيث نشر المركز الوطني للإحصاء والمعلومات الشهر الماضي تقرير السكان والتنمية ذكر فيه أن نسبة الشباب تبلغ أكثر من 65% (22% أقل من 15 سنة ، و 47% في الفئة العمرية بين 35 إلى 64 سنة). كما ذكر التقرير أن السلطنة تمر بنافذة ديموغرافية تسمح لها بتحقيق طفرة تنموية كبيرة إذا ما أحسن استغلالها من خلال تأهيل السكان للمشاركة في عمليات التنمية. وبوجود تكنولوجيا الاتصالات ووسائل المواصلات التي أتاحت السفر والاطلاع بمبالغ معقولة فهو اليوم يرى ويسمع عن ما يحدث في العالم ويُحلم أن يرى الكثير في بلده. ولا شيء يرضيه سوى حركة ديناميكية دؤوبة يكون هو فيها عنصرا فعاّلا مشاركا. إن التفكير النمطي ناهيك عن النمطية والتكرار تثير استياء الشباب لأنه دائم البحث عن الجديد في عالم مثير أحداثه متسارعة لذا فإن النظام البيروقراطي سينتج دوما فكرا بيروقراطيا همه الأول والأخير عدم الخروج عن اللوائح والاُطر القانونية الذي ينسى دائما أنها وجدت لخدمته وليست لعرقلة تقدمه.

قد تثير هذه الأفكار المطروحة نقاشا مطولا ، وقد يرى البعض أنها غير قابلة للتطبيق ، لكنني أقول فلنبدأ من حيث انتهى الآخرون ، ونبتعد عن المكاتب الاستشارية وبيوت الخبرة ، فالعصف الذهني لمجموعة من الخبراء الدوليين المشهود لهم كافية لأخذ أفكار كثيرة وإيجاد بيئة محفزة لتبادل الخبرات مع الشباب وبمبالغ أقل بكثير عن ما يُدفع لبيوت الخبرة الدولية. إن الحوار المجتمعي ينبغي أن تكون سياسة متبعة للمرحلة القادمة فهي لا تمثل فقط إشراك لفئات المجتمع وإنما تهيئة غير مباشرة للخطط المستقبلية الحكومية.

إن ما تحقق في عمان من مشاريع في كافة المجالات يدخلها حتما مرحلة أخرى في مراحل التقدم والنمو ، مما يتطلب تحديث للهيكل التنظيمي للدولة ، وقد تم ذلك فعلا على أرض الواقع بإنشاء الحكومة هيئات مختصة هي اليوم بحاجة إلى مرونة من الطرف التشريعي، يستجيب إلى المستوى المهني الذي تسعى إلى تحقيقه والذي لا يكون إلا بتبني أفكار الشباب النيرة التي هي بحاجة إلى آذان صاغية، وثقة في قدراتها قبل كل شيء.